منتدى العمق

مشروع قانون المالية 2027 والخطاب الملكي: رهان الانتقال من التوجيهات إلى النتائج

مشروع قانون المالية 2027 والخطاب الملكي: رهان الانتقال من التوجيهات إلى النتائج

لا تقتصر أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027 على كونه وثيقة مالية تحدد توجهات الإنفاق العمومي ومصادر تمويله، بل تتجاوز ذلك إلى كونه إطاراً إجرائياً لترجمة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية إلى برامج وتدابير عملية. وتكتسي هذه الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بالرهانات التي أكد عليها الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، وفي مقدمتها تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتعزيز إدماج الشباب، وتسريع التنمية الترابية، وتقوية السيادة الاستراتيجية للمملكة.

ومن خلال قراءة المرتكزات الخمسة التي يقوم عليها المشروع، يتضح وجود توجه يهدف إلى الجمع بين متطلبات الاستقرار الماكرو اقتصادي والمالي من جهة، والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والتنموية من جهة أخرى. غير أن هذا التوازن يطرح حافزاً أساسياً يتجسد في مدى قدرة السياسات المالية على تحقيق الالتقائية بين هذه الأولويات، وضمان انتقالها السلس من مستوى التخطيط والبرمجة إلى مستوى التنفيذ والأثر الملموس.

أولاً: استعادة القدرة الشرائية وتوطيد الدولة الاجتماعية: معادلة الدعم والمعالجة البنيوية

يشكل توطيد أسس الدولة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية المرتكز الأول لمشروع قانون المالية لسنة 2027، عبر استكمال إصلاح الأسواق والأسعار، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب تأهيل قطاعي الصحة والتعليم وتعزيز الولوج إلى السكن اللائق.

وتعكس هذه التدابير حضور البعد الاجتماعي ضمن الأولويات المالية، غير أن التقييم التحليلي لهذا المرتكز لا يقف عند الحدود الكمية لتوسيع نطاق الدعم، بل يتعداه إلى مدى قدرة التدخل العمومي على معالجة الأسباب البنيوية للمخاطر الاقتصادية التي تواجه الأسر. فاستعادة القدرة الشرائية يرتبط بمستويات الأجور وخلق فرص الشغل، واستقرار الأسعار وتكاليف الخدمات الأساسية. ومن ثم، فإن الإصلاح الهيكلي للأسواق يتطلب حكامة مستمرة لضمان شفافية المعاملات وتفعيل آليات المنافسة.

وفيما يتعلق بالدولة الاجتماعية، فإن استدامة التغطية الصحية والدعم الاجتماعي تفترض التوازن بين تعبئة الموارد وتحسين جودة الخدمات، حيث يُقاس النجاح بالولوج الفعلي للعلاج والأثر المباشر على ظروف عيش الفئات المستهدفة، بما يضمن تحول السياسة الاجتماعية إلى محرك للاندماج بدل الاقتصار على معالجة الآثار الظرفية.

ثانياً: إدماج الشباب: الانتقال من المقاربة القطاعية إلى السياسة المندمجة

يعلن مشروع قانون المالية عن إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، يقوم على التكوين، المواكبة المهنية، وتيسير الولوج إلى التمويل والأسواق. ويكتسي هذا التوجه أهمية تحليلية بالغة بالنظر إلى الانتقال من التدخلات القطاعية المنفصلة إلى رؤية نسقية تتكامل فيها أدوار التعليم والتكوين مع متطلبات النسيج الاقتصادي.

فالتكوين والتأهيل المهني يظلان مرتبطيْن بمدى التجاوب مع حاجيات سوق الشغل والتطورات التكنولوجية، كما أن الدعم المقاولاتي يتطلب مواكبة تدبيرية وتقنية تضمن استدامة المشاريع. ويتقاطع هذا المسار مع التوجيهات الملكية التي وضعت الشباب في صلب السياسات العمومية، باعتبارهم فاعلين أساسيين في الدينامية التنموية. وبالتالي، فإن نجاح هذه الرؤية المندمجة يتحدد بوضوح الأهداف، وتحديد المسؤوليات المؤسساتية، وقياس الآثار المحققة على مستوى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للشباب.

ثالثاً: تسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة: الحكامة وإعادة تنظيم الفعل العمومي

يرتبط المرتكز الثالث بتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مع إعادة هندسة اختصاصات الجهات وتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري. وتنبع أهمية هذا المحور من كونه يلامس معالجة الفوارق المجالية عبر تحسين توزيع الاختصاصات والموارد، وتمكين المستويات الترابية من الاستجابة اللائقة للحاجيات المحلية.

وفي هذا السياق، فإن تخصيص اعتمادات مالية بقيمة 25 مليار درهم لتنسيق البرامج الترابية المندمجة يمثل دعامة مهمة، غير أن النجاعة التنموية تظل محكومة بجودة التشخيص الترابي وترتيب الأولويات، ووضوح مسارات التعاقد بين الدولة والجهات. إن التحدي لا يقتصر على ضخ الموارد المالية، بل يتعداه إلى تطوير الحكامة الترابية وربط تمويل المشاريع بمعايير تقييم دقيقة تقيس مدى نجاحها في تحسين الخدمات العمومية وفرص الشغل محلياً.

رابعاً: تعزيز السيادة الاستراتيجية: تقوية الصمود في مواجهة التحولات الدولية

يتناول المرتكز الرابع التوجه نحو تقوية السيادة الاستراتيجية للمملكة في مجالات حيوية تشمل الماء، الطاقة، الغذاء، والرقمنة. ويشمل ذلك تسريع مشاريع الأمن المائي، تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز البنية التحتية الطاقية والتحول الرقمي.

وتكتسي هذه الأولويات أهميتها في ظل التقلبات الاقتصادية الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. ولا ينحصر مفهوم السيادة هنا في الاكتفاء الذاتي المطلق، بل يمتد إلى تعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتنويع مصادر التزود، وتطوير القدرات الإنتاجية الوطنية. وتبرز في هذا الصدد أهمية التكامل بين الأبعاد المائية والطاقية والغذائية والرقمية، باعتبارها قطاعات متداخلة تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية التنافسية والاستقرار الاقتصادي العام.

خامساً: بناء اقتصاد قوي واستدامة التوازنات الماكرو اقتصادية

يمثل المرتكز الخامس الإطار الضامن للتحول، حيث يستهدف بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية. وتقوم هذه المقاربة على أن النمو الاقتصادي والاستقرار المالي يمثلان شرطاً أساسياً لديمومة النفقات الاجتماعية والمشاريع الاستثمارية.

وفي ظل توقعات تسجيل معدل نمو يبلغ 4.7% خلال سنة 2026 وحصر عجز الميزانية في حدود 3%، يتأكد التوجه نحو الموازنة بين ضوابط الانضباط المالي ومتطلبات تمويل التنمية. ويتطلب هذا التوازن الرفع من نجاعة الاستثمار العمومي وتحديث بيئة الأعمال، مع تفعيل ميثاق الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتوفير فرص شغل مستقرة.

ختاماً يمكن القول إن المرتكزات الخمسة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تعكس توجهاً نحو تحقيق التكامل بين المتطلبات الاقتصادية والرهانات الاجتماعية والتنموية، من خلال الجمع بين توطيد أسس الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتسريع التنمية الترابية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الاختيارات. وتبرز أهمية هذه المرتكزات عند ربطها بالتوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح الدورة التشريعية، خاصة ما يتعلق بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والانتقال إلى سياسات عمومية أكثر نجاعة والتصاقاً بالحاجيات الفعلية للمواطنين. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهيناً بمدى القدرة على ضمان الالتقائية بين البرامج، وتحسين حكامة التنفيذ، وربط الموارد المالية بالنتائج المحققة. ومن ثم فإن الرهان الأساسي لا يكمن فقط في تحديد الأولويات ورصد الاعتمادات، بل في تحويلها إلى إجراءات ملموسة تساهم في تحسين ظروف العيش، وتوسيع فرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز أسس تنمية مستدامة وشاملة.

* طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بوجدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *