مؤسسات الريادة بالمغرب.. هل تصلح فترة “المعالجة الوقائية” ما أفسده زمن “التعثرات المتراكمة”

تستند مقاربة التعليم الصريح والتدريس وفق المستوى المناسب بمؤسسات الريادة على كل الدعائم البيداغوجية الضرورية لمباشرة إصلاح أزمة منظومة التربية والتكوين ببلادنا، إذ لا يمكن للقطاع القائم على التربية والتعليم أن يغض النظر عن واقع تربوي مأزوم دون أن يبادر إلى التغيير حتى لو كان في سياق سلسلة إصلاحات عجزت عن ايجاد الحلول المناسبة توالت على الأقل منذ أزيد من ربع قرن، تاريخ اقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين لتجديد منظومة التعليم، عرف حينها بأنه ميثاق مرجعي وطني متوافق بشأنه.
أثير نقاش كثير بشأن هذه المقاربة الجديدة ومدى نجاعتها وجديتها في معالجة الوضع بين كافة المتدخلين، ولاسيما بين الأطر التربوية الممارسة المباشرة للمقاربة على أرض الواقع والتي تقر بصعوبة مهمة التغيير وعسر الإصلاح لقطاع حيوي يهم تكوين وتنشئة المواطنين والمواطنات.
لقد باشرت الوزارة ومختلف أجهزتها على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي سلسلة اجراءات منها، استمرار التكوينات البيداغوجية لتحسين النجاعة الوظيفية وتملك الممارسات المرجعية الفضلى لفائدة الأطر التربوية، وتسريع وتيرة تجديد العتاد المادي للمؤسسات التعليمية ومراجعة البرامج والمناهج التعليمية، لربح السباق مع الزمن لتكون المدرسة العمومية مع موعد الإصلاح المطلوب … لكن تحقيق الأثر المرغوب في المستوى الدراسي لمتعلماتنا ومتعلمينا لايزال بعيد المنال، كما أن الأداء الدراسي لتلاميذ المؤسسات الرائدة ليس أفضل من مستوى أقرانهم بالمؤسسات غير الرائدة، ويزيد من هذا الشرخ بين المؤسسات اتساع الاعتقاد في ذهن المواطنين والمواطنات أننا بصدد نظامين تربويين بدل منظومة تعليمية وطنية واحدة، تستهدف الرقي بوضعنا التعليمي دون تعميق الفوارق والاختلالات التي يسعى أي نظام تربوي جاد وهادف لمحاربتها؟
لقد دخلت مرحلة تجريب المقاربة الجديدة بمنطق الريادة بالثانوي الإعدادي موسمها الثالث خلال هذه السنة الدراسية 2026-2027، وحان الوقت لتقييم التجربة واتخاذ اللازم بصددها، ولن يكون خيارا آخر غير التعميم وترسيخ المقاربة مسارا بيداغوجيا وطنيا تشتغل به منظومة التربية والتكوين للخروج من ازدواجية المسارين داخل منظومة واحدة، أو العدول عن التجربة والبحث عن خيارات بيداغوجية جديدة وبدائل حديثة ممكنة يقترحها المسؤولون الجدد عن قطاع التربية الوطنية في الحكومة المغربية الحالية. أما الاستمرار في التجريب وانتظار التغيير بلا أمل في التجديد ولا أفق في التحسين، فهو خيار مهما كانت نتائجه فستكون لا محالة على حساب مستقبل كل أبناء هذا الوطن.
إن الرهان على فترة “المعالجة الوقائية” لتحسين أداء المتعلمين والمتعلمات وتأهيليهم لمسايرة مستجدات البرنامج التربوي للمستوى الدراسي اللاحق، رهان غير ذي جدوى في سياق وضع تعليمي تعلمي محفوف بكثير من الاختلالات، تتفاوت من الحجم والكيف بتفاوت أوضاع المؤسسات التعليمية التي أريد لها أن تكون “رائدة” في محيط اجتماعي واقتصادي ليس بالضرورة “رائدا”. إن الواقع يؤكد عجز هذه الإجراء – المعالجة الوقائية – في إصلاح ما أفسدته سنوات من التعثرات الدراسية وما راكمه المتعلمون والمتعلمات من صعوبات في القراءة والكتابة والحساب منذ التحاقهم بالتعليم النظامي العمومي الأولي والابتدائي، فضلا عما ترسخ من اشكالات جراء تغيير لغة التدريس في تلقين المواد العلمية الأساسية (الرياضيات – علوم الحياة والأرض – الفيزياء والكيمياء…) بالتعليم الثانوي الإعدادي.
وإذا أضفنا لهذه الاختلالات ذات الطبيعة البيداغوجية الواقع الاجتماعي المرير لأغلب الأسر لاسيما بالمناطق القروية النائية والأحياء الحضرية الهامشية ومناطق التركز السكاني حيث يصعب التحكم في خرائط التمدرس نتيجة الهجرات الداخلية المكثفة، فإن التدخل العاجل لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل هو الحل لتأهيل نظامنا التربوي بما يكفل تحقيق مبادئ الارتقاء بالفرد والمجتمع والجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص في المدرسة الجديدة، ذلك أن المؤشرات والتصريحات والنوايا الأولية للمسؤول الأول الجديد عن هذا القطاع، تسير في اتجاه تحديد أولويات الريادة في التعليم الأولي باعتباره إحدى اللبنات القوية التي يُبنى عليها النموذج البيداغوجي الأساس للإصلاح التربوي المأمول.
اترك تعليقاً