منتدى العمق

رسالة مفتوحة إلى رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة

عبد الحي السملالي

الأستاذ شنضيض مصطفى،

رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أكتب إليكم هذه الرسالة المفتوحة لأن ما نشرتموه تحت عنوان “المناهج العلمية المقترحة للدروس والكراسي العلمية في مساجد أوروبا” أثار قلقًا عميقًا لدى عدد كبير من أبناء الجالية المغربية في أوروبا. ليس لأن العلم الشرعي غير مهم، ولا لأن المتون التراثية لا قيمة لها، بل لأن الطريقة التي قُدِّم بها هذا البرنامج تكشف انفصالًا كاملًا عن السياق الأوروبي، وعن هوية الجالية المغربية، وعن حاجاتها الواقعية.

أولًا: البرنامج المقترح لا يحترم السياق الأوروبي ولا يخاطب واقع الجالية

أوروبا ليست فضاءً لتلقين الجلالين والعشماوية وشروح مختصر خليل كما لو كنا في بيئة مدرسية تقليدية.

أوروبا فضاء قانوني، اجتماعي، تربوي، وثقافي معقّد، يعيش فيه أبناؤنا تحديات الهوية، الاندماج، المواطنة، المدرسة، الفضاء الرقمي، والتمييز.

ما نشرتموه لا يجيب عن أي من هذه الأسئلة.

بل يعيد إنتاج نموذج تعليمي منفصل تمامًا عن الواقع، وكأنه يريد أن يفرض على المساجد الأوروبية برنامجًا لا علاقة له بالحياة اليومية للمسلمين هنا.

ثانيًا: تهميشٌ غير مفهوم للقامات العلمية المغربية

القائمة التي نشرتموها تكاد تخلو من أعلام المغرب الذين صنعتهم مدارس فاس وسوس ومراكش وطنجة وأجبالة.

أين القاضي عياض؟

أين المختار السوسي؟

أين عبد الله بن الصديق و محمد بن الصديق؟

أين أعلام فاس الذين بنوا مدرسة علمية فريدة؟

أين علماء سوس الذين جمعوا بين الفقه واللغة والتاريخ؟

أين علماء مراكش وطنجة الذين كانوا جسورًا بين المغرب والأندلس؟

الجالية المغربية في أوروبا تريد أن تتعلم دينها من خلال تراث بلدها الأصلي، من خلال رموزها، من خلال تاريخها، من خلال المدرسة العلمية التي تربطها بـ إمارة المؤمنين وبالهوية المغربية التي تحميها من الذوبان أو التطرف.

لكن ما نشرتموه يقدّم قائمة كتب لا تعكس هذا الامتداد، ولا تحترم هذا العمق، ولا تعطي للجالية ما تحتاجه لتعيش هويتها المغربية داخل السياق الأوروبي.

ثالثًا: الجالية تريد علمًا شرعيًا… لكن بلغة أوروبية وبروح مغربية

أبناء الجالية لا يرفضون العلم الشرعي، بل يرفضون تنزيله بطريقة تفترض أنهم يعيشون في القرن الثامن.

يريدون علمًا:

• يربطهم بتاريخهم المغربي،

• ويعرّفهم على أعلام بلدهم،

• ويغذي علاقتهم بإمارة المؤمنين،

• ويمنحهم زادًا روحيًا وفكريًا يساعدهم على العيش في أوروبا،

• ويقدّم لهم الإسلام بلغة الواقع، لا بلغة المتون المجردة.

يريدون برنامجًا يجعلهم يعرفون القاضي عياض كما يعرفون ابن كثير،

ويعرفون المختار السوسي كما يعرفون الغزالي،

ويعرفون علماء فاس وسوس ومراكش وطنجة كما يعرفون علماء المشرق.

هذه هي الثقافة التي تبني توازنهم الهوياتي، وتربطهم بجذورهم، وتساعدهم على الاندماج دون ذوبان.

رابعًا: المطلوب ليس حذف التراث… بل احترام الواقع

لا أحد يطلب منكم إلغاء المتون، ولا حذف التراث، ولا القطيعة مع العلماء السابقين.

المطلوب شيء واحد:

أن يكون البرنامج علميًا، مغربيًا، أوروبيًا، واقعيًا، ومبنيًا على قراءة دقيقة لحاجات الجالية.

المساجد الأوروبية ليست زوايا، والجالية ليست طلبة متون، والسياق الأوروبي ليس امتدادًا لبيئة القرون الماضية.

خامسًا: دعوة لإعادة النظر في المشروع من أساسه

أدعوكم، بكل وضوح، إلى:

• إعادة النظر جذريًا في هذا البرنامج،

• إشراك علماء المغرب الحقيقيين الذين يعرفون المدرسة المغربية،

• إشراك خبراء القانون والاجتماع والتربية في أوروبا،

• بناء منهج يحترم السياق الأوروبي ويحترم الهوية المغربية في آن واحد.

الجالية المغربية تستحق برنامجًا يليق بها، لا برنامجًا يعيد إنتاج الزاوية داخل أوروبا.

ختامًا

هذه الرسالة ليست هجومًا، بل نداءً صريحًا:

احترموا السياق الأوروبي، واحترموا المدرسة المغربية، واحترموا حاجات الجالية.

فالمساجد الأوروبية تحتاج إلى علمٍ يفتح الأبواب، لا علمٍ يغلقها.

إلى منهجٍ يربط الدين بالواقع، لا يفصله عنه.

إلى رؤيةٍ مغربية أوروبية، لا تراثية مدرسية.

والله من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *