منتدى العمق

نعيش للناس أم لأنفسنا؟

حكاية مجتمع يحكمه رأي الناس، وأسئلة عن الحرية في أن نعيش لأنفسنا

الكاتب الصحفي عبد الله الحسيني

منذ الصغر، تتربى فينا جملة واحدة تسبق كل قرار نتخذه: “شنو غادي يقولو الناس؟”. نسمعها قبل اختيار اللباس، وقبل الزواج، وقبل اختيار المهنة، بل حتى قبل أن نفرح أو نحزن بالطريقة التي تناسبنا. وكأن للمجتمع رأياً لا يُستشار فيه، لكنه يُفرض علينا كقانون غير مكتوب، نخاف مخالفته أكثر مما نخاف مخالفة ضمائرنا.

في كثير من البيوت المغربية، لا يُسأل الشاب “هل أنت سعيد بهذا الاختيار؟”، بل يُسأل “هل هذا الاختيار مقبول عند الناس؟”. الفتاة التي تأخر زواجها تُقاس بمقياس الجيران قبل أن تُقاس بمقياس سعادتها. والشاب الذي اختار مهنة بسيطة يشعر بالخجل أمام أبناء عمومته، لا لأنه فشل، بل لأن “الناس” قرروا أن النجاح له شكل واحد فقط.

حتى الأفراح والأتراح لم تسلم من هذه الرقابة الجماعية. حفل الزفاف يُقاس بعدد الكراسي والفساتين، والجنازة تُقاس بعدد من حضر. صرنا نعيش المناسبات لنُرضي عيون الآخرين، لا لنعيش لحظاتنا كما نشعر بها فعلاً.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ازداد الأمر تعقيداً. أصبحنا نقارن حياتنا اليومية بصور منتقاة بعناية لحياة الآخرين: بيت أجمل، سفرة أبعد، جسد أكمل. فتتسلل إلينا فكرة أننا ناقصون، رغم أننا لا نرى سوى الواجهة، لا الحقيقة كاملة.

السؤال الذي يستحق التوقف عنده: لماذا نخاف رأي الناس إلى هذا الحد؟ الجواب، في جزء منه، يعود إلى طبيعتنا كبشر نحتاج إلى الانتماء والقبول داخل جماعتنا. لكن الجزء الآخر يعود إلى تنشئة اجتماعية تربط قيمة الإنسان بموافقة الجماعة عليه، لا بقناعته هو بما يفعله.

وثمن هذا الخوف ليس بسيطاً. كثيرون يعيشون قلقاً دائماً، يحسبون كل خطوة بميزان “ماذا سيُقال؟”، فيؤجلون أحلامهم، ويقمعون رغباتهم، ويرتدون ابتسامة اجتماعية تخفي تعباً داخلياً لا يراه أحد. نفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما نريده نحن فعلاً، لأننا اعتدنا أن نسأل الآخرين قبل أن نسأل أنفسنا.

لكن هذا لا يعني أن نعيش بمعزل عن مجتمعنا، أو أن نرفض كل قيمة جماعية بدعوى الحرية الفردية. فالانتماء لمجتمعنا وقيمه جزء من هويتنا، ومصدر دفء وأمان لا يُستهان به. المطلوب ليس القطيعة، بل التمييز: بين احترام قيم نؤمن بها فعلاً، والخضوع الأعمى لرأي لا نعرف حتى من يحمله بالضبط.

ربما يبدأ التغيير بسؤال بسيط نطرحه على أنفسنا قبل كل قرار كبير: هل أفعل هذا لأنني مقتنع به، أم لأتجنب كلام الناس؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تكون الخطوة الأولى نحو حياة نعيشها نحن، لا حياة نعيشها بالوكالة عن توقعات الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *