غياب وزارة مختصة يثير الانتقاد.. الالتزامات الحقوقية لحكومة المنصوري ينعش التطلعات

أثارت الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن حقوق الإنسان والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص، تطلعات فاعلين حقوقيين، بين من اعتبرها مدخلا إيجابيا للنهوض بالحقوق، ومن دعا إلى تقديم ضمانات مؤسساتية وتشريعية كفيلة بتحويل التعهدات المعلنة إلى إجراءات ملموسة، وإحداث وزارة خاصة بحقوق الإنسان.
وفي الوقت الذي تعهدت فيه الحكومة بمواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، وإدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية، والنهوض بأوضاع النساء والشباب، برزت مطالب بإحداث قطاع حكومي مستقل يتولى تنسيق السياسات المرتبطة بحقوق الإنسان، إلى جانب مراجعة القوانين المثيرة للجدل، وتعزيز الحريات المدنية والسياسية، والوفاء بالالتزامات الدولية للمغرب.
وتتمحور التعهدات الحكومية حول صيانة التعدد الثقافي واللغوي، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، وضمان المساواة وتكافؤ الفرص. كما تشمل تمكين النساء اقتصاديا، ومحاربة العنف ضدهن، وتوسيع مشاركتهن في مراكز القرار، وتحسين ولوجهن إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، خصوصا في الوسط القروي ولدى الفئات الهشة.
غير أن هذه الالتزامات تطرح أسئلة بشأن شروط التنفيذ، ومدى استعداد الحكومة لإجراء مراجعات تشريعية ومؤسساتية تضمن التمتع الفعلي بالحقوق والحريات، بعيدا عن الاكتفاء بإعلان النوايا، بحسب ما نبه له كل أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة رشيد لزرق، ورئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، ورئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان والخبير في مجال حقوق الإنسان، ادريس السدراوي.
ضمانات التنفيذ
وفي هذا السياق، قال عادل تشيكيطو، في تصريح لـ”العمق”، إن ما تضمنه البرنامج الحكومي من التزامات بالنهوض بحقوق الإنسان والحريات وترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص وصيانة التعدد الثقافي واللغوي، قد يعكس وعيا معلنا بمركزية المسألة الحقوقية في تدبير الشأن العام، لكنه لا يقدم ضمانات بشأن امتلاك الحكومة الإرادة السياسية والآليات المؤسساتية الكفيلة بتنفيذها.
وأضاف تشيكيطو أن المغرب راكم، على امتداد عقود، رصيدا مهما من الإصلاحات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية، غير أن الإشكال ظل قائما في المسافة الفاصلة بين الاعتراف بالحقوق وضمان ممارستها، وبين طموح النصوص ومقاومة الواقع، بحسب تعبيره.
وسجل المتحدث ذاته “مفارقة” تتمثل في حضور الخطاب الحقوقي في البرنامج الحكومي، مقابل غياب قطاع حكومي مستقل ومحدد الاختصاصات يتولى تنسيق السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان وتتبع تنفيذ الالتزامات الدولية للمغرب.
وأوضح أن إحداث وزارة مختصة لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة لاحترام الحقوق، لكنه اعتبر أن غياب مخاطب حكومي واضح، يتمتع بالاختصاصات والوسائل والقدرة على التنسيق بين القطاعات، يثير تساؤلات بشأن موقع حقوق الإنسان في الهندسة المؤسساتية للحكومة الجديدة، والجهة التي ستتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن تنفيذ التعهدات والمساءلة بشأنها.
وربط رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان مصداقية الالتزامات الحكومية بمدى اقترانها بمراجعات تشريعية ومؤسساتية، تعزز حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي وتأسيس الجمعيات، وتضمن استقلال القضاء وتحمي المدافعين عن حقوق الإنسان من التضييق.
كما دعا إلى تجاوز ما وصفها بالمقاربات التقليدية في التعامل مع الشباب والنساء، معتبرا أن النهوض بحقوق النساء يتطلب إصلاحات قانونية وسياسات فعالة لمناهضة العنف والتمييز، وضمان الاستقلال الاقتصادي والمساواة الفعلية، خصوصا في المناطق القروية والأوساط الهشة.
وأكد تشيكيطو أن الحكومة مطالبة بتقديم تعاقد حقوقي واضح مع المجتمع، يتضمن أجندة تشريعية محددة وجدولة زمنية للتنفيذ ومؤشرات قابلة للقياس وآليات للتقييم والمساءلة، مع إشراك الحركة الحقوقية المستقلة في تتبع تنفيذ الالتزامات الحكومية.
وأكد على أن هيئته لن تستبق الحكم على الحكومة الجديدة، لكنها لن تمنحها “شيكا حقوقيا على بياض”، مشددا على أن تقييم أدائها ينبغي أن يستند إلى ما ستنجزه فعليا، وما ستصححه من اختلالات، وليس إلى ما ستعلنه من شعارات.
قوانين مثيرة
من جهته، سجل إدريس السدراوي، في تصريح لـ”العمق”، بإيجابية ما تضمنه البرنامج الحكومي من توجهات تروم تعزيز الحقوق والحريات وصيانة التعدد الثقافي واللغوي وترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص، والنهوض بأوضاع النساء والشباب وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان.
واعتبر السدراوي أن هذه الالتزامات تشكل مدخلا مهما لتعزيز دولة الحق والقانون، متى اقترنت بإرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم، مؤكدا أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن الالتزامات فحسب، وإنما في مدى احترامها وتنفيذها، وقدرة التشريعات والسياسات العمومية على حماية المواطنين من التعسف والتمييز والتضييق على الحقوق والحريات.
وشدد المتحدث ذاته على ضرورة وفاء المغرب بالتزاماته الدولية والتعاقدية أمام منظومة الأمم المتحدة، والعمل على تنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، من خلال آليات واضحة للتتبع والتقييم، وتحديد المسؤوليات والآجال، وإشراك المجتمع المدني في رصد مستوى التنفيذ.
وفي ما يتعلق بالإصلاح التشريعي، دعا السدراوي إلى اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية في إعداد القوانين ومناقشتها، تقوم على الإنصات إلى الهيئات المهنية والحقوقية والنقابات والجامعات والخبراء، وإتاحة الوقت الكافي للنقاش العمومي، والأخذ بالملاحظات والتعديلات التي تعزز ضمانات الحقوق والحريات.
وفي هذا الإطار، طالب بإعادة النظر في بعض النصوص التي أثارت نقاشا واسعا في الأوساط المهنية والحقوقية، وفي مقدمتها مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة والفصل الثالث من قانون المسطرة الجنائية، داعيا إلى فتح نقاش مؤسساتي وحقوقي بشأن آثارها المحتملة على استقلالية المهن القانونية وضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع.
وأكد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان أن إصلاح مهنة المحاماة ينبغي أن يصون استقلاليتها وحصانة الدفاع، ويعزز حق المواطنين في الاستعانة بمحام مستقل وفعال، فيما يتطلب الفصل الثالث من قانون المسطرة الجنائية تقييما معمقا لمقتضياته وآثارها على حماية الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.
كما دعا إلى إطلاق حوار وطني شامل يضم المؤسسات الدستورية والحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية والمدنية والخبراء، بهدف إعداد خطة وطنية متكاملة للنهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، تتضمن أهدافا واضحة وآجالا محددة وآليات مستقلة للتتبع والتقييم، مع نشر تقارير دورية بشأن تنفيذ الالتزامات والتوصيات الوطنية والدولية.
وشدد السدراوي، في السياق ذاته، على أهمية أن يشمل هذا الحوار إصلاح منظومة العدالة وتعزيز استقلال القضاء وضمان الحق في المحاكمة العادلة، وحماية حرية الرأي والتعبير والصحافة والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، إلى جانب معالجة الملفات المرتبطة بالاعتقال بسبب الرأي والنشاط السلمي.
انفراج حقوقي
من جانبه، اعتبر رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي تعكس توجها نحو تعزيز المرجعية الحقوقية في تدبير الشأن العام، من خلال التأكيد على كونية حقوق الإنسان وترابطها وعدم قابليتها للتجزئة، وصيانة التعدد الثقافي واللغوي وحماية الحقوق والحريات وترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص.
وأوضح لزرق أن الالتزام بإدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية، والنهوض بحقوق النساء والشباب، وتعزيز الحكامة المؤسساتية المنصفة والدامجة، يشكل مدخلا لترسيخ مقاربة قائمة على الحقوق، بدل الاقتصار على المقاربة الاجتماعية والإحسانية.
لكنه شدد على أن هذه التعهدات تظل، رغم أهميتها من حيث المبدأ، في حاجة إلى ترجمة تشريعية ومؤسساتية واضحة، تجعل حقوق الإنسان التزامات قابلة للتنفيذ والمساءلة، وتضمن الانتقال من الاعتراف المعياري بالحقوق إلى التمتع الفعلي بها، بما ينسجم مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب.
وبحسب الأستاذ الجامعي، فإن إحداث انفراج حقوقي حقيقي لا يمكن اختزاله في توسيع نطاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أو تحسين آليات الحماية الاجتماعية، بل يقتضي مقاربة شمولية تعزز الضمانات الفعلية للحقوق المدنية والسياسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي وتأسيس الجمعيات، وضمان استقلال القضاء وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وتكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وأضاف أن تحقيق هذا الانفراج يقتضي تجاوز الفجوة بين الخطاب الحقوقي والممارسة المؤسساتية، من خلال مراجعة التشريعات والممارسات المقيدة للحريات، وتعزيز آليات الرقابة والانتصاف، والانفتاح على المجتمع المدني باعتباره شريكا في حماية الحقوق والنهوض بها.
وخلص لزرق إلى أن الرهان الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن في تجديد الالتزام السياسي بحقوق الإنسان، وإنما في تحويله إلى ضمانات قانونية وممارسات مؤسساتية وآثار ملموسة يشعر بها المواطن في ممارسة حقوقه وحرياته، مؤكدا أن معيار الانفراج الحقوقي ليس حجم التعهدات المعلنة، بل مدى اتساع فضاء الحريات وفعالية الضمانات التي تحول دون انتهاكها.
اترك تعليقاً