الحكومة غير المنصبة برلمانيا.. حكومة غير مستوفية لشروط تكوّنها دستوريا

تابع جزء من الرأي العام الوطني النقاش الفقهي والقانوني المهم والصحي المتعلق بتنظيم مراسيم تسليم المهام بين وزراء الحكومة المنتهية مهامها والحكومة المعينة. وتعود قيمة هذا النقاش إلى الصدارة الذي بات يتمتع بها البرلمان في مسار تشكيل حكومات المملكة، انسجاما مع المنطق الجديد الذي شيّده دستور 2011. حيث احتفظ ببعض عناصر الممارسة التي سادت في الحياة السياسية المغربية في ظل دساتير 62 و70 و72 و92 و96، ولكنه أضاف إليها عناصر ومقومات جديدة، في إطار رؤية كلية تنزاح بالنظام الدستوري المغربي، خطوة خطوة، نحو ديمقراطية برلمانية (الفصل 1 من الدستور: “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”).
فمن خلال تتبع الإطار الدستوري الحالي لتشكل الحكومة بالمغرب، يتبين أنها في العموم تمر بثلاث مراحل أساسية:
1- مرحلة كسب ثقة الشعب بالانتخاب (الفصل 11 من الدستور: الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديموقراطي)؛
2- مرحلة كسب ثقة الملك بالتعيين (الفصل 47: “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها)؛
3- مرحلة كسب ثقة البرلمان بالتنصيب (الفصل 88: “(…) تُعتبر الحكومة المنصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي”)
وتعدّ هذه المراحل الثلاث أساسية في تشكيل الحكومة المغربية، بخلاف المنطق الدستوري المعمول به بموجب الدساتير السابقة للمملكة، حيث اقتصر الأمر على مرحلتين اثنتين:
1- المرحلة الأساسية، وهي مرحلة التعيين الملكي المباشر للوزير الأول دون شرط أن يكون متحزبا من عدمه، وبالأحرى أن يكون منتميا إلى الحزب المتصدر للانتخابات، أو يكون رئيسا له (الفصل 24 من دستور 1996)؛
2- مرحلة ثانوية، وهي مرحلة منح الثقة، حيث “يتقدم الوزير الأول أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه”، على أن يكون هذا العرض “موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين ويتلو مناقشته في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 75″، كل ذلك وفقا للمقتضيات الواردة في (الفصل 60 من دستور 1996). على أن رفض الثقة لا يتحقق إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، وليس العكس، بمعنى أن الرفض هو الذي يستلزم الأغلبية المطلقة، في حين أن قبول البرنامج يمكن أن يتم بمجرد حصول أغلبية نسبية (الفقرتين 2 و3من الفصل 75 من دستور 1996).
وكأننا بالمشرع الدستوري، آنذاك، حينما ربط تقديم البرنامج الحكومي (ف 60) بمسطرة التصويت المنصوص عليها في (ف 75)، وكأنه استبطن أن الحكومة قائمة بمجرد اكتساب ثقة الملك، التي كانت كافية حينها لمنح الحكومة الجديدة شرعية الوجود.
لذلك، وجب الانتباه إلى أن الحكومة الجديدة وغير المنصبة لم تستكمل بعد تكوينها الدستوري والقانوني وفق مستجدات دستور 2011. وعليه، لا يمكنها أن تطلق يدها في ممارسة صلاحياتها الواردة في الفصل 89 وما بعده، إلا في حدود ما تسمح به المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 65.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والمذكورة على وجه الحصر في:
1- إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان؛
2- إصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية؛
3- ممارسة الصلاحيات المذكورة حصرا في الفقرة الأولى من المادة 37، إلى حين تنصيبها من قبل مجلس النواب، والمحددة في المهام الواقعة تحت مسمى “تصريف الأمور الجارية”، أي المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة.
فالأصل الذي يجب ألا تحيد عنه كل “حكومة غير منصبة” هو أن تظل ملتزمة بنطاق العمل في إطار “تصريف الأعمال”، دون أن تتجاوزه لممارسة صلاحياتها كاملة، أو تتخذ من التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة، سواء تعلق الأمر بالحكومة نفسها بعد تنصيبها، أم بحكومة أخرى حال عدم تنصيبها، لأن المشرّع في المادة 38 من القانون التنظيمي المذكور، أوقف استفادتها من الفقرة الأولى من المادة 37 دون الفقرة الثانية، وبالتالي لم يجز لها:
1- اتخاذ أي تدابير من شأنها إلزام الحكومة المقبلة، بصفة دائمة ومستمرة، يستوي في ذلك الحكومة المنتهية ولايتها والحكومة غير المنصبة؛
2- المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية؛
3- التعيين في المناصب العليا.
وهنا، يثور الإشكال بشأن المسطرة التي تم سلكها بخصوص مشروع قانون المالية لسنة 2027، ولا سيما في ضوء انعقاد المجلس الوزاري يوم السبت 17 أكتوبر 2026، الذي أفاد بلاغ الديوان الملكي بأنه خُصص “للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2027”.
فهذه الواقعة، في سياق عدم تنصيب حكومة فاطمة المنصوري برلمانيًا، تثير سؤالًا دستوريًا حول حدود الاختصاصات التي يجوز ممارستها خلال هذه المرحلة، ومدى التمييز بين الأعمال التحضيرية الضرورية لاستمرارية مرافق الدولة والتدابير التي تتجاوز نطاق المهام المُتاحة للحكومة تنفيذها، قبل استكمال عملية تنصيبها برلمانيا.
كما يستوقفنا، في السياق ذاته، استعمال بلاغ الديوان الملكي عبارة “المصادقة” مقرونة بعبارة “التداول”. خاصة أن الدستور في الفصل 49 يكتفي بمفردة “التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية” فقط. كما أن المعهود في أغلب بلاغات الديوان الملكي التي رجعنا إليها تتحدث عن التداول دون المصادقة. وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن الطبيعة القانونية للمصادقة، وتمييزها عن الطبيعة القانونية للتداول. ثم بحث مدى اتساق إجراءي التداول والمصادقة مع حدود حكومة لم تستكمل بعد تنصيبها. علما، أن ما استقر عليه العمل منذ إقرار دستور 2011، أن المجالس الوزارية التي جرى تداول التوجهات الاستراتيجية لمشاريع قوانين المالية قد انعقدت بعد تنصيب الحكومة برلمانيا.
هذا، ويكتسب هذا الإشكال أهمية إضافية في ضوء قرار المجلس الدستوري رقم 955/2015، الصادر بتاريخ 4 مارس 2015، بشأن القانون التنظيمي رقم 65.13، حين اعتبر أن الفقرة الثانية من المادة 37 ليس فيها ما يخالف الدستور، مع تنبيهه إلى ضرورة مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها. وتفتح هذه الملاحظة الباب الواسع للتساؤل عن مفهوم “الضرورة”، وشروط تحققها، وحدود الاستناد إليها لتبرير اتخاذ تدابير تتجاوز، في الظروف العادية، نطاق مواصلة تصريف الأمور الجارية.
اترك تعليقاً