وزارة للذكاء الاصطناعي: تسمية أم سياسة؟

في دلالة الاسم؛
حين تصفّحت لائحة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، استوقفتني حقيبةٌ واحدة أكثر مما استوقفتني الأسماء. فأحمد رحو، الرئيس السابق لمجلس المنافسة، صار وزيرا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، تسنده عائشة كلاع وزيرةً منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة.
قد يبدو الخبر، في ظاهره، تفصيلا لغويا: مفردة جديدة تشقّ طريقها إلى معجم الهندسة الحكومية. غير أن من خبر الاقتصاد العمومي يدرك أن الأسماء في منطق الدولة ليست زينة. إنها إعلانٌ عن الموضع الذي تريد الدولة أن تضع فيه ثقلها، وعن الحصيلة التي ستُحاسَب عليها غدا.
ليس السؤال إذن: هل نحتاج إلى الذكاء الاصطناعي؟ فتلك مسألة حسمها الواقع قبل أن تحسمها السياسة. السؤال الأجدر بالطرح: هل نحتاج إلى وزارة تحمل اسمه، وبأي هندسة مؤسساتية؟
ست تجارب، ست فلسفات في الحكم
لم يكن المغرب سبّاقا إلى هذا الخيار، لكنه لم يلتحق به متأخرا. وحين نضع التجارب الدولية جنبا إلى جنب، يتبيّن أن «وزير الذكاء الاصطناعي» ليس منصبا واحدا بقدر ما هو عائلة من الصيغ، لكلٍّ منها فلسفتها في تصوّر العلاقة بين الدولة والتقنية.
تعود أقدم التجارب إلى الإمارات، حين عيّنت حكومتها في أكتوبر 2017 عمر العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي، وكان الرهان آنذاك رهانَ تموقعٍ دولي. ثم انتظر العالم ثماني سنوات حتى تتشكّل موجة ثانية. ففي ماي 2025 أحدثت كندا وزارة للذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي أسندتها إلى إيفان سولومون، وغايتها المعلنة تحويل التفوق البحثي إلى رأسمال منتج. واكتفت فرنسا بوزيرة منتدبة، آن لو هينانف، تحت وصاية وزارة الاقتصاد. أما كازاخستان فأعادت في شتنبر 2025 صياغة وزارة التنمية الرقمية لتغدو وزارة للذكاء الاصطناعي، يقودها نائب لرئيس الوزراء. وفي يوليوز 2026 ارتقت بريطانيا بالمنصب إلى مصافّ مجلس الوزراء مع كانيشكا نارايان. وبين هذه التجارب جميعها، شقّت ألبانيا في شتنبر 2025 طريقا لا يشبه سواه.
واللافت أن جُلّ هذه الدول شدّت المنصب إلى وتد الاقتصاد: الاستثمار، والمقاولات الناشئة، والسيادة التكنولوجية. ففرنسا وضعت الحقيبة في كنف وزارة الاقتصاد، وأعلنت في يونيو 2026 عن 655 مليون يورو إضافية لتمويل استراتيجيتها الوطنية.
أما الطريق الألباني فيستحق وقفة. فتيرانا لم تعيّن وزيرا للقطاع، بل نصّبت النظام ذاته «وزيرا» على الصفقات العمومية. إنها خطوة تغلب فيها الرمزية على البناء المؤسساتي، وقد شكّكت المعارضة في دستوريتها ولوّحت باللجوء إلى المحكمة الدستورية.
الاختيار المغربي: الإدارة قبل السوق
هنا يفترق المغرب عن معظم من سبقه. فالوزارة الجديدة لم تُلحَق بالاقتصاد والمالية كما في فرنسا، ولم تُشيَّد حول الاستثمار كما في كندا، وإنما قُرنت بإصلاح الإدارة. ومؤدّى ذلك، في قراءتي، أن الدولة تراهن على الذكاء الاصطناعي أداةً لتدبير المرفق العمومي، قبل أن تراهن عليه قطاعا منتجا للثروة. وأقرب التجارب إلى هذا المنطق تجربة كازاخستان، التي ربط رئيسها إحداث الوزارة بإعادة بناء الإدارة العمومية برمّتها.
ولهذا الاختيار وجاهته من منظور علم التدبير. فالكلفة الحقيقية للإدارة المغربية لا تختزلها أرقام الميزانية، بل تكمن في الزمن المهدور أمام الشبابيك، وفي الملفات التي تتقاذفها المصالح، وفي استثمارات تظل معلّقة على رخصة لا تأتي. تلك هي «كلفة المعاملات» بلغة الاقتصاديين، وتقليصها قد يكون أثمن ما تجنيه الدولة من التكنولوجيا في سنواتها الأولى.
ثم إن الوزارة ليست ولادة من عدم. فقد ضمّت الحكومة السابقة وزارة منتدبة مكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وما جرى اليوم ترقيةٌ في المرتبة وتوسيعٌ في العنوان، مع الإبقاء على النواة ذاتها. وهذا في حدّ ذاته يُحسب للتشكيلة الجديدة، فالاستمرارية أقل كلفة من إعادة البناء من الصفر.
أما اختيار أحمد رحو فيحتمل قراءتين متكاملتين. فالرجل مهندس في الأصل، تخرّج في مدرسة البوليتكنيك والمدرسة الوطنية العليا للاتصالات بباريس، واستهلّ مساره مسؤولا عن المعلوميات بالخطوط الملكية المغربية. ثم توزّعت العقود التالية من حياته المهنية بين المصارف والصناعة والدبلوماسية، قبل أن يتولى رئاسة مجلس المنافسة سنة 2021. ولعل هذا المزيج هو عين ما تقتضيه المرحلة: رجلٌ يفقه التقنية، ويدرك في الآن ذاته أن سوق الذكاء الاصطناعي ينزع بطبيعته إلى التركّز في قبضة قلة من الشركات، وأن الدولة حين تقتني الحلول الرقمية إنما تصنع السوق بقراراتها.
مكامن العثرة
لست أشكّك في صدق النية، غير أن تاريخ الإصلاحات الإدارية في بلادنا علّمنا أن نتسلّح بالحذر. وأرى أن نجاح هذه الوزارة معلّق على أربعة شروط، إن سقط أحدها استحالت عنوانا لامعا يعلو مكاتب عتيقة.
أول هذه الشروط الصلاحيات. فنحن أمام وزارة أفقية مدعوّة إلى رقمنة قطاعات لا تملك زمامها، إذ للصحة والتعليم والعدل والداخلية أنظمتها ومعطياتها وحساباتها الخاصة. ومن دون سلطة تنسيق فعلية، سيجد الوزير نفسه يقترح ولا يقرّر، ويوصي ولا يُطاع.
وثانيها الاعتمادات المالية. فحين أعلنت فرنسا عن غلاف مالي محدّد، صار بالإمكان تتبّعه ومساءلة الحكومة عنه. ومن حقنا أن ننتظر من مشروع قانون المالية المقبل أرقاما مماثلة، لا مجرد إشارات عابرة في المذكرة التقديمية.
وثالثها المعطيات. فالذكاء الاصطناعي يقتات على البيانات، في حين لا تزال إدارتنا تشتغل بقواعد معطيات متناثرة، وبالورق أحيانا. ولا معنى لأدوات ذكية تُركَّب فوق معطيات مشتّتة، فذلك تحديثٌ في الشكل لا في الجوهر.
ورابعها المؤشرات. فلا يكفي أن نَعِد بإدارة أسرع، بل نحتاج إلى أرقام قابلة للقياس: آجال معالجة الملفات، ونسبة الخدمات المتاحة عن بعد، ومستوى رضا المرتفقين. فما لا يُقاس لا يُدبَّر، وما لا يُدبَّر لا يُسأل عنه أحد.
الحكم للحصيلة لا للعنوان
هل أسرفت الحكومة حين أفردت للذكاء الاصطناعي وزارة كاملة؟ جوابي: لا، شريطة ألا نُحمّل الاسم أكثر مما يحتمل. فالوزارة، في جوهرها، وزارة لإصلاح الإدارة بأدوات جديدة، وذلك عين ما يحتاجه المغرب.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في التسمية، بل في الاكتفاء بها. وبعد عام من اليوم، لن يسأل المواطن عن اسم الوزارة، بل عن المدة التي استغرقها ملفه، وعمّا إذا كان قد اضطر إلى التنقل مرة أخرى. هناك، لا في المراسيم، سيُحسم الحكم.
اترك تعليقاً