رسالة مفتوحة لوزير التربية الوطنية

رسالة مفتوحة إلى السيد الأستاذ: محمد نبيل بنعبد الله
وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل
الموضوع: رسالة مفتوحة بشأن تسوية ملف دكاترة التربية الوطنية وإدماجهم الشامل ورفع الحيف الأكاديمي والمالي.
سلام تام بوجود مولانا الإمام المنصور بالله،
أما بعد،
سيدي الوزير المحترم، الأستاذ محمد نبيل بنعبد الله، اسمحوا لي أن اخاطبكم بواسطة هاته الرسالة المفتوحة؛ بصفتكم الوصي على قطاع التربية الوطنية، وقيادياً تقدمياً بحزب التقدم والاشتراكية المشهود له بالدفاع عن المأجورين والنخب الوطنية، ونضع بين أيديكم الملف المطلبي لدكاترة القطاع لإنهاء التسويف وتصفية وضعيتهم الوظيفية.
وإذ نستحضر المكتسبات الإصلاحية السابقة لوزراء حزبكم بالتعليمين المدرسي والعالي، فإننا نراهن على جرأتكم السياسية وحسكم النضالي، لاتخاذ قرار حاسم يُحقق التسوية الشاملة بآليات منصفة، ولكم إرادة تكرس الحكامة والمؤسساتية، وتولي أهمية قصوى لقضية دكاترة قطاع التربية الوطنية؛ الذين وجدوا أنفسهم محتجزين في مأزق تنظيمي ووظيفي لا يخدم جودة التربية والتكوين، ولا يُثمن العنصر البشري في قطاع التربية الوطنية الذي يُشكل عماد أي إصلاح عميق، وهو ما أشار اليه القانون الاطار في بعض مواده خصوصا المادة 2 و7.
1. المأزق المادي والرمزي: إطارٌ بلا تعويض ووضعٌ اعتباري مفقود
لقد استبشرت الأطر الحاملة لشهادة الدكتوراه خيراً بالحديث عن تغيير الإطار، غير أن الواقع أفرز وضعاً هجيناً ومرتبكا، فهو اعتراف ومسمى شكلي وبلا معنى، أشير إليه بإطار “أستاذ باحث”، دون أي تعويض مادي يُذكر أو تحفيز مالي يواكب الترقية العلمية الأكاديمية، وبلا تخفيف من ساعات العمل لاستثمار ذلك في البحث العلمي كغيرنا من أطر أساتذة التبريز أو مكسب إداري (فقدان مكاسب اعتبارية يشار إليها في مذكرات سابقة بوضع الأطر العليا).
إن إبقاء الدكاترة (الأساتذة الباحثين) بالمسمى والصفة الشكلية فقط، واشتراط الشغور أو المباريات للتسوية المالية؛ يفرغ الترقية العلمية من معناها، ويُبقي هؤلاء الأطر والكفاءات في السلم دون إنصاف حقيقي، كما أن النظام الأساسي الجديد أغفل التراكمات التنظيمية السابقة والحوارات والمذكرات التي كانت تضمن وضعاً اعتبارياً للأطر العليا وتستثنيهم من ضغوط إعادة التوزيع وتدبير الفائض والخصاص..، ليُسلب منهم حتى هذا التقدير الأدبي والمهني.
2. التنصل من الوعود والاتفاقات المبرمة (منذ 2012 إلى اتفاق 18 يناير 2022)
إن ملف الدكاترة الموظفين يئن تحت ثقل تعهدات حكومية متعاقبة زادت من منسوب الإحباط والشعور بالظلم:
بدءاً من تعهدات المرحوم الوزير الأسبق محمد الوفاء سنة 2012 بطي هذا الملف بصفة نهائية.
مروراً بـ تعهدات الوزير الأسبق الحسن الداودي سنة 2013 القاضية بتحويل المناصب وتخصيص (الكوتة) المالية اللازمة.
ووصولاً إلى التزامات الوزير السابق سعيد أمزازي والاتفاق المبرم في 18 يناير 2022 بين الوزارة والنقابات الأكثر تمثيلية (وقد سبق لي شخصيا توجيه رسالة مفتوحة له، وهي بتاريخ 21 يناير 2021م نشرت بموقع العمق المغربي وغيره). إن الاستمرار في إخضاع تفعيل هذه المقررات لمباريات ذات أعداد مسقفة، وإعادة إنتاج شروط تعجيزية، يعد خرقاً واضحاً للالتزامات الرسمية وتنصلاً غير مبرر من تنزيل اتفاق ومذكرات رسمية موقعة.
3. غياب التكافؤ والإنصاف مقارنة بالقطاعات الأخرى
تتضاعف مرارة الدكاترة داخل قطاع التربية الوطنية حين يرون زملاءهم الحاصلين على نفس المؤهلات الأكاديمية والشهادات العليا في قطاعات ومؤسسات أخرى، يستفيدون من وضعيات وظيفية وتعويضات وميزات ملائمة لشهاداتهم، في حين يُحرم دكاترة التعليم المدرسي من أداء أدوارهم العلمية والأكاديمية التي يؤهلهم لها تكوينهم العالي بل يمنع بعضهم من مواصلة دراساتهم العليا، وهم الأولى بذلك باعتباره تكوينا مستمرا مفيدا لهم وللمتمدرسين بله يبقى رصيدهم المعرفي والأكاديمي مجهوداً مهدوراً لا تُستغل ثماره وإمكاناته الهائلة.
4. مكاسب القطاع والجامعات والميزانية العامة من التسوية الشاملة
إن الإدماج الشامل للأساتذة الباحثين وتحويل مناصبهم المالية يمثل حلاً ذكياً ذا فائدة متعددة الأبعاد للسياسات العمومية:
تخفيف العبء المالي على الخزينة: نظراً لأن معظم الدكاترة مرتبون مسبقاً في السلم 11 أو الدرجة الممتازة (خارج السلم)، فإن تسوية وضعيتهم تحويلياً ونقلهم إلى قطاع التعليم العالي أو المراكز الجهوية لن يفرض أي إرهاق مالي ضخم على الميزانية العامة للدولة.
ضخ دماء جديدة وتوفير فرص شغل للشباب: إن إدماج هؤلاء الدكاترة ونقلهم يسهم مباشرة في إحداث مناصب شغل جديدة داخل وزارة التربية الوطنية، واستقطاب أطر شابة وسد الخصاص الميداني في أسلاك التدريس، بنوعيه التربية الوطنية والتعليم العالي.
دعم البحث العلمي التربوي وتخفيف الضغط الجامعي: إن إدماجهم في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (CRMEF) والجامعات والمعاهد يرفع من نسبة التأطير البيداغوجي، ويُسهم في امتصاص الضغط والاكتظاظ الحاد الذي تعانيه مدرجات التعليم العالي، ويُنشط فرق البحث التربوي في مراكز مستقلة أو على مستوى الأكاديميات الجهوية أو على مستوى مراكز تابعة للوزارة وغيرها.
5. بعض الحلول والمقترحات العملية والمستعجلة نرفعها إليكم للنظر:
أمام هذا الوضع، نرفع إليكم المقترحات التالية كحلول عملية وقابلة للتطبيق الفوري:
التفعيل الفوري والكامل لاتفاق 18 يناير 2022 وبأثر رجعي، والإسراع بالإدماج الشامل والكامل لجميع دكاترة القطاع بحسب التخصصات والمراكز والمؤسسات الجامعية المعنية عبر آلية تحويل المناصب المالية (Postes de Transfert).
صيغة التخيير للتدريس بالأسلاك مع خفض النصاب: بالنسبة للأطر التي تلزمها فترة انتقالية أو تختار التدريس بأسلاكها مؤقتاً لحين إنهاء إجراءات الإلحاق الكلي، يُقترح خفض نصاب ساعات عملهم إلى 12 ساعة أسبوعياً كحد أقصى في كافة الأسلاك، (وهو مكسب ووضعية يتمتع بها زملاؤنا الأساتذة المبرزين)، مع اعتبار أي ساعة إضافية طوعية بمثابة ساعات دعم مؤدى عنها تعويضاً مالياً.
تفعيل بنيات البحث ومختبرات التجديد والتنشيط التربوي: إشراك الأساتذة الباحثين بشكل رسمي مثلا في تدريس سلك الإجازة التربوية، وتنشيط الحياة المدرسية والمكتبات بجدول حصص ميسر، ودفتر تحملات تربوية واضحة، وتأطير وتدريب الأساتذة الجدد، وإسناد حصة الأستاذ المصاحب لهم بإصدار مذكرة تفصيلية في الأمر، والتأطير والمرافقة العلمية والمهنية للمتدربين بالمراكز الجهوية، وإسناد مشاريع البحث العلمي والتطوير البيداغوجي على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ومؤسسات التعليم العالي للأساتذة الباحثين، وإنشاء منصات تربوية وتعليمية إلكترونية إقليمية وجهوية يشرفون عليها…
سيدي الوزير المحترم،
إن دكاترة قطاع التربية الوطنية لا يطالبون بريـع أو امتيازات غير مستحقة، بل يطالبون بإنهاء أزمة عمرت لأكثر من عقد من الزمن، وحان الوقت لإيقاف الحديث عن الوعود مع كل ولاية حكومية، إن الاستثمار في هذه النخبة الوطنية يُمثل مدخلاً رئيسياً لإنجاح كل إصلاح تربوي منشود وتجسيداً روحياً وأخلاقياً للمسؤولية والمصداقية الإدارية والسياسية.
وفي انتظار مبادرتكم الكفيلة بفك هذا الانغلاق وتصفية الملف تصفية شاملة وعادلة وعاجلة، فإن ثقتنا فيكم تبقى راسخة، لكونكم تعبرون عن مدرسة سياسية نضالية، لطالما تميزت بالشجاعة في اتخاذ القرارات الحاسمة والوفاء بالتزامات الحوار الاجتماعي، وهي نفس الجرأة المعهودة في تاريخ حزب التقدم والاشتراكية لقيادة مبادرات نوعية، تُنصف هذه النخبة العلمية والتربوية والأكاديمية، وتُعيد الاعتبار للبحث العلمي بالمغرب وكفاءاته المتميزة، خصوصا بقطاع التربية الوطنية.
وتقبلوا، سيدي الوزير المحترم، فائق التقدير والاعتزاز.
اترك تعليقاً