مجتمع

“الفقر ليس قدرا”.. حقوقيون يدعون لمراجعة الإنفاق العمومي وتعزيز خدمات العيش الكريم

“الفقر ليس قدرا”.. حقوقيون يدعون لمراجعة الإنفاق العمومي وتعزيز خدمات العيش الكريم

حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من استمرار مظاهر الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي في المغرب، معتبرة أن السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة لم تنجح في معالجة الأسباب الهيكلية لهذه الظواهر، وداعية إلى مراجعة الأولويات المالية للدولة وتعزيز الاستثمار في الخدمات الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

واختارت الجمعية، بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل سنة، شعار “الفقر ليس قدرا، بل نتيجة لسياسات واختيارات الدولة”، مجددة تأكيدها على مواصلة النضال ضد ما وصفته بسياسات التفقير العمومية ووصفات العولمة الليبرالية المتوحشة.

وتتزامن هذه المناسبة -وفق الجمعية- مع اختيار الأمم المتحدة شعار “مساكن مأمونة للجميع” لهذه السنة، في سياق عالمي يواجه فيه أكثر من 2.8 مليار شخص أشكالا من نقص الإسكان، بينما يعاني ما لا يقل عن 330 مليون شخص من التشرد المطلق، وفق المعهد العالمي للتشرد.

وتشمل الفئات الأكثر تضررا ذوي الدخل المنخفض والنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين، إلى جانب الأقليات العرقية والإثنية.

وتدعو المناسبة -بحسب الجمعية- إلى جعل احتياجات الأشخاص الذين يعيشون في الفقر أولوية في قرارات السياسات العامة والاختيارات المالية للدول، بما يضمن عدم إقصائهم من الأنظمة الاجتماعية وتمكين الجميع من العيش بكرامة.

معطيات متباينة حول الفقر في المغرب

وفي تقييمها للوضع الاجتماعي بالمغرب، اعتبرت الجمعية أن الإحصائيات والمؤشرات المتاحة لا تعكس صورة واضحة عن حجم الفقر، مشيرة إلى وجود تباين بين الأرقام الرسمية المتعلقة بتراجع الفقر متعدد الأبعاد والمعطيات المرتبطة بتوسع الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي.

وفي هذا السياق، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط، المستندة إلى الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، إلى تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المائة سنة 2014 إلى 6.8 في المائة سنة 2024، وانخفاض عدد الأشخاص المصنفين ضمن هذه الفئة من نحو أربعة ملايين إلى 2.5 مليون شخص، مع استمرار تمركز الفقر في الوسط القروي وبقاء التفاوتات المجالية.

في المقابل، تبرز أرقام الحماية الاجتماعية ارتفاع عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر من نحو مليون أسرة في دجنبر 2023 إلى ما يقارب أربعة ملايين أسرة في نهاية 2025، فيما ارتفع عدد المستفيدين من حوالي 3.5 ملايين شخص إلى 12.6 مليون شخص خلال الفترة نفسها. وترى الجمعية أن هذه المعطيات، إلى جانب مؤشرات أخرى، تستدعي التدقيق في حجم الفقر والهشاشة ومدى نجاعة السياسات المعتمدة لمواجهتهما.

واستدلت الجمعية أيضا باستمرار الاحتجاجات والمسيرات في القرى والمناطق الجبلية والمهمشة، والوقفات التي تشهدها الأحياء المهملة بضواحي المدن، فضلا عن محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس حجم الإقصاء وتدهور الأوضاع الاجتماعية، رغم ما تصفه بالمنع والقمع والوعود غير المنفذة.

وفي مقابل هذه الأوضاع، انتقدت الجمعية ما اعتبرته إنفاقا سخيا على مشاريع مكلفة لا تستجيب للأولويات الاجتماعية والحاجات المستعجلة، في وقت لا تزال فيه مناطق وفئات واسعة تعاني من غياب البنيات التحتية الأساسية، وضعف الخدمات المقدمة من المرافق الاجتماعية، وندرة فرص الشغل، وارتفاع البطالة، وغياب مصادر الدخل القار، فضلا عن تزايد تكاليف المعيشة.

وربطت الجمعية استمرار الفقر بتبني اختيارات اقتصادية واجتماعية تقوم -بحسب تقييمها- على آليات نظام رأسمالي متوحش، يتسم بالاستغلال والتمييز والقهر الطبقي وتهميش مبادئ العدالة الاجتماعية.

ووصفت النموذج القائم في المغرب بالهجين، بسبب تداخل التوجهات الليبرالية مع الممارسات الريعية والاستحواذية والتقليدية، وما يرتبط بها من فساد واستبداد، معتبرة أن الحلول الترقيعية المعتمدة لا تعالج الأسباب البنيوية للفقر والإقصاء ولا تضمن الإعمال الفعلي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.

النساء في صدارة الفئات المتضررة من الفقر

وسلطت الجمعية الضوء على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للنساء، معتبرة أنهن من أكثر الفئات تضررا من الفقر، بفعل البطالة والتحيز في سوق الشغل والتمييز في الأجور، إلى جانب التضييق على الحريات النقابية والتسريحات الجماعية.

وأشارت إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز 23 في المائة، وأن معظم هذه المشاركة تتم في القطاع غير المهيكل، كما لفتت إلى استمرار انتشار الأمية في صفوفهن، إذ تطال نحو ثلث النساء البالغات عشر سنوات فأكثر، وترتفع النسبة إلى 51.6 في المائة لدى النساء في العالم القروي، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.

واعتبرت الجمعية أن هذه المؤشرات تبرز الحاجة إلى تعزيز حق النساء في التعليم والصحة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية، ودعم تمكينهن الاقتصادي، بما يتيح توسيع فرص الشغل وتحقيق المساواة الفعلية ومواجهة ما وصفته بتأنيث الفقر.

مطالب بمراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية

وجددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان دعوتها الدولة إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات والعهود الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها، ولا سيما ضمان الإعمال الكامل والواضح لمقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

كما ربطت القضاء على الفقر المدقع والهشاشة بإقامة نظام ديمقراطي يحترم إرادة الشعب المغربي وحقه في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، ويضمن التنمية المندمجة والمستدامة، مع وضع حد للفساد وسياسة الإفلات من العقاب في الجرائم التي تطال هذه الحقوق.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، طالبت الجمعية باعتماد سياسات قادرة على الحد من الفقر والفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، داعية إلى الرفع من ميزانيات واستثمارات المرافق العمومية وتحسين جودة خدماتها، عوض خوصصتها وتسليعها.

وشملت مطالبها تعزيز الحماية من البطالة، ورفع القدرة الشرائية، والزيادة في الأجور والمعاشات، وتخفيض الضرائب وإلغائها بالنسبة إلى المداخيل الصغرى والمتوسطة والمعاشات، فضلا عن وقف وسحب القوانين والقرارات التي تستهدف -وفق تعبيرها- مزيدا من المساس بالحقوق والرعاية الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بتدبير الكوارث الطبيعية، حثت الجمعية الدولة على وضع خطط وبرامج فعالة ومضمونة النجاعة للتعامل مع الكوارث وتداعياتها، مستحضرة ما اعتبرته قصورا في تدبير آثار زلزال الحوز وفيضانات الغرب واللوكوس، بما كشف عن محدودية جاهزية الدولة للتعامل مع مثل هذه الأزمات.

كما دعت إلى اعتماد سياسة عمومية تحقق المساواة بين الجنسين وتواجه تأنيث الفقر، من خلال توفير فرص العمل اللائق للنساء، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل، وضمان المساواة في الأجور، وصون الحق في الصحة والسكن اللائق، والاعتراف بالعمل المنزلي وخدمات الرعاية.

وشددت الجمعية على ضرورة ضمان الحق في الشغل لجميع المواطنات والمواطنين، وفي مقدمتهم حاملو الشهادات، واحترام حقوق العاملات والعمال عبر التطبيق السليم لقوانين الشغل ووضع حد للانتهاكات التي يتعرضون لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *