حين يلتقي شريعتي بالحركات الإسلامية: ولادة السلطة الهجينة

تتقاطع في العالم الإسلامي اليوم مسارات الفكر والممارسة على نحوٍ يكشف عن تحوّلٍ عميق في طبيعة السلطة. فقد قدّم علي شريعتي واحداً من أجرأ التحليلات لعلاقة الدين بالهيمنة، مبيّناً أنّ أخطر أشكال الانحراف هو توظيف المقدّس لتبرير الاستبداد والاستغلال، لأن ذلك يجعل مقاومة الفساد تبدو وكأنها مواجهةٌ للدين نفسه. وفي الوقت نفسه، طوّرت الحركات الإسلامية خلال العقود الأخيرة أنماطاً جديدة لتسييل الدين في المجال السياسي، تبدو امتداداً عملياً لما حذّر منه شريعتي، وإن كان قد عاصر بدايات بعضها فقط.
في الفلسفة السياسية، لا تُختزل السلطة في القدرة على فرض القرار، بل تمتدّ إلى القدرة على تشكيل الإدراك والتفضيلات، وهو ما سمّاه ستيفن لوكس «البعد الثالث للسلطة». وحين يدخل الدين في هذه المعادلة، يصبح تشكيل الوعي ساحة الصراع الأساسية. عندئذٍ يتجاوز الاستخدام المنافق للدين كونه انحرافاً أخلاقياً ليغدو تقنيةً للهيمنة: آليةً لإنتاج الطاعة، وإعادة تشكيل المجال الرمزي، وضبط حدود المسموح والممنوع. فالخداع السياسي تُكشف غاياته المادية بسهولة، أما هذا النمط فيشتغل داخل حقل الشرعية الأخلاقية، حيث تتعقّد المساءلة لأنها تلامس المقدّس.
ويبلغ التحوّل ذروته حين تتقاطع هذه الرؤية النقدية مع ممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة. فهذه الحركات لم تكتفِ بتوظيف الدين في المجال الدعوي، بل أدخلت المقدّس في السياسة ثم السياسة في المقدّس، فنتج ما يمكن تسميته السلطة الهجينة: سلطة تجمع بين قوة النص وقداسة الخطاب من جهة، وأدوات التنظيم السياسي وآليات النفوذ من جهة أخرى. تقدّم نفسها بوصفها سلطة أخلاقية، وتمارس السياسة ببراغماتية عالية؛ تضبط المجتمع باسم الدين، وتستحوذ على الدولة باسم الجماعة. ولا بدّ هنا من التمييز بين نماذج هذه الحركات (الإخوانية، والسلفية، والحزبية، ومرجعية ولاية الفقيه)، إذ تتفاوت درجة الهجنة بينها.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تصطدم هذه السلطة الهجينة بسلطةٍ أعتى منها: سلطة الدولة العميقة أو شبكات النفوذ التي تتحكم في القرار السيادي. عندئذٍ يتكشّف وجهٌ آخر للهجنة: هجنة التبرير. إذ تلجأ الحركات الإسلامية، حين تُجبَر على اتخاذ قرارات لا تنسجم مع خطابها الأخلاقي أو مع وعودها للجمهور، إلى الاحتماء بخطابٍ غامض عن «التماسيح» و«العفاريت» و«الجهات التي لا تُرى»، كما فعل بعض قادة التجربة الحكومية في المغرب خلال مرحلة التطبيع، حين قُدّم القرار بوصفه إرادةً عليا لا علم لهم بها أو لا قدرة لهم على ردّها. وهذا النمط من التبرير ليس التفافاً سياسياً فحسب، بل جزءٌ من بنية السلطة الهجينة نفسها: سلطة تدّعي امتلاك الشرعية الأخلاقية لكنها تُخفي عجزها السياسي وراء كائناتٍ رمزية، فتُعيد إنتاج منطق الطاعة بدل منطق المساءلة. وهنا يتجلّى التناقض البنيوي: فحين تواجه السلطة الهجينة سلطةً أقوى منها، لا تعترف بالحدود، بل تنسحب إلى الأسطورة، وتحوّل الفشل السياسي إلى قدرٍ غامض، والمسؤولية إلى «قوةٍ خفية» لا يمكن مواجهتها. وهكذا تُستعمل الرموز الدينية والأخلاقية لإنتاج الطاعة، ولإنتاج الإعفاء من المسؤولية في آنٍ واحد.
ولا بدّ كذلك من التمييز بين السلطة الهجينة ونمطٍ آخر أقلّ ظهوراً وأوسع انتشاراً: السلطة الرمزية التي يمارسها من يتولّون الشؤون الدينية للجاليات والطوائف المسلمة في المساجد وخارجها، أئمةً كانوا أو غير أئمة. وهي سلطة قد تكون مؤدلجة، وقد تكون موسومة بقصورٍ معرفي، لكنها في الحالتين تستمد فاعليتها من احتكار الوصول إلى المقدّس لا من الكفاءة العلمية. وعلى خلاف السلطة الهجينة، لا تقوم هذه السلطة على مشروع سياسي منظّم ولا على توظيفٍ واعٍ للدين، بل تشتغل بمنطق «الاعتراف القائم على سوء التعرّف» بتعبير بورديو، إذ يمنحها المحكومون سلطتها طوعاً دون أن يدركوا حقيقة ما يمنحونه. ويتضخّم هذا النمط في سياقات الأقلية، كالجاليات المسلمة في أوروبا، حيث يصير المسجد الفضاء الوحيد للمرجعية، فتغيب المنافسة المعرفية وتغيب معها المساءلة. ومن اللافت أن الخضوع لهذه السلطة لا يقتصر على العامة، بل يمتدّ إلى أشباه المثقفين، وأحياناً إلى المثقفين أنفسهم، حين يتحوّل الانتماء الجماعي والحنين الهوياتي إلى مبرّر لتعطيل النقد. وليس المقصود هنا حكماً على الأشخاص، فمنهم أهل علم وفضل، بل توصيف شرطٍ بنيوي: ضعف التكوين، واحتكار المنبر، وغياب البدائل.
وتُفسد هاتان السلطتان، كلٌّ بطريقتها، الوعي العام. فحين يُقدَّس الفساد ويُجرَّم الإصلاح، وتتحوّل الأخلاق إلى أداة ضبطٍ اجتماعي، يغدو المجتمع خاضعاً لسلطة غير مرئية لأنها تستتر بلغة الفضيلة، سواء كانت سلطة منظَّمة تنافس على الدولة، أو سلطة محلية تحرس حدود المسموح في الحيّ والمسجد. وتتجلّى الظاهرة في مؤسسات تُدار بمنطق الولاء لا الكفاءة، وخطابات تعيد إنتاج الماضي بدل صناعة المستقبل، وفاعلين يحتمون بالرمز الديني لحماية مصالحهم أو لستر قصورهم.
وهكذا يتبيّن أنّ ما حذّر منه شريعتي تحوّل إلى بنى متعدّدة المستويات: فالتوظيف المنافق للدين لم يعد ظاهرةً أخلاقية، بل صار مورداً للشرعية السياسية، وأداةً لإدارة الجهل، وآليةً لتعبئة الجماهير ضد كل محاولة إصلاح، فيما تتكفّل السلطة الرمزية المحلية بإعادة إنتاج هذا الخضوع في الحياة اليومية. ومن ثَمّ فإن كشف هذه البنى ليس معركةً ضد الدين، بل معركة من أجله، ومن أجل تحرير المجال الرمزي ممن حوّلوه إلى سلعة سياسية أو إلى حقّ مكتسب بالجهل.
فالمجتمعات لا تنهض إلا بتفكيك الأقنعة، وإعادة بناء العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الدين والمجتمع، على المعرفة لا على التلاعب بالرموز.
اترك تعليقاً