احتجاجات بلا حدود

تشهد الساحة الأوروبية في الآونة الأخيرة تصاعدا لافتا في منسوب الاحتقان الاجتماعي، والذي تجلى في موجة من الحركات الاحتجاجية التي انطلقت شرارتها الأولى من فرنسا، قبل أن تمتد إلى كل من بلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا وإسبانيا، في مسار يعكس تباين السياقات الوطنية وتعدد المطالب المعبر عنها، بقدر ما يكشف عن تقاطعات عميقة في مصادر السخط الاجتماعي، في ظل تفاقم الضغوط المعيشية وتنامي الاعطاب الاقتصادية والاجتماعية. وقد اتخدت هذه التحركات أشكالا احتجاجية متباينة، من حيث منطلقاتها المباشرة، وتقاطعت في عمقها حول جملة من الاختلالات المرتبطة بتدهور القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستفحال أزمة السكن، واختلال شروط الولوج إلى التعليم، وتنامي الشعور بانسداد الآفاق الاجتماعية أمام فئات واسعة، ولا سيما فئة الشباب. وإذا كانت هذه التحركات قد انبثقت من سياقات وطنية مخصوصة، فإن تزامنها النسبي، وتشابه بعض مطالبها، وسرعة انتقال صورها وخطاباتها عبر الحدود، يضعنا إزاء ظاهرة تستدعي قراءة تتجاوز التفسير الاقتصادي والاجتماعي المباشر، لتستحضر التحولات التي مست بنية التعبئة الجماعية، والوسائط التي يتشكل من خلالها الوعي الاحتجاجي، والآليات المستحدثة لانتقال السخط من المجال الاجتماعي الضيق إلى المجال العام. في الحالة الفرنسية مثلا، نجد أن رقعة الاحتجاجات التي انطلقت من مطالب مرتبطة بأوضاع المؤسسات التعليمية ونقص الأطر التربوية، اتسعت بشكل سريع لتشمل قضايا غلاء المعيشة وعدم المساواة والاعتراض على بعض الاختيارات الحكومية. أما إيطاليا فقد برزت مظاهر الاحتقان في سياق تصاعد الاعتراض على الأعباء الاقتصادية والسياسات العمومية، بينما اتخذت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات موقعا مركزيا في التحركات التي شهدتها البرتغال وإسبانيا. أما في بلجيكا وألبانيا، فقد ارتبطت التعبئة، ضمن سياقاتها الخاصة، بمطالب تعليمية واجتماعية وسياسية متفاوتة. وعلى الرغم من اختلاف هذه المطالب وتباين الظروف التي أفرزتها فإنها تلتقي عند إحساس متنام بأن التوازن بين الأعباء التي يتحملها المواطنون والخدمات والفرص المتاحة لهم قد أصابها ترد حاد يستوجب المساءلة والمراجعة.
غير أن الدلالة الأعمق لهذه الموجة لا تكمن في مجرد تعدد بؤرها الجغرافية أو اتساع قاعدتها الاجتماعية، وإنما في التحول الذي طرأ على شروط تشكلها وانتشارها، ذلك أن الاحتجاج المعاصر لم يعد محكوما حصريا بحدود المكان الذي ينشأ فيه، ولا بالزمن الذي تستغرقه وسائل الإعلام التقليدية في نقل أخباره، بل أصبح يتحرك ضمن بيئة اتصالية تتداخل فيها الواقعة الميدانية مع تمثيلها الرقمي، وتتقاطع فيها المطالب المحلية مع الصور والخطابات والتجارب المتداولة عبر الشبكات. ومن ثم، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد قناة ناقلة لحدث احتجاجي مكتمل التكوين، بل أضحى أحد المكونات المؤثرة في إنتاجه وتوسيع مداه، وإعادة تشكيل دلالاته داخل الوعي الجماعي.
وفي خضم هذه التحولات، تتموقع المنصات الرقمية باعتبارها فضاء لإعادة تشكل الصلة بين الاختلالات الاجتماعية وآليات الوعي بها، وإعادة صياغة الكيفية التي يدرك بها الاقصاء والتهميش ويتم من خلالها ترجمة مشاعر التذمر إلى أشكال من التعبئة الجماعية. فالمعاناة التي كانت في ظروف سابقة، حبيسة التجربة الفردية أو محصورة في نطاق اجتماعي ضيق، باتت قابلة للتحول إلى موضوع عمومي بمجرد تداول شهادة شخصية أو صورة أو مقطع مرئي يكشف عن اختلال معين. وحين تتكرر هذه الشهادات وتتقاطع مضامينها، يتولد لدى المتلقين إدراك بأن ما يواجهونه ليس بالضرورة حالة معزولة، وإنما قد يكون مظهرا من مظاهر الانحراف الواسع المدى. وهكذا، تسهم الشبكات الرقمية في نقل التجارب من مستوى الحالة الفردية إلى مستوى التمثل الجماعي، وتمنح المطالب المتفرقة إمكانية الالتقاء ضمن أفق مشترك من السخط والتعبئة. وتتجلى أيضا القوة التعبوية لهذا الفضاء، على نحو أوضح، في قدرته على تقليص المسافة الزمنية الفاصلة بين نشوء الحدث وانتشاره، وبين التعبير عن المطلب واستجابة الآخرين له. فالصورة المتداولة لا تنقل الواقعة فحسب، بل قد تستثير الانفعال، وتستدعي المقارنة، وتستحث التأويل، وتدفع المتلقي إلى إعادة النظر في علاقته بالمشكلة المعروضة. كما أن تداول الشعارات وأساليب الاحتجاج وأشكال التعبير الرمزي يتيح للفاعلين استلهام تجارب سابقة أو متزامنة، وإعادة توظيفها وفق خصوصيات سياقاتهم المحلية. وبهذا المعنى، تتجاوز وظيفة الاتصال الرقمي مجرد الإخبار إلى الإسهام في بناء الاستعداد النفسي والذهني للمشاركة، وفي تهيئة شروط انتقال بعض المطالب من دائرة التداول الافتراضي إلى مجال الفعل الميداني.
ولعل السياق يتيح لنا استجلاء دلالة مفهوم “العدوى الاحتجاجية” المشتق من مفهوم العدوى السلوكية الذي طرحه غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” من أجل تفسير بعض أوجه الانتشار المتطور للتحركات الاجتماعية. ولا يقصد بهذا المفهوم انتقال الاحتجاج انتقالا آليا أو حتميا، كما لو أن المجتمعات تستنسخ بعضها بعضا بمجرد الاطلاع على تجاربها، بل يتعلق الأمر بدينامية من التأثر والمحاكاة الاجتماعية، تتعزز حين يدرك الأفراد وجود تماثل بين أوضاعهم وأوضاع المحتجين في أماكن أخرى. فالاحتجاج الذي ينطلق حول أزمة تعليمية في بلد معين قد يغدو، بالنسبة إلى فئات في بلد مجاور، مناسبة لاستحضار اختلالات مماثلة في منظومتها التعليمية، كما يمكن لتحركات مناهضة غلاء الإيجارات أن تمنح المتضررين من أزمة السكن في مجتمعات أخرى إطارا تعبيريا يساعدهم على بلورة مطالبهم وإدراجها ضمن نقاش عمومي أوسع. وتزداد هذه الدينامية قوة حين تتوافر بعض الشروط المتداخلة والمتمثلة في تقاطع الأوضاع الاجتماعية، وقابلية التجارب المتداولة للاستثارة الوجدانية، ثم وجود شبكات اتصال تسمح بانتقالها وإعادة تأويلها. فالتقارب بين المطالب يوفر الأرضية الموضوعية للتفاعل، فيما تمنح الصور والشهادات هذه المطالب حضورا محسوسا، وتتكفل البنية الشبكية بتوسيع دائرة تداولها. وعندما تجتمع هذه العناصر، قد يتحول الاحتجاج من واقعة محلية محدودة إلى مرجع رمزي تستلهمه جماعات أخرى، لا بالضرورة من خلال تبني مطالبه بكامل عناصرها، وإنما عبر إعادة صياغة اختلالاتها الخاصة على ضوء ما تكشفه التجربة المتداولة من إمكانات للتعبير والتنظيم والتأثير.
ولعل ما يميز البيئة الرقمية عن وسائل الاتصال السابقة ليس سرعة الانتشار وحدها، بل قدرتها على جعل المتلقي مشاركا في إعادة إنتاج الرسالة وتوجيه مسار تداولها. فالمستخدم لا يكتفي بمشاهدة الحدث، وإنما يستطيع التعليق عليه، وإعادة نشره، وإرفاقه بتأويلات شخصية، وربطه بوقائع أخرى، بما يخلق طبقات متعاقبة من المعنى تتجاوز أحيانا الرسالة الأصلية. وضمن هذه العملية، تتشكل شبكات من التفاعل قد تجمع أفرادا لا تربطهم علاقات اجتماعية مباشرة، لكنهم يتقاسمون تصورات متقاربة بشأن قضية معينة. وبذلك، يتخذ الفضاء الرقمي صورة مجال للتلاقي والانسجام بين فاعلين متباعدين جغرافيا، تتولد بينهم أشكال من التضامن أو التماهي قد تمهد لتنسيق مواقفهم أو توسيع دائرة اهتمامهم بالقضايا المطروحة. ولا يمكن، في هذا الصدد، إغفال الدور الذي تؤديه الخوارزميات في تحديد المحتوى الذي يحظى بدرجات أعلى من الظهور والتداول. فالمنصات لا تعرض جميع الوقائع بالقدر نفسه من التبدي، وإنما ترتب المحتويات وفق آليات توصية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها أنماط التفاعل واهتمامات المستخدمين. وقد يؤدي ذلك إلى تضخيم حضور مشاهد الاحتجاج، خصوصا حين تقترن بالشحنة الانفعالية أو بالمواجهة أو بالمفارقة البصرية. وعندئذ، تنشأ حلقة تفاعلية يتغذى فيها الانتشار على الاهتمام، ويغذي الاهتمام بدوره إلى تنامي الحضور داخل الفضاء الرقمي، فتتحول بعض الأحداث إلى موضوع مركزي في المجال الاتصالي بما قد يمنحها وزنا يتجاوز أحيانا حجمها الميداني الفعلي.
ومع ذلك، فإن رد تصاعد الدينامية الاحتجاجية إلى الوساطة الرقمية، والتعامل معها بوصفها محددا سببيا قائما بذاته، ينطوي على إغفالٍ لتشابك الشروط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تتضافر في إنتاج الفعل الاحتجاجي وتوجيه مساراته، ويفضي إلى إرجاع ظاهرة مركبة إلى عامل واحد، بما يحجب تعدد مستوياتها التفسيرية ويخل باستيعاب منطقها البنيوي. فالوسائط الرقمية لا تخلق، من تلقاء ذاتها، أزمة السكن، ولا تستولد غلاء المعيشة، ولا تنتج نقص الأطر التعليمية أو اختلال توزيع الفرص الاجتماعية. إنها، في المقام الأول، تعيد تشكيل شروط ظهور هذه الاختلالات وإدراكها والتعبير عنها، وقد تسرع انتقال آثارها من المجال الخاص إلى المجال العام. ولذلك، ينبغي التمييز بين الأسباب البنيوية التي تغذي الاحتجاج، والوسائط التي تيسر انتشاره، والظروف السياسية والتنظيمية التي تحدد مدى تحوله إلى تعبئة ميدانية مستدامة. فليس كل تداول رقمي بعتبر مقدمة لاحتجاج في الشارع، ولا يستتبع التلازم الزمني للتعبئات الاحتجاجية، على اختلاف حواضنها الوطنية، افتراض وحدة مرجعيتها الحركية، أو رد نشأتها إلى منبه اتصالي جامع.
وتبرز أهمية هذا التمييز عند النظر إلى التفاوت بين الأشكال السلمية للاحتجاج وبين أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التحركات. فالانتشار الرقمي قد يوسع دائرة التعاطف مع المطالب الاجتماعية، لكنه قد يضخم، في الوقت نفسه، مشاهد المواجهة ويمنحها حضورا يفوق ما تحظى به المطالب التي أفضت إلى الاحتجاج. وقد يؤدي تداول المقاطع المجتزأة أو الأخبار غير المتثبت منها إلى تحريف دلالات الوقائع، أو إذكاء حدة الاستقطاب، أو تعميم ممارسات فئوية محدودة على مجموعات احتجاجية واسعة، بما يفضي إلى اختزال تعددية الفعل الاحتجاجي في صور نمطية مجتزأة. وعلى هذا الأساس يجب الفهم والاستيعاب على أن الفضاء الرقمي ليس حيزا محايدا بصورة مطلقة، بل هو مجال تتداخل فيه آليات إنتاج المعنى وتوجيه الإدراك وإعادة تشكيل تمثلات الأحداث. فهو مجال للتعبئة والتضامن، لكنه قد يصبح أيضا مجالا للتضليل والتأويل المنحاز وإعادة إنتاج الانفعالات الجماعية على نحو يضعف إمكان الفهم المتزن للوقائع.
وعلى نحو أخر لا يجوز أن يؤدي التركيز على هذه المخاطر إلى إغفال الوظيفة الديمقراطية التي يمكن أن يضطلع بها الاتصال الرقمي، من خلال توسيع إمكانات التعبير، وإتاحة المجال أمام فئات لم تكن تجد سبيلا ميسرا إلى المجال العام، وإبراز مطالب قد لا تحظى بالاهتمام الكافي داخل القنوات المؤسساتية والإعلامية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق بإدانة الوسيط الرقمي أو تمجيده، بل بفهم الشروط التي تجعل أثره داعما للتعبير المدني والتداول العمومي، أو تجعله قابلا للاستغلال في نشر المعلومات المضللة وتغذية الاستقطاب. كما أن التمييز بين مشروعية المطالب الاجتماعية وعدم مشروعية الاعتداء على الأشخاص والممتلكات يظل ضروريا لصون المعنى السياسي للاحتجاج، ومنع انزلاق النقاش من مساءلة الأسباب إلى التنازع حول مظاهر العنف وحدها.
وبالنظر الى ما سلف نرى على أن الاحتجاجات التي شملت البلدان الأوروبية الستة تكشف لنا عن تحول يتجاوز تعدد المطالب أو تزامن التحركات، والكامن في تحول الكيفية التي تتكون بها الممارسة الاحتجاجية وانتقالها من سياق إلى آخر. فالاحساس بالتفاوتات في البنية المجتمعية يظل متجذرا في شروطه المادية، غير أن الفضاء الرقمي يمنحه قابلية جديدة للظهور والتداول والتأثير، ويجعل من التجارب المحلية مواد قابلة للمقارنة والاستلهام وإعادة التوظيف. وفي هذا التفاعل بين البنية الاجتماعية والوساطة التقنية، تتشكل إمكانات جديدة للتعبئة، لا تستمد قوتها من الاتصال وحده، بل من تفاعل الوساطة الاتصالية مع وعي جمعي أخذ في التشكل قوامه أن الاختلالات المتباينة في مظاهرها قد لا تعدو أن تكون تجليات متعددة لاختلالات بنيوية أعمق.
ولعل الخلاصة الأجدر بالاعتبار أن الاحتجاج في زمن الشبكات لم يعد يقرأ من خلال ما يحدث في الشارع وحده، ولا من خلال ما يجري تداوله على الشاشات بمعزل عن شروطه الاجتماعية، وإنما من خلال العلاقة الجدلية التي تصل المجالين، حيث تمنح الوقائع الميدانية المحتوى الرقمي مادته، فيما يمنحها التداول الشبكي امتدادها المتسارع والقدرة على الوصول إلى جماعات جديدة.
فالفضاء الرقمي لم يفض إلى الحلول محل الشارع بوصفه الحيز المادي لتجلي الفعل الاحتجاجي، وإنما أعاد تشكيل شروط انبثاقه وأنماط تمظهره وامتداداته، كما لم يكن مصدرا لارهاصات الاحتقان الاجتماعي أو منتجا لمسبباته من فراغ، بقدر ما أتاح لأحداث متفرقة أن تتكاشف، ولمجموعة من التجارب الاحتجاجية المتباينة أن تستحضر بعضها بعضا، فتتبلور بينها وشائج إدراكية تتجاوز حدود المعاناة الفردية إلى استشعار جماعي لوحدة الوضع وتقاطع المطالب، بما يهيئ الانتقال من غضب متناثر إلى أفق أرحب من التنسيق والتعبئة وإمكانات فعل جماعي منسق ومشترك.
ومن ثم، فإن فهم موجات الاحتجاج الراهنة يقتضي النظر إليها بوصفها حصيلة تفاعل معقد بين اختلالات الواقع، وديناميات التعبئة، وآليات الانتشار الرقمي، في مشهد تتزايد فيه قدرة الصور والخطابات والشبكات على تحويل المنعطفات المحلية إلى قضايا تتردد أصداؤها عبر الحدود، من غير أن تفقد بالضرورة خصوصيتها الوطنية والاجتماعية.
اترك تعليقاً