وجهة نظر

مفهوم «المنهج النبوي»: مراجعة نقدية في الدلالة والأدب

مفهوم «المنهج النبوي»: مراجعة نقدية في الدلالة والأدب

تشهد الساحة الفكرية والدعوية بالمغرب تداولاً متزايداً لمصطلح “المنهج النبوي”، حيث باتت هذه العبارة تتردد في الأدبيات الحركية والخطابات التنظيمية بوصفها مرجعية مؤسِّسة لمشاريع سياسية ودعوية بعينها. غير أن التأمل المعرفي الدقيق في هذا المصطلح يكشف عن إشكالات جوهرية، سواء من الناحية الإبستمولوجية المتعلقة ببنية المصطلح ودلالته، أو من الناحية الأدبية المتعلقة بما يقتضيه مقام النبوة من توقير، أو من الناحية الوظيفية المتعلقة بتوظيف المقدس في خدمة المشاريع البشرية. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك هذا المصطلح وبيان ما ينطوي عليه من مزالق، دون إنكار فضل أصحابه أو التشكيك في نواياهم، وإنما من باب النصيحة العلمية والتدقيق المعرفي الذي هو واجب كل باحث.

أولاً: إشكالية المصطلح من الناحية الإبستمولوجية

1. المنهج مفهوم بشري بامتياز

لفظ “المنهج” (Method/Methodology) في الاصطلاح المعرفي الحديث يُشير إلى مجموعة من القواعد والإجراءات العقلية المنظمة التي يضعها الإنسان ويطورها بناءً على تجربته ونظره واجتهاده، بهدف الوصول إلى غاية محددة. وهو بهذا المعنى نتاج فعل عقلي بشري محض، يخضع للمراجعة والتعديل والتطوير، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بصاحبه من حيث هو كائن مفكر يبني منظومته الفكرية بأدواته الذاتية.

ومن هنا نجد أن المنهج يُنسب عادةً إلى الفلاسفة والمفكرين والعلماء: فنقول “المنهج الديكارتي” نسبةً إلى ديكارت الذي وضع قواعد منهجه في كتابه الشهير “مقال في المنهج”، و”المنهج التجريبي” عند فرنسيس بيكون، و”المنهج الجدلي” عند هيغل وماركس. فالمنهج في كل هذه الحالات هو صنيعة بشرية تعكس رؤية صاحبها وحدود إدراكه وأفق تجربته.

2. النبوة تسديد إلهي لا تفلسف بشري

أما رسول الله ﷺ فإن مقامه يتجاوز مقام الفيلسوف أو المفكر أو المنظّر تجاوزاً كلياً. فهو نبي مُسدَّد بالوحي الإلهي، لا يصدر في أمر الدين عن اجتهاد عقلي محض، وإنما هو مُبلِّغ عن ربه ومُؤتَمَن على رسالته. قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 3-4]. فالنبي ﷺ لم يكن يبني “منهجاً” بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل كان يسير على هدي الوحي وبوصلته، ويتلقى التوجيه الإلهي في كل منعطف ومفصل.

وهذا فارق جوهري ينبغي أن يستحضره كل من يتعامل مع السيرة النبوية والسنة المطهرة. فالسنة النبوية ليست “منهجاً” وضعه بشر ليُدرَس كما تُدرَس مناهج الفلاسفة، بل هي هَدْي نبوي مُسدَّد، وسُنة ربانية المصدر نبوية التطبيق. ولذلك فإن المصطلح القرآني الأدق هو “المنهاج” بمعنى الطريق الواضح الذي جعله الله، كما في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، والفاعل هنا هو الله سبحانه لا البشر، فالمنهاج هنا جَعْلٌ إلهي لا صناعة بشرية.

3. الفرق بين “المنهاج الإلهي” و”المنهج البشري”

ثمة فرق دقيق بين أن نقول إن الله تعالى قد جعل لعباده منهاجاً واضحاً بيَّنه على لسان نبيه، وبين أن ننسب إلى النبي ﷺ “منهجاً” بالمعنى الاصطلاحي المعاصر. ففي الحالة الأولى نحن نُقرّ بأن المصدر هو الله تعالى، وأن النبي مبلِّغ ومبيِّن. أما في الحالة الثانية فإننا — شعرنا أم لم نشعر — ننزل بمقام النبوة إلى مقام التنظير البشري، ونحوّل الوحي الإلهي إلى “مشروع فكري” قابل للتفكيك والإحاطة والاستيعاب الكامل من قِبَل أتباع تنظيم بعينه أو مدرسة بذاتها.

ثانياً: إشكالية الأدب مع مقام النبوة

1. ادعاء الإحاطة بالهدي النبوي

حين يقول قائل إنه يسير على “المنهج النبوي” فإن ذلك يتضمن — بصورة ضمنية أو صريحة — ادعاءً بأنه قد أحاط بهذا المنهج علماً، واستوعبه فهماً، وأدرك أبعاده ومراميه إدراكاً يؤهله لتطبيقه والسير على هديه. وهذا ادعاء عريض لا يتناسب مع مقام النبوة ولا مع حقيقة القصور البشري.

فرسول الله ﷺ بُعث رحمةً للعالمين، وسنته بحر لا تُدرَك أعماقه، وهديه نور لا تُحاط أطرافه. وقد عجز أكابر العلماء والأئمة على مدار أربعة عشر قرناً عن الإحاطة الكاملة بالسنة النبوية روايةً ودرايةً وفقهاً واستنباطاً. فكيف يُدَّعى بعد ذلك أن جماعة بعينها أو تنظيماً بذاته قد استوعب “المنهج النبوي” حتى صار عنواناً لمشروعها ومرجعية لحركتها؟

قال الإمام الشافعي رحمه الله: “كلما أدركتُ بنظري شيئاً من علم رسول الله ﷺ ازددتُ يقيناً بقصور إدراكي”. وهذا هو الأدب الحقيقي مع مقام النبوة: أن يعرف المرء أنه مهما بلغ من العلم فإنه لن يحيط بهدي رسول الله إحاطةً تامة.

2. خصوصية المقام النبوي

إن القرآن الكريم قد أدَّب المؤمنين في التعامل مع مقام النبوة أدباً رفيعاً بليغاً، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]. فإذا كان رفع الصوت فوق صوت النبي مهدداً بإحباط العمل، فكيف بمن يختزل مقام النبوة في “منهج” يدّعي تنظيم بعينه احتكار فهمه وتطبيقه؟

وقال تعالى: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63]. والمعنى العام الذي تشير إليه الآية هو وجوب تمييز مقام النبي عن مقام سائر البشر في كل شيء، ومن ذلك أن لا نتعامل مع هديه كما نتعامل مع أطروحات المفكرين ومناهج الفلاسفة.

3. الأولى استخدام المصطلحات القرآنية والحديثية

الأَوْلى بالمؤمن أن يستخدم المصطلحات التي استخدمها القرآن والسنة في وصف ما جاء به النبي ﷺ، وهي مصطلحات دقيقة بليغة تحفظ مقام النبوة وتصون جلال الوحي. فالقرآن يتحدث عن “الهدى” و”السبيل” و”الصراط المستقيم” و”الشرعة والمنهاج” (بالجعل الإلهي) و”السنة” و”الأسوة الحسنة”. وكل واحد من هذه المصطلحات يحمل دلالة معرفية وروحية لا يؤديها مصطلح “المنهج” المستورد من حقول معرفية لا علاقة لها بمقام النبوة.

قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. فالقرآن لم يقل “منهجاً” بل قال “أسوة”، وشتان بين الدلالتين؛ فالأسوة تقتضي الاتباع والاقتداء مع الوعي بعظمة المُقتدَى به والعجز عن بلوغ مقامه، بينما “المنهج” يوحي بالاستيعاب والإحاطة والتملك الفكري.

ثالثاً: الإشكالية الوظيفية: توظيف المقدس لخدمة المشروع

1. آلية الاحتكار الرمزي

من أخطر ما ينتج عن تبني مصطلح “المنهج النبوي” عنواناً لمشروع تنظيمي بعينه هو ما يمكن تسميته بـ”الاحتكار الرمزي للنبوة”. فحين تقول جماعة إنها تسير على “المنهج النبوي” فإنها — بوعي أو بدون وعي — تضع نفسها في موضع الممثل الشرعي الوحيد لهذا المنهج، وتُنشئ معادلة ضمنية مفادها: من كان معنا فهو على المنهج النبوي، ومن خالفنا فقد حاد عنه. وهذه معادلة بالغة الخطورة لأنها تُحوّل الاختلاف السياسي أو التنظيمي إلى انحراف عن النبوة، وتجعل نقد المشروع البشري نقداً للهدي النبوي ذاته.

وهذا الاحتكار الرمزي ليس جديداً في تاريخ الحركات الدينية، فكثير من الجماعات عبر التاريخ الإسلامي ادعت أنها الفرقة الناجية أو أنها الأقرب إلى الهدي النبوي، واستخدمت هذا الادعاء سلاحاً لإقصاء مخالفيها ولتحصين مشاريعها البشرية من النقد والمراجعة.

2. الخلط بين الإلهي والبشري

إن إسباغ صفة “النبوي” على مشروع بشري تنظيمي يؤدي إلى خلط خطير بين ما هو إلهي ثابت وما هو بشري متغير. فالاجتهادات التنظيمية والخيارات السياسية والرؤى الحركية كلها أمور بشرية تحتمل الصواب والخطأ، وتخضع للنقد والمراجعة والتعديل. لكن حين تُلبَس هذه الاجتهادات لبوس “المنهج النبوي” فإنها تكتسب هالة من القداسة تجعل نقدها ضرباً من المحظور، ومراجعتها نوعاً من التطاول على مقام النبوة.

وقد حذَّر علماء الأصول من هذا الخلط تحذيراً شديداً. قال الإمام الشاطبي في “الموافقات”: إن من أعظم أسباب البدع أن يُنسب إلى الشريعة ما ليس منها ويُجعل من الدين ما ليس منه. والمقصود هنا ليس اتهام أحد بالابتداع، بل التنبيه على خطورة إلباس المشاريع البشرية لبوس الوحي والنبوة.

3. إغراء الكلمات البراقة

لا يخفى أن مصطلح “المنهج النبوي” يحمل بريقاً عاطفياً قوياً يستهوي كثيراً من المسلمين المحبين لرسولهم ﷺ . فمن ذا الذي يرفض أن يكون على “المنهج النبوي”؟ ومن ذا الذي يجرؤ على نقد ما يوصف بأنه “نبوي”؟ وهنا تكمن المعضلة: فالمصطلح يعمل كـدرع لغوي يحمي المشروع البشري الذي يقف خلفه من كل نقد ومساءلة، ويُحوّل كل ناقد إلى “معترض على المنهج النبوي” بدلاً من أن يكون ناقداً لاجتهاد بشري قابل للخطأ.

وقد قال أهل العلم قديماً: “إياكم ومحدثات الألفاظ فإنها مفاتيح محدثات المعاني”. وليس أخطر من لفظ يبدو في ظاهره تعظيماً للنبوة وهو في حقيقته اختزال لها وتوظيف لهيبتها.

رابعاً: الموقف العلمي السليم

1. التمييز بين الاتباع والادعاء

إن اتباع سنة رسول الله ﷺ واجب على كل مسلم، والاقتداء بهديه فريضة لا جدال فيها. لكن ثمة فرقاً بين الاتباع المتواضع الذي يعرف صاحبه أنه يسعى جاهداً للاقتداء بالنبي مع إدراكه لقصوره وعجزه عن الإحاطة الكاملة بالهدي النبوي، وبين الادعاء المتكبر — ولو كان لا شعورياً — الذي يزعم صاحبه أنه قد استوعب “المنهج النبوي” واحتكر تمثيله.

والأمة الإسلامية عبر تاريخها عرفت مدارس فقهية ومذاهب عقدية متعددة، كلها تسعى للاقتداء بالنبي ﷺ مع اختلافها في الفهم والتطبيق، ولم يدَّعِ أحد من أئمة المذاهب المعتبرين أنه وحده على “المنهج النبوي” دون غيره. بل كان الإمام مالك رحمه الله يقول: “كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، مشيراً إلى قبر رسول الله ﷺ . وفي هذا القول غاية الأدب وغاية العلم: فهو يعترف بأن فهمه للسنة اجتهاد بشري قابل للخطأ، ويحفظ مقام النبوة فوق كل اجتهاد.

2. ضرورة التدقيق المصطلحي

إن التدقيق في المصطلحات ليس ترفاً فكرياً بل هو ضرورة علمية ودينية. فالمصطلحات أوعية المعاني، والخطأ في المصطلح يقود حتماً إلى خطأ في التصور. ولذلك كان علماء الأمة يولون عناية فائقة لضبط المصطلحات وتحرير دلالاتها.

والمقترح هنا ليس إلغاء الإشارة إلى الهدي النبوي — حاشا وكلا — بل استبدال مصطلح “المنهج النبوي” بمصطلحات أكثر دقة وأعمق أدباً، كأن يُقال: “الاقتداء بالهدي النبوي” أو “اتباع السنة” أو “التأسي بالأسوة النبوية” أو “السير على الشرعة والمنهاج الإلهي”. فكل هذه التعبيرات تحفظ مقام النبوة وتُقرّ بأن المصدر هو الله تعالى وأن البشر أتباع ومقتدون لا مُحيطون ومستوعبون.

3. فصل المقدس عن التنظيمي

إن من أهم ما ينبغي التأكيد عليه هو ضرورة الفصل الواضح بين الثوابت الشرعية من قرآن وسنة، وبين الاجتهادات التنظيمية والخيارات الحركية. فالأولى مقدسة معصومة لا تقبل المساس، والثانية بشرية اجتهادية تقبل النقد والمراجعة والتصويب. وحين تختلط هاتان المنزلتان يضيع العلم ويُهدر الأدب ويُتخذ الدين مطية لأغراض لا تليق بجلاله.

خامساً: دروس من التاريخ

لم تكن ظاهرة توظيف المقدس لخدمة المشاريع السياسية حكراً على زماننا. فقد شهد التاريخ الإسلامي محطات متعددة استُخدم فيها الخطاب الديني غطاءً لمشاريع سلطوية أو حركية. ولعل من أبرز الدروس المستفادة من هذا التاريخ أن كل مشروع بشري يُلبس نفسه لبوس القداسة ينتهي إلى أحد أمرين: إما أن يُكشف زيفه فيسقط ومعه ثقة الناس في الخطاب الديني برمته، وإما أن ينجح في فرض نفسه فيُنتج استبداداً باسم الدين لا يقل خطورة عن الاستبداد باسم العلمانية.

ولذلك فإن المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء والمثقفين المسلمين اليوم هي التمييز الدقيق بين التديّن الصادق والتوظيف المغرض، وبين اتباع السنة حقاً وادعاء احتكارها زوراً.

كلمةٌ خاتمةٌ

ليس الغرض من هذا المقال التشكيك في نوايا أحد أو التقليل من شأن أي جهد دعوي صادق. فكل مسلم يسعى للاقتداء برسول الله ﷺ مأجور إن شاء الله. لكن الغرض هو التنبيه إلى أن الأدب مع مقام النبوة يقتضي تواضعاً في الألفاظ قبل الأفعال، والدقة المعرفية تقتضي تحريراً للمصطلحات قبل تداولها، والأمانة العلمية تقتضي فصل المقدس عن البشري حفظاً للمقدس وإنصافاً للبشري.

إن رسول الله ﷺ أعظم من أن يُختزل هديه في “منهج” يدّعي أي تنظيم بشري استيعابه. وسنته أجلّ من أن تكون عنواناً لمشروع حركي يُوظف بريقها لجذب الأتباع وتحصين القرارات. والواجب على كل مسلم أن يتأسى بالنبي في تواضعه وأدبه مع ربه قبل أن يتأسى به في أي شيء آخر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *