سياسة

32 سنة من الحدود المغلقة… ماذا ربحت الجزائر من القطيعة مع المغرب؟

32 سنة من الحدود المغلقة… ماذا ربحت الجزائر من القطيعة مع المغرب؟

ظلت العلاقات المغربية الجزائرية المتأزمة التي تمر من “عنق الزجاجة” منذ إغلاق الحدود البرية سنة 1994، مرورا بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 2021، وصولا إلى إغلاق الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية في السنة نفسها، محكومة بالتوتر والقطيعة، في مسار ألقى بظلاله على حركة المواطنين والروابط الإنسانية والمبادلات الاقتصادية، وأبقى مشروع الاندماج المغاربي أمام تحديات متواصلة، حيث أنه بفعل تعثر الحوار الدبلوماسي واستمرار الخلافات السياسية، تتجدد التساؤلات بشأن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الوضع، وحدود تأثيره على فرص التعاون بين دول المنطقة، وآفاق تجاوز حالة الجمود في ظل التحولات الإقليمية والدولية.

علاقات متأزمة
وفي هذا السياق، اعتبر محمد الغالي، الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الجزائرية بشكل أحادي، في سياق التوتر القائم مع المغرب، خلفت آثارا سلبية على حركة المواطنين والعلاقات الإنسانية بين البلدين، فضلا عن انعكاساتها على فرص التكامل الاقتصادي المغاربي، معتبرا أن استمرار القطيعة يحرم شعوب المنطقة من إمكانات تنموية مهمة، ويضعف قدرتها على مواجهة التحولات والتكتلات الاقتصادية الدولية.

وأوضح المتخصص في العلوم السياسية في تصريحه لجريدة “العمق المغربي”، أن التدابير التي اتخذتها الجزائر، وفق قراءته، استندت إلى اعتبارات مرتبطة بمخاوف أمنية لم تتمكن السلطات الجزائرية، بحسب تقديره، من إثباتها بصورة مقنعة، مشيرا إلى أن انعكاساتها لم تقتصر على العلاقات الرسمية بين الدولتين، بل امتدت إلى المواطنين والأسر التي تربطها علاقات اجتماعية وإنسانية على جانبي الحدود.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن إغلاق الحدود واستمرار الإجراءات المقيدة لحركة المواطنين يفاقمان من كلفة الخلاف السياسي، بالنظر إلى ما يترتب عنهما من صعوبات أمام التواصل العائلي والاجتماعي، فضلا عن تعطيل فرص التعاون بين البلدين في عدد من المجالات.

وفي مقابل ذلك، اعتبر المتحدث أن المغرب ظل يدعو إلى الحوار ومناقشة الملفات الخلافية، مستحضرا المبادرات التي أعلن عنها الملك محمد السادس في عدد من الخطابات الرسمية، والتي دعا من خلالها إلى تجاوز التوتر وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرباط والجزائر، على أساس الحوار الجاد والمسؤول واحترام المصالح المشتركة.

القطيعة تعمق الخسائر الاقتصادية
وعلى المستوى الاقتصادي، شدد الغالي على أن استمرار إغلاق الحدود وتعثر العلاقات الثنائية لا يمكن فصلهما عن الكلفة الأوسع التي تتحملها المنطقة المغاربية نتيجة غياب التنسيق والتكامل بين دولها، معتبرا أن استمرار الخلاف المغربي الجزائري يحول دون الاستفادة الكاملة من الإمكانات الاقتصادية والجغرافية التي تتوفر عليها المنطقة.

وأشار الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي إلى أن كلفة ما وصفه بـ “اللامغرب” تتجاوز الخسائر المباشرة الناجمة عن تعطيل المبادلات وحركة الأشخاص والسلع، لتشمل أيضا الفرص التنموية والاستثمارية التي كان من الممكن أن يوفرها الاندماج الاقتصادي بين المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

وفي هذا السياق، أوضح أن غياب فضاء مغاربي متكامل يحد من قدرة دول المنطقة على تعزيز تنافسيتها الاقتصادية وتحسين موقعها التفاوضي أمام التكتلات الدولية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل شريكا اقتصاديا مهما لدول شمال إفريقيا.

واعتبر المتحدث أن التعاون بين الدول المغاربية كان من شأنه أن يتيح إمكانات أوسع لتنسيق السياسات الاقتصادية وتطوير المبادلات التجارية وتعزيز الاستثمارات المشتركة، بما ينعكس إيجابا على النمو وفرص الشغل والتنمية الاجتماعية.

كما ربط الغالي استمرار التوتر بتعثر مشروع الاتحاد المغاربي، مشيرا إلى أن الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء تحول دون تفعيل عدد من المبادرات والاتفاقيات الرامية إلى تحقيق التكامل والاندماج الإقليميين.

وفي معرض حديثه عن الكلفة السياسية والمالية للنزاع، أشار إلى تقارير تتحدث عن إنفاق الجزائر نحو 400 مليار دولار على امتداد سنوات مرتبطة بملف الصحراء، معتبرا أن توجيه الموارد نحو تدبير الصراع بدل تعزيز التنمية والتعاون الإقليمي يطرح أسئلة بشأن الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية لدول المنطقة. غير أن هذا الرقم يظل، في غياب تحديد التقرير أو المصدر الذي يستند إليه، معطى يحتاج إلى التحقق المستقل من حجمه وطبيعة النفقات التي يشملها.

وأضاف أن الرهان على إضعاف الطرف الآخر لا يفضي، في تقديره، إلى تعزيز قوة الدول المغاربية، بل يساهم في إضعاف المنطقة ككل، بالنظر إلى الترابط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وإمكانات التعاون الإقليمي.

دعوات الحوار بين الرباط والجزائر في مواجهة استمرار التوتر
وفيما يتعلق بالمساعي الرامية إلى تجاوز الخلافات الثنائية، استحضر الغالي المبادرات التي أعلن عنها الملك محمد السادس في مناسبات رسمية، من بينها خطابا العرش وذكرى المسيرة الخضراء، والتي تضمنت دعوات إلى الحوار مع الجزائر والعمل على معالجة أسباب التوتر.

وتوقف الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عند الخطاب الملكي الذي دعا فيه الملك إلى تجاوز خلافات الماضي والنظر إلى المستقبل، معتبرا أن هذه الدعوات تعكس، وفق قراءته، توجها نحو البحث عن أرضية مشتركة تسمح بإعادة بناء الثقة بين البلدين.

وأوضح أن تجاوز الخلافات التاريخية والسياسية يقتضي، في نظره، الانتقال من منطق تبادل الاتهامات إلى حوار مباشر يتناول الملفات العالقة، ويتيح لكل طرف التعبير عن مخاوفه ومواقفه ضمن إطار دبلوماسي مسؤول.

غير أن المتحدث يرى أن استمرار التوتر، وما يرافقه من مواقف متباينة بشأن القضايا الإقليمية، لا يزال يحد من فرص إحداث اختراق في العلاقات الثنائية. وربط ذلك، على وجه الخصوص، بالخلاف حول قضية الصحراء، التي تشكل أحد أبرز محاور النزاع بين البلدين.

وفي هذا الإطار، انتقد الغالي الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو، معتبرا أنه يساهم في استمرار الخلاف بشأن الوحدة الترابية للمغرب، ويزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة.

كما أشار إلى دور قرارات مجلس الأمن الدولي في تدبير هذا النزاع، داعيا إلى ضرورة التعامل مع المسار الأممي ومبادرات التسوية في إطارها الدبلوماسي. وفي هذا الصدد، اعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل، من وجهة نظره، أرضية جدية وواقعية لتسوية النزاع.

ويظل من الضروري، في هذا السياق، التمييز بين مواقف الأطراف المعنية ومضامين القرارات الأممية؛ إذ إن توصيف موقف مجلس الأمن من مبادرة الحكم الذاتي ينبغي أن يستند إلى النص الرسمي للقرار المعني، دون تقديم المبادرة باعتبارها حلا نهائيا أقره المجلس ما لم ينص القرار صراحة على ذلك.

مستقبل رهين بتجاوز منطق المواجهة
وبشأن آفاق الانفراج في العلاقات المغربية الجزائرية، أبدى الغالي تشاؤما إزاء إمكانية تحقيق تقارب في ظل استمرار التوجهات السياسية الحالية، معتبرا أن تجاوز حالة الجمود يتطلب مراجعة المقاربات التي تحكم تدبير الخلاف بين البلدين.

وأوضح الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي أن أي تقدم في اتجاه الحوار يظل، وفق تقديره، مرتبطا بمدى استعداد السلطات الجزائرية لإعادة النظر في سياستها تجاه المغرب، والابتعاد عن ربط المصالح الاستراتيجية للبلدين بمنطق التنافس والصراع.

وفي هذا الإطار، طرح المتحدث احتمال تأثير الضغوط الدولية على مواقف الجزائر، بالنظر إلى ما يترتب عن استمرار الخلاف من انعكاسات على الاستقرار والتعاون الإقليميين، كما أشار إلى أن حدوث تحولات في طبيعة تدبير السلطة والعلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية في الجزائر قد يفتح، بحسب تقديره، مجالا أمام مقاربات مختلفة في السياسة الخارجية.

وشدد الغالي على أن هذه الاحتمالات تظل رهينة بتطورات سياسية داخلية وإقليمية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مسارات مؤكدة، مؤكدا أن الانفراج الدبلوماسي يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة واستعداد متبادل لمعالجة الملفات الخلافية.

وأضاف أن محاولات الوساطة التي قامت بها بعض الدول لتقريب وجهات النظر لم تنجح، إلى حدود تقييمه، في إحداث تحول ملموس في مسار العلاقات الثنائية، وهو ما يعكس، في نظره، صعوبة تجاوز الأزمة ما دامت أسبابها السياسية الأساسية قائمة.

وخلص الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي إلى أن استعادة الثقة بين المغرب والجزائر تقتضي الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق المصالح المشتركة، معتبرا أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدين تظل مرتبطة أيضا بمدى قدرتهما على بناء علاقات مستقرة وتطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

وأكد أن ما يجمع شعوب المنطقة، من روابط دينية ولغوية وثقافية واجتماعية وعادات وتقاليد مشتركة، يشكل رصيدا يمكن البناء عليه لتعزيز التقارب، بدل توظيف الخلافات السياسية في إدامة التوتر.

وبالنسبة إلى الغالي، فإن مستقبل المنطقة المغاربية لا ينبغي أن يظل رهينا بالخلافات الثنائية، بل يتطلب رؤية إقليمية تعتبر أن تقدم كل دولة يمكن أن يشكل رافعة لتقدم جيرانها، وأن التكامل بين المغرب والجزائر وبقية دول المنطقة من شأنه تعزيز فرص التنمية والاستقرار وتحسين موقعها في محيط دولي يتجه نحو التكتلات والشراكات الاقتصادية الواسعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *