الغالي: المبادرة الأطلسية تكسر عزلة الساحل وتطرح بديلا تنمويا لمواجهة الإرهاب

أكد محمد الغالي، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، أن المبادرة الأطلسية الملكية التي أطلقها الملك محمد السادس في 6 نونبر 2023، تمثل تحولا استراتيجيا في الهندسة الجيوسياسية للقارة الإفريقية، من خلال سعيها إلى فك العزلة الجغرافية عن دول الساحل وتمكينها من منفذ نحو المحيط الأطلسي، مع تعزيز الربط التجاري واللوجستي بين دول المنطقة.
وأوضح الغالي، في مداخلة تناولت الأبعاد الجيوبراغماتية للمبادرة الأطلسية، ضمن ندوة وطنية نظمها اليوم الثلاثاء مختبر القانون العام و الدراسات السياسية بكلية العلوم القانونية بالجديدة، أن التطورات الإقليمية والدولية، بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 2797 والتقارير الأممية والمشاورات السياسية الأخيرة، تطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه المبادرة على الصمود والاستدامة في ظل تنازع المصالح الدولية وتباين الاستراتيجيات بين القوى الكبرى، من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والدول الأوروبية.
وأشار أستاذ العلوم السياسي، إلى أن تقييم مستقبل المبادرة يقتضي استحضار التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجيات المضادة التي تحكم المنطقة، لافتا إلى أن جزءا من هذه التفاعلات لا يظهر بشكل مباشر، رغم تأثيره في مسارات التعاون الإقليمي وفرص إنجاح المشاريع الاستراتيجية.
واعتبر عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة أن الرهان الأساسي للمبادرة يتمثل في تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، بالاعتماد على البنيات التحتية المغربية، بما فيها الموانئ والطرق والمنصات اللوجستية، وهو ما من شأنه توسيع المبادلات التجارية وفتح آفاق اقتصادية جديدة أمام هذه الدول.
وأضاف أن المبادرة تندرج ضمن رؤية أوسع لتنويع سلاسل التوريد والتمويل وتأمين بدائل للطاقة، مستحضرا مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، الذي يستهدف تعزيز الربط الطاقي بين البلدان الإفريقية المعنية وفتح آفاق جديدة للتعاون مع أوروبا.
وشدد الغالي على أن أحد أبرز رهانات المبادرة يتمثل في الانتقال من المقاربة الأمنية التقليدية إلى مقاربة تنموية متكاملة، تقوم على خلق فرص الشغل، وتنشيط التجارة، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، معتبرا أن مواجهة الإرهاب والاضطرابات الأمنية والانقسامات العرقية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا لا يمكن أن تتحقق بالحلول العسكرية وحدها.
وفي هذا السياق، أبرز أن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية توفر بيئة تستغلها التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، ما يجعل التنمية المندمجة وتعزيز الأمن الغذائي وتوسيع المبادلات التجارية عناصر أساسية للحد من التهديدات الأمنية وترسيخ الاستقرار في المنطقة.
كما توقف المتحدث عند أهمية الأقاليم الجنوبية للمملكة في تعزيز الهوية الأطلسية للمغرب، من خلال تحويلها إلى منصة استراتيجية للربط القاري والدولي، مستحضرا الدور المرتقب لميناء الداخلة الأطلسي والطرق السريعة والبنيات التحتية اللوجستية في دعم المبادلات التجارية وتسهيل حركة البضائع نحو الأسواق الإفريقية والدولية.
وفي المقابل، حذر الغالي من مجموعة من التحديات التي قد تؤثر في استدامة المبادرة، وفي مقدمتها التقلبات السياسية والاضطرابات الأمنية وانتشار الجماعات المسلحة، فضلا عن الحاجة إلى تمويلات ضخمة لإنجاز المشاريع المرتبطة بها، وما يثيره ذلك من إشكالات تتعلق بالسيادة المالية والاعتماد على القروض السيادية.
وأكد أن استقرار المنطقة يظل عاملا حاسما في استقطاب الاستثمارات الدولية الكبرى، موضحا أن إقناع رؤوس الأموال الأجنبية بالاستثمار في بيئة تتسم بعدم اليقين السياسي والأمني يظل أمرا صعبا، وهو ما يستدعي اعتماد سياسات استباقية واستشرافية قادرة على تدبير المخاطر وتعزيز الثقة لدى الشركاء الدوليين.
وفي قراءته للتوازنات الإقليمية، أشار الغالي إلى أن المبادرة الأطلسية تواجه تحديات مرتبطة بتنازع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية، معتبرا أن تدبير هذه التوازنات يفرض على المغرب مواصلة نهج براغماتي يقوم على تحقيق المصالح المشتركة وتقليص كلفة التنافس الجيوسياسي، مع تعزيز التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.
وسجل أن تبني دول الساحل للمبادرة الأطلسية يشكل أحد عناصر قوتها، بالنظر إلى ما توفره من فرص اقتصادية وتجارية لهذه الدول، مشيرا إلى أن المصالح المشتركة تمثل مدخلا أساسيا لضمان استمرارية التعاون، خصوصا في ظل الحاجة إلى إيجاد بدائل للممرات البحرية التي تواجه تحديات أمنية، مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس.
وأضاف أن المغرب راكم، على مدى سنوات، شبكة واسعة من اتفاقيات الشراكة مع الدول الإفريقية، تجاوز عددها ألف اتفاقية، معتبرا أن عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 شكلت محطة مهمة في تعزيز البعد السياسي والمؤسساتي لهذه العلاقات وتطوير التعاون جنوب-جنوب.
وشدد الغالي على أن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على توقيع الاتفاقيات وإعلان الالتزامات السياسية، بل يتمثل أساسا في تحويلها إلى مشاريع تنموية ملموسة تعود بالنفع على الدول والشعوب المعنية، بما يعزز الثقة المتبادلة ويمنح المبادرة مقومات الاستمرارية.
وخلص المتحدث إلى أن المبادرة الأطلسية الملكية تعكس توجها براغماتيا يقوم على مبدأ رابح-رابح، ويجعل التنمية مدخلا أساسيا لمواجهة الإرهاب وعدم الاستقرار، من خلال خلق فرص الشغل وتعزيز الأمن الغذائي والتبادل التجاري وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.
كما اعتبر أن تراجع النفوذ الفرنسي في بعض مناطق إفريقيا أفرز تحولات في موازين القوى وفراغا جيوسياسيا تسعى أطراف إقليمية ودولية إلى ملئه، مبرزا أن المغرب يقدم نفسه، من خلال هذه المبادرة، باعتباره شريكا إقليميا موثوقا وقوة مبادرة تدعم التعاون جنوب-جنوب، بعيدا عن منطق الهيمنة، مع السعي إلى تعزيز موقع القارة الإفريقية في المبادلات الاقتصادية الدولية.
اترك تعليقاً