وجهة نظر

تشغيل الشباب: حين لا يكفي النمو الاقتصادي!

تشغيل الشباب: حين لا يكفي النمو الاقتصادي!

يشكل النمو الاقتصادي شرطاً ضرورياً للتنمية، لكنه لا يكفي وحده لضمان التقدم الاجتماعي. ففي الوقت الذي تتزايد فيه الاستثمارات وتظهر قطاعات جديدة، يظل عدد كبير من الشباب بعيداً عن سوق الشغل، أو محاصراً بالهشاشة وضعف الآفاق المهنية. لذلك، لا يقتصر التحدي على محاربة البطالة، بل يشمل أيضاً توفير عمل لائق، وتكوين ملائم، وإدماج مستدام للأجيال الجديدة.

وتساعدنا تقارير حديثة لمنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى جانب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، على فهم أبعاد هذه الإشكالية، خاصة في المغرب.

 البطالة ليست سوى جزء من المشكلة

وفقاً لمنظمة العمل الدولية، بلغ معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة عالمياً 12,4% سنة 2025، أي نحو 67 مليون شخص. لكن المؤشر الأكثر دلالة هو نسبة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، إذ بلغت 20% عالمياً، أي حوالي 257 مليون شاب.

وتتضرر الشابات بشكل أكبر، بسبب المسؤوليات المنزلية، وضعف خدمات رعاية الأطفال، وصعوبات التنقل والتمييز. وهذا يؤكد أن الإقصاء من سوق الشغل ليس مشكلة اقتصادية فقط، بل يرتبط أيضاً بالتفاوتات الاجتماعية.

كما أن الحصول على عمل لا يعني بالضرورة الخروج من الهشاشة. ففي البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، يشتغل نحو تسعة شباب من كل عشرة في القطاع غير المهيكل، دون ضمانات كافية للاستقرار والحماية الاجتماعية. وبالتالي، لا يكفي إحداث مناصب شغل جديدة، بل يجب تحسين جودتها أيضاً.

وتضيف التحولات التكنولوجية، وخاصة الذكاء الاصطناعي، تحدياً جديداً، إذ تغير طبيعة المهن والمهارات المطلوبة. ورغم إمكاناته في رفع الإنتاجية وخلق أنشطة جديدة، فإن الاستفادة منه تظل رهينة بالتكوين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا تتوزع منافعه تلقائياً بشكل عادل.

 تحدٍّ ديمغرافي ومخاطر اجتماعية

يتوقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يبلغ نحو 1,2 مليار شاب سن الولوج إلى الحياة المهنية في البلدان النامية خلال السنوات العشر المقبلة، مقابل إمكانية إحداث حوالي 400 مليون منصب شغل. ولا يعني هذا الفارق أن 800 مليون شاب سيصبحون عاطلين، بل يكشف حجم التحدي الذي تواجهه الاقتصادات في توفير فرص العمل.

وفي شمال إفريقيا، بلغ معدل بطالة الشباب 22,6% سنة 2025، فيما لم يكن نحو شاب واحد من كل ثلاثة يشتغل أو يدرس أو يتلقى تكويناً.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، والأزمات المناخية، وغلاء التمويل، والنزاعات التي تعطل الإمدادات. لذلك، لا يمكن أن يقتصر الحل على القطاعات التكنولوجية المتقدمة، بل ينبغي أن يشمل الفلاحة والصناعة والسياحة والصحة والخدمات والمقاولات الصغيرة، أي الأنشطة القادرة على توفير فرص شغل لعدد واسع من الشباب.

 المغرب: مكتسبات وتحديات مستمرة

تُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط تراجع الفقر متعدد الأبعاد في المغرب، من 11,9% سنة 2014 إلى 6,8% سنة 2024، كما انخفض عدد الأشخاص المعنيين من حوالي أربعة ملايين إلى 2,5 مليون.

وهي نتائج إيجابية تعكس تحسناً في ظروف العيش، لكنها لا تعني أن مشكلات التشغيل قد حُلّت. فالفقر متعدد الأبعاد والبطالة مؤَشّران مختلفان؛ إذ يمكن أن تتحسن ظروف أسرة في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، بينما يظل شبابها دون عمل مستقر، أو يشتغلون في أنشطة غير مهيكلة وبمداخيل ضعيفة.

ويتمثل التحدي المغربي في تحقيق تكامل أفضل بين السياسة الاجتماعية والتنمية الإنتاجية. فالتكوين المهني ينبغي أن يستجيب لحاجيات الاقتصاد، لكن المقاولات مطالبة بدورها بالاستثمار وإحداث فرص الشغل. ويمكن لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث الفلاحة، وتطوير الصناعة والخدمات والابتكار، أن يوسع إمكانات الإدماج المهني.

كما يتطلب الأمر اعتماد برامج متنوعة لفائدة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتلقون تكويناً، تشمل العودة إلى الدراسة، والتأهيل المهني، والمواكبة نحو التشغيل، ودعم المبادرات المقاولاتية. ولا بد من مراعاة خصوصيات الجهات والأقاليم، لأن فرص العمل تختلف باختلاف الإمكانات الاقتصادية لكل منطقة.

جعل العمل اللائق أولوية

تؤكد هذه المعطيات أن التحدي لا يتمثل في خلق مناصب شغل أكثر فحسب، بل في توفير فرص منتجة ولائقة، تضمن دخلاً مناسباً واستقراراً مهنياً وحماية اجتماعية.

فمن دون الاستثمار والتحول الإنتاجي، ستظل فرص الشغل محدودة. لكن النمو لن يتحول إلى تقدم اجتماعي مستدام ما لم يواكبه تعليم جيد، وتكوين مستمر، وخدمات صحية، وحماية اجتماعية، وسياسات فعالة للحد من التفاوتات.

لقد حقق المغرب تقدماً في تقليص الفقر متعدد الأبعاد، لكنه مطالب اليوم بوضع إدماج الشباب في صلب اختياراته الاقتصادية والاجتماعية. فالعائد الديمغرافي ليس ثروة تلقائية؛ بل يصبح رافعة للتنمية عندما تتاح للشباب فرص التعلم والعمل والإنتاج والمشاركة في الحياة العامة.

إن النمو الاقتصادي ضروري، لكنه لا يكفي. فالمعيار الحقيقي لنجاحه هو قدرته على توفير عمل لائق وتوسيع آفاق المستقبل أمام الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *