إعفاء وزاري سريع ومثير!

لم يمض سوى بضع ساعات قليلة عن نهاية مراسيم التعيين الملكي لأعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب “الأصالة والمعاصرة”، حتى ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر صاعق عن إحدى الوزيرات، سبق لها الإدلاء بشهادة طبية للأمراض النفسية لدى المصالح القضائية قصد الإفلات من عقوبة حبسية في قضية “نصب واحتيال”، حيث تداول نشطاء كثر على نطاق واسع صورة تلك الوثيقة المثيرة للجدل، رافضين إسناد حقائب وزارية لغير مستحقيها من فاقدي الأهلية، تفاديا لما من شأنه أن يضر بمصالح المواطنين.
ويتعلق الأمر هنا بالقيادية وعضوة اللجنة التنفيذية بحزب الاستقلال ماديحة خيير، البرلمانية عن إقليم بني ملال في الولاية التشريعية الحالية 2026/2031، والعضوة في اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الإفريقي والمجلس الدولي للمطارات -فرع إفريقيا- التي تم تعيينها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وهي متزوجة وأم لطفلين، حاصلة على شهادة الماستر في التجارة الدولية، ودكتوراة في علوم التسيير، شغلت منصب كاتبة عامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، كما كانت مسؤولة بالمكتب الوطني للمطارات.
فما هي دواعي هذه الضجة الإعلامية حول الوضعية النفسية للوزيرة المعنية، التي اندلعت شرارتها الأولى على منصات التواصل الاجتماعي بعد يوم واحد فقط من تعيينها؟ فبغض النظر عما يجري تداوله من تفاصيل يصعب التأكد من مدى صحتها، بخصوص استيلائها على نسخة من البطاقة الوطنية لإحدى الطبيبات واستغلالها في استخراج دفتر شيكات لغرض النصب والاحتيال، هناك معطيات شبه مؤكدة تظهر أن الوثيقة المسربة تعود لملف قضائي سابق، وهي عبارة عن شهادة طبية صادرة عن طبيب أمراض نفسية وعقلية عام 2004، كانت تهدف إلى محاولة إخلاء مسؤوليتها مما صدر عنها من أفعال جرمية.
ويتضح من خلال المعطيات المتوفرة أن الطبيب الأخصائي في الأمراض النفسية والعقلية، الخبير لدى المحاكم والرئيس السابق لمصلحة الأمراض العقلية بالمستشفى العسكري بالرباط، هو الذي سبق له تشخيص حالة “ماديحة خيير” وتأكيد إصابتها ب”اضطرابات عصابية، ونوبات اكتئاب متقطعة، واضطرابات في السلوك والمزاج” وأشار حينها إلى كونها تعاني من “عدم نضج نفسي وعاطفي، وهشاشة نفسية لا تسمح لها بتحمل ضغوط الحياة اليومية” علاوة على تسجيل محاولتي انتحار خطيرتين استلزما علاجها في أقسام الإنعاش بمستشفى محمد الخامس العسكري في الرباط خلال شهر فبراير 2002، وبإحدى المصحات في بني ملال في شهر ماي 2003.
فبينما اعتبرت بعض الأوساط السياسية داخل حزب الاستقلال الذي تنتمي إليه، أو في الفريق الحكومي، أن الحملة الرقمية ضد الوزيرة المنتدبة باعتماد شهادة طبية بخصوص وضعيتها النفسية يعود تاريخها إلى أكثر من عشرين سنة، إنما يهدف الواقفون خلفها إلى التشويش فقط على حكومة المنصوري والتشكيك في مدى أهلية الوزيرة السالفة الذكر لتحمل المسؤولية، لاسيما في ظل غياب الأدلة الرسمية، مادام لم يصدر أي تأكيد من السلطات المعنية أو ظهور نسخة من أي حكم قضائي يثبت استيلاءها على البطاقة الوطنية لإحدى الطبيبات واستغلالها في جرائم نصب واحتيال.
طالب في المقابل عدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين الجهات القضائية ومعها الوزيرة المعنية نفسها بتقديم توضيحات عاجلة للكشف عن الحقيقة وتنوير الرأي العام، من أجل قطع الشك باليقين وإخماد نيران الغضب المتأججة في الصدور، حيث أنه من غير المقبول إسناد المسؤوليات والمناصب العليا لأشخاص دون إجراء بحوث وتحريات إدارية وأمنية للتأكد من خلو سجلاتهم العدلية والمهنية من أي شبهات أو سوابق، خاصة أن هناك من ذهب إلى القول بأن “الوزيرة” كانت مدانة بعشر سنوات سجنا، لكن تدخل والدها البرلماني آنذاك واستغلال نفوذه، هو من ساعد في غلق الملف وطمس القضية…
وفي تطور مفاجئ صدر يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 بلاغ عن الديوان الملكي، يفيد بأن الملك محمد السادس وافق على طلب رئيسة الحكومة القاضي بإعفاء “ماديحة خيير” الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، من مهامها الوزارية، دون إعطاء أي توضيحات حول الأسباب الكامنة خلف اتخاذ هكذا قرار سريع ومثير، قبل خروج الناطق الرسمي للحكومة سمير بلفقيه، لتأكيد أن الحكومة تعاطت باستعجال مع ما يتم تداوله من معطيات قضائية وطبية تخص تعيين المعنية بالأمر، تم على إثرها التوافق حول إنهاء الجدل والانشغال بتكثيف الجهود نحو إنجاح التجربة الحكومية، وتركيز النقاش العمومي على البرنامج الحكومي وانتظارات المواطنين…
إننا إذ نأسف لمثل هذه الوقائع التي من شأنها التشكيك في سلامة المعايير المعتمدة في انتقاء الأشخاص المرشحين للاستوزار ونزاهة الأمناء العامين، ولاضطرار رئيسة الحكومة إلى رفع طلب إعفاء الوزيرة المنتدبة إلى جلالة الملك وفق الفقرة الرابعة من الفصل 47 من الدستور، حرصا منها على توفير الظروف المناسبة لاستكمال المسار الدستوري لتشكيل حكومتها. وإذ نأسف أيضا لما قد يخلفه قرار الإعفاء من آثار عميقة على نفسية الوزيرة المعفاة، فإننا ندعو المسؤولين إلى ضرورة تحري الدقة في سجلات المرشحين للمناصب العليا، وإعادة النظر في شرط “السوابق العدلية” تحديدا، الذي يحرم آلاف الشباب من ولوج سوق الشغل حتى وإن كانت العقوبة الحبسية لا تتجاوز أربعة شهور بسبب خصومات عابرة…
اترك تعليقاً