شبح “انتفاضة 1968” يعود إلى فرنسا.. هل تُشعل احتجاجات الطلاب أزمة سياسية تُسقط الحكومة؟

تُعيد الاحتجاجات الطلابية التي تجتاح فرنسا إلى الواجهة شبح انتفاضة ماي 1968، بعدما تجاوز الغضب المتصاعد أسوار المدارس ليفتح الباب أمام تساؤلات بشأن احتمال تحول الأزمة التعليمية إلى حراك اجتماعي وسياسي أوسع، في بلد يستعد لانتخابات رئاسية حاسمة في ربيع 2027.
وبين مطالب تحسين التعليم العمومي وتصاعد التوترات مع قوات الأمن، تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام اختبار صعب لاحتواء الاحتجاجات، وسط مخاوف من اتساع رقعتها وانضمام فئات اجتماعية أخرى إليها، بما قد يضع استقرارها السياسي على المحك.
في هذا الإطار، كشف تحليل للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها فرنسا في أكتوبر الجاري، تتجاوز مطالب إصلاح التعليم العمومي، لتعكس اتساع التفاوتات الاجتماعية وتراجع الثقة في قدرة الدولة على ضمان تكافؤ الفرص، وسط مخاوف من تحول الحراك إلى أزمة اجتماعية أوسع مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.
وأفادت الورقة التحليلية، التي أصدرتها وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان “من المدارس إلى الشارع: دلالات الاحتجاجات الطلابية في فرنسا”، بأن موجة الاحتجاجات الممتدة منذ 5 أكتوبر الجاري بلغت في السادس من الشهر نفسه، بمشاركة تجاوزت ربع مليون متظاهر وفق تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، قبل أن تتجدد التحركات بعد اليومين الأخيرين بشكل أكثر عنفا.
وانطلقت الاحتجاجات على خلفية تدهور ظروف الدراسة، ونقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وسوء حالة عدد من المؤسسات التعليمية، إلى جانب الاعتراض على تراجع الإنفاق المخصص للتعليم العمومي. غير أن توسعها إلى مدن ومؤسسات متعددة، وانضمام مدرسين وإداريين ونقابيين وطلاب جامعيين إليها، منحها أبعادا تتجاوز المطالب القطاعية المباشرة.
سؤال العدالة الاجتماعية
يربط التحليل بين الاحتجاجات وأزمة اقتصادية واجتماعية تراكمت في فرنسا خلال السنوات الماضية، وتفاقمت بفعل تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا، فضلا عن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم في سياق التوترات الدولية.
ويرى المركز أن الأزمة التعليمية لا تقتصر على نقص الموارد البشرية أو تراجع جودة التدريس، بل تكشف اختلالات أعمق في قدرة المدرسة الحكومية على أداء دورها التقليدي باعتبارها إحدى أدوات تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي في الجمهورية الفرنسية.
فبينما تستطيع الأسر الميسورة توفير بدائل تعليمية أفضل لأبنائها، تظل الأسر محدودة الدخل أكثر اعتمادا على المؤسسات العمومية التي تعاني نقصا في الموارد والتجهيزات، وهو ما قد ينعكس على فرص أبنائها في متابعة التعليم العالي والاندماج في سوق العمل.
وتبرز هذه الاختلالات بصورة أكبر في الضواحي والأحياء الشعبية، حيث تتداخل الصعوبات التعليمية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر. وبذلك، تحذر الورقة من تحول المدرسة، التي يفترض أن تقلص الفوارق الاجتماعية، إلى مؤسسة تسهم في إعادة إنتاجها.
ويضع هذا الوضع الحكومة الفرنسية أمام معادلة صعبة، تتمثل في الاستجابة لمطالب تحسين الخدمات العامة وتوفير المدرسين وصيانة المؤسسات التعليمية، بالتوازي مع الضغوط المرتبطة بضبط الإنفاق العمومي والعجز المالي.
من التعليم إلى الاحتجاج السياسي
يشير التحليل إلى أن انتشار الاحتجاجات وتنوع المشاركين فيها يعكسان اتساع دائرة الاستياء لدى فئات من الشباب، وإن لم يكن ذلك دليلا على امتلاك الحراك برنامجا سياسيا موحدا أو مطالب متطابقة.
وفي هذا السياق، استحضر المركز احتجاجات ماي 1968 الطلابية التي أحدثت تحولات اجتماعية وسياسية عميقة في فرنسا، معتبرا أن اتساع قاعدة التحركات الحالية قد يفتح المجال أمام مساءلة أوسع للسياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة، ولطبيعة العلاقة بين الشباب والسلطة.
لكن الورقة تشدد على أن استحضار تجربة 1968 لا يعني بالضرورة تكرارها، إذ يظل تطور الحراك مرتبطا بقدرته على توحيد مطالبه، واستقطاب قطاعات اجتماعية أخرى، والحفاظ على استقلاليته عن التجاذبات الحزبية.
وتزداد حساسية هذه الاحتجاجات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027، خصوصا أن عددا كبيرا من المشاركين لم يبلغوا السن القانونية للتصويت.
ومع ذلك، فإن غياب الحق الانتخابي لا يلغي قدرة الشباب على التأثير في النقاش العام، ودفع الأحزاب والمرشحين إلى الاهتمام بقضايا التعليم والعدالة الاجتماعية ومستقبل الأجيال الجديدة.
وفي المقابل، رصد التحليل محاولات من أطراف محسوبة على اليمين واليمين المتطرف لربط التحركات بحسابات حزبية، من خلال اتهام حزب “فرنسا الأبية” اليساري باستثمار الغضب الطلابي في معركته السياسية.
غير أن مشاركة منتخبين في التجمعات، بمن فيهم من سعوا إلى حماية الطلاب من تدخلات الشرطة، لا تكفي وحدها لإثبات أن الحراك يخضع لتوجيه حزبي.
الاحتجاجات الرقمية
وتلفت الورقة إلى الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في توثيق المواجهات بين الطلاب وقوات الأمن، ونشر مقاطع أثارت نقاشا حول أساليب تدخل الشرطة وحدود استخدام القوة، وأسهمت في توسيع دائرة التعاطف مع المحتجين.
كما أثارت الاعتقالات التي أشار التحليل إلى تجاوزها ستة آلاف حالة، وفق الأرقام المتداولة، تساؤلات بشأن التناسب بين التدابير الأمنية وطبيعة الاحتجاجات، خاصة أن غالبية المشاركين كانوا من القاصرين.
ويحذر المركز من أن التشدد الأمني قد يحد من المشاركة في الاحتجاجات على المدى القصير، لكنه قد يؤدي أيضا إلى تعميق الشعور بالظلم وتوسيع دائرة التضامن مع الطلاب، بما يمنح الحراك دوافع إضافية للاستمرار.
ولم تقتصر الشعارات المرفوعة خلال بعض التجمعات على الشأن التعليمي، إذ رصد التحليل ظهور أعلام فلسطينية وشعارات مرتبطة بالتغير المناخي والحروب والصراعات الدولية، وهو ما يعكس اهتمام قطاعات من الشباب بقضايا العدالة خارج حدود المدرسة والدولة.
ولا يعني ذلك، وفق الورقة، أن المشاركين يتبنون مواقف سياسية موحدة، بل يشير إلى تنامي إدراك لدى بعض الشباب للترابط بين مشكلاتهم اليومية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي يشهدها العالم.
ثلاثة سيناريوهات
وحددت الورقة ثلاثة مسارات محتملة لتطور الاحتجاجات، أولها احتواء التحركات من خلال استجابة حكومية جزئية للمطالب، وثانيها استمرارها بصورة متقطعة في مدارس ومناطق محددة، وثالثها اتساع التعبئة وتحولها إلى أزمة سياسية واجتماعية أوسع.
وفي ما يتعلق بالسيناريو الأول، أشار التحليل إلى إعلان وزير التربية والتعليم توفير ثلاثة آلاف مدرس وتوزيعهم على المؤسسات التي تعاني نقصا في الكوادر. لكنه اعتبر أن الاستجابة لهذه المطالب لا تعني بالضرورة معالجة الاختلالات البنيوية التي تراكمت خلال سنوات، وأن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى تنفيذ التعهدات وتحسن ظروف الدراسة وتراجع المواجهات.
أما السيناريو الثاني، فيفترض استمرار الاحتجاجات على فترات متقطعة، في حال لم تتمكن الحكومة من احتواء الأزمة بالكامل، ولم ينجح المحتجون في توسيع تحركاتهم وتحويلها إلى حركة وطنية متماسكة. وقد تبقى أزمة التعليم وأساليب تعامل السلطات مع المظاهرات في صدارة النقاش العام، مع تجدد التعبئة كلما ظهرت أسباب جديدة للاستياء.
ويتمثل السيناريو الثالث في اتساع الحراك عبر انضمام قطاعات نقابية ومهنية واجتماعية أخرى، أو تصاعد التضامن مع الطلاب على خلفية التدخلات الأمنية. وفي هذه الحالة، قد تستعيد الاحتجاجات بعض ملامح حركة السترات الصفراء التي شهدتها فرنسا عام 2018، عندما تجاوزت التحركات مطالبها الأولية واتسعت قاعدة المشاركين فيها.
ويشير التحليل، في هذا الإطار، إلى أن الدعوة إلى تنظيم تظاهرة وطنية في 17 أكتوبر، بمشاركة موظفين وعاملين في قطاعات مختلفة وممرضين وطلاب، تشكل اختبارا لمدى قدرة الحراك على توسيع قاعدته وتوحيد مطالبه، بعيدا عن الاستقطاب الحزبي.
كما رصدت الورقة احتجاجات في بروكسل ومدن بإيطاليا وألمانيا واليونان، معتبرة أن تكرار التحركات المرتبطة بمخاوف الشباب ومستقبلهم قد يفتح النقاش أمام مراجعة أوسع للسياسات التعليمية والاجتماعية في أوروبا.
وخلص المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن أهمية الاحتجاجات الطلابية في فرنسا لا تقاس فقط بأعداد المشاركين أو بمدى تأثيرها المحتمل في الانتخابات المقبلة، بل بما تطرحه من أسئلة بشأن مستقبل التعليم العمومي وقدرة الدولة على ضمان فرص عادلة للأجيال الجديدة.
وترى الورقة أن التحدي الحقيقي أمام الدولة الفرنسية لا يتمثل في قدرتها على ضبط الشارع فحسب، بل في إقناع الشباب بأن المدرسة العمومية ما زالت قادرة على توفير فرص متكافئة، وأن مستقبلهم لا تحدده ظروفهم الاجتماعية مسبقا.
اترك تعليقاً