مناطق تموت عطشا لسنوات ومياه الأودية تعبر الحدود.. إلى متى يستمر هدر الثروة المائية؟

بين سنوات الجفاف وحمولة الأودية، تتجدد مطالب ساكنة واحات فركلى وغريس بتشييد السدود وتسريع المشاريع المائية الكفيلة بحماية الواحات وإنعاش الفرشات المائية.
مع كل تساقطات مطرية مهمة تشهدها مناطق الجنوب الشرقي، وما يصاحبها من ارتفاع في حمولة الأودية وانقطاع بعض الطرق وانهيار القناطر، يتجدد سؤال جوهري لا يقل أهمية عن الأضرار التي تخلفها الفيضانات: لماذا لا نستثمر هذه الكميات الهائلة من المياه في مواجهة الجفاف الذي أنهك المنطقة لسنوات طويلة؟
فما يؤلم حقا ليس فقط ما تخلفه السيول من أضرار على مستوى البنيات التحتية، وإنما مشاهدة مياه الأودية وهي تعبر المنطقة في اتجاه الحدود، في وقت تعاني فيه الواحات من ندرة المياه وتراجع منسوب الفرشات المائية، بعد فترات جفاف قد تمتد لخمس أو سبع سنوات.
إن مياه وادي فركلى، ووادي إفني، ووادي السات، ووادي إزيلف، ووادي غريس، تشكل موارد مائية مهمة كان من الممكن أن تسهم، لو توفرت منشآت ملائمة لتعبئتها وتخزينها، في إنعاش النشاط الفلاحي وتغذية الفرشات المائية والتخفيف من آثار الجفاف، بما يعود بالنفع على الساكنة والواحات والمجالات الترابية المجاورة.
وهنا يبرز التساؤل المشروع: أليس من الأجدى تسريع وتيرة الاستثمار في بناء سدود كبرى ومتوسطة وتلية، إلى جانب السدود التحويلية ومنشآت تغذية الفرشات المائية، عوض استمرار ضياع فرص تعبئة هذه الموارد خلال فترات التساقطات؟
صحيح أن بناء السدود لن يقضي على الجفاف باعتباره ظاهرة مناخية، لكنه قد يشكل، إلى جانب التدبير العقلاني للمياه، أحد الحلول الاستراتيجية للتخفيف من آثاره، والحد من تدهور الواحات، وضمان قدر أكبر من الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن الأمر لا يتعلق بمواجهة الطبيعة، بل بضرورة الانتقال من منطق انتظار الأمطار والتعامل مع الفيضانات باعتبارها أحداثا موسمية، إلى سياسة مائية استباقية تحول مياه السيول إلى مخزون استراتيجي يخدم التنمية المحلية.
ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري فتح نقاش جدي حول مآل مشاريع السدود المبرمجة بالمنطقة، والكشف عن أسباب تأخر بعضها، مع تحديد آجال واضحة لإنجاز المشاريع ذات الأولوية، بناء على دراسات علمية تراعي الجدوى المائية والبيئية.
فليس من المقبول أن تظل مناطقنا تتأرجح بين سنوات طويلة من العطش وأيام قليلة من الفيضانات، دون أن تتمكن من تحقيق الاستفادة المنشودة من مواردها المائية.
إن ساكنة هذه المناطق لا تطالب بالمستحيل، وإنما بحقها في تنمية مجالية عادلة، واستثمارات مائية حقيقية، ومشاريع قادرة على حماية الواحات وضمان مستقبل الأجيال القادمة.
فالماء الذي نشاهده اليوم يعبر أوديتنا دون أن نستفيد منه بالشكل المطلوب، قد نبحث عن قطرة منه غدا فلا نجدها.
اترك تعليقاً