العنف لا جنس له.. رجال مغاربة في مواجهة الإيذاء والوصم الاجتماعي

ليس كل عنف يترك كدمة على الجسد، وليس كل ضحية تستطيع أن تروي ما حدث لها دون أن تخشى نظرات الآخرين. فثمة رجال يتعرضون للإهانة والتهديد والابتزاز النفسي داخل علاقاتهم العاطفية أو الزوجية، وآخرون يعيشون عنفا داخل أسرهم أو في فضاءات العمل والشارع، لكنهم يختارون الصمت، لا لأن ما يتعرضون له بسيط، بل لأن الاعتراف به قد يكون، في نظر المجتمع، أكثر إيلامًا من العنف نفسه.
في المخيال الاجتماعي السائد، يُفترض بالرجل أن يكون قويا، قادرا على المواجهة، ومحصنا ضد الانكسار. وإذا اشتكى من عنف امرأة، فقد يجد نفسه موضع سخرية بدل أن يجد من يصغي إليه، وقد يُطلب منه أن يتحمل ما حدث باعتباره أمرا لا يليق برجل أن يتألم بسببه. وهكذا، تتحول صورة الرجولة من قيمة يفترض أن تقوم على المسؤولية والكرامة إلى قيد يمنع بعض الضحايا من الاعتراف بمعاناتهم أو طلب المساعدة. غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس ما إذا كان الرجل قادرا على تحمل العنف، ولكن لماذا ما زال المجتمع يربط حق الضحية في الإنصاف بجنسها، أو بمدى قدرتها على إظهار الألم؟ وهل يمكن بناء ثقافة حقيقية لمناهضة العنف بينما نترك بعض ضحاياه خارج دائرة الاعتراف؟
الأرقام تكشف جانبًا من واقع مسكوت عنه
بعيدا عن الانطباعات والحكايات المتفرقة، تقدم الأرقام المغربية مدخلا جديا لمناقشة هذه الظاهرة. فقد أنجزت المندوبية السامية للتخطيط قبل سنوات قليلة بحثا حول العنف الذي يتعرض له الرجال في مختلف فضاءات الحياة، اعتمادا على عينة شملت 3000 رجل تتراوح أعمارهم بين 15 و74 سنة. ونُشرت النتائج في خطوة أتاحت للمرة الأولى إضاءة هذا الجانب من الظاهرة من خلال معطيات إحصائية وطنية. ومن أبرز ما كشفته الدراسة أن 31 في المائة من الرجال صرحوا بتعرضهم للعنف من طرف الشريكة خلال الاثني عشر شهرا السابقة للبحث، سواء تعلق الأمر بالزوجة أو الزوجة السابقة أو الخطيبة أو الصديقة. كما سجلت المعطيات تعرض نحو 12 في المائة من الرجال للعنف داخل الأسرة من طرف أفراد غير الشريكة، ونحو 10 في المائة للعنف في الفضاء العام. وهذه النسب لا تعني أن جميع الحالات متشابهة في طبيعتها أو خطورتها، ولا تثبت وحدها أن النساء والرجال يتعرضون للعنف بالمعدلات نفسها. لكنها تقدم حقيقة تستحق النقاش.. العنف الذي يقع ضحيته الرجال ليس مجرد حالات استثنائية يمكن تجاهلها، وإنما ظاهرة رصدها بحث وطني يستحق أن تُقرأ نتائجه بجدية. وتزداد أهمية هذه المعطيات حين ننتبه إلى أن العنف لا يقتصر على الاعتداء الجسدي. فقد أظهرت نتائج البحث أن 37 في المائة من الرجال أفادوا بتعرضهم للعنف النفسي خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للدراسة، و11 في المائة للعنف الجسدي، و2 في المائة للعنف الجنسي، و1 في المائة للعنف الاقتصادي، وذلك عبر مختلف فضاءات الحياة التي تناولها البحث.
لا تكمن دلالة هذه الأرقام في تحويل العنف إلى منافسة بين الجنسين، ولكن في تفكيك الاعتقاد القائل إن الرجل، لمجرد كونه رجلا، بمنأى عن الإيذاء النفسي أو الجسدي، فالألم لا يخضع لقواعد الأدوار الاجتماعية، والكرامة الإنسانية لا تتغير بحسب جنس صاحبها.
حين يكون العنف نفسيًا… ولا يراه أحد
قد يكون الاعتداء الجسدي واضحا، إذ تترك الضربة أثرا يمكن ملاحظته، لكن العنف النفسي أكثر قدرة على الاختباء خلف تفاصيل الحياة اليومية، فقد يتخذ شكل الإهانة المتكررة، أو تحقير الشريك أمام الآخرين، أو التهديد بحرمانه من أطفاله، أو إخضاعه للابتزاز العاطفي والمالي، أو مراقبة تحركاته والتضييق على حريته. وتشير نتائج البحث المغربي إلى أن العنف النفسي كان الشكل الأكثر حضورا ضمن العنف الذي أبلغ عنه الرجال، إذ مثّل 73 في المائة من مجموع أعمال العنف المسجلة في الدراسة، مقابل 20 في المائة للعنف الجسدي، و4 في المائة للعنف الجنسي، و3 في المائة للعنف الاقتصادي.
وتكمن خطورة هذه الأشكال من العنف في أنها قد تُمارس تدريجيا، حتى يفقد الضحية قدرته على التمييز بين الخلاف العادي والإيذاء المستمر، وقد يجد الرجل نفسه مطالبا بتبرير سلوك شريكته مهما بلغ من الإهانة، أو بإخفاء معاناته كي لا يُتهم بالضعف، أو بالاستمرار في علاقة مؤذية خوفا من الفضيحة أو من خسارة أطفاله أو مكانته الاجتماعية. ولعل المفارقة أن المجتمع الذي يطالب الرجل بأن يكون سندا نفسيا وماديا لأسرته، قد لا يمنحه المساحة نفسها حين يحتاج هو إلى السند. يُنتظر منه أن يحتوي الآخرين، لكنه قد لا يجد من يحتويه.. ويُطلب منه أن يتصرف بحكمة، بينما يُسلب أحيانا حقه في التعبير عن الأذى الذي يتعرض له. وفي هذا المستوى ينبغي التمييز بين خلافات العلاقات الإنسانية، التي قد تتسم بالتوتر وسوء التواصل، وبين العنف الذي يقوم على الإيذاء أو التهديد أو السيطرة. فليس كل شجار عنفا، كما أن وصف فعل ما بالعنف لا ينبغي أن يكون وسيلة لتصفية الحسابات أو لتجريم الطرف الآخر دون أدلة. إن الإنصاف يقتضي فحص الوقائع، لا إطلاق الأحكام المسبقة.
الرجولة بين الصورة الاجتماعية والخوف من الفضيحة
لماذا يصمت بعض الرجال عن العنف الذي يتعرضون له؟ لا يمكن اختزال الإجابة في سبب واحد، لكن ضغط الصورة الاجتماعية للرجولة يمثل عاملًا يستحق الانتباه. فحين يروي رجل أنه تعرض للضرب من طرف زوجته، قد يكون أول ما يسمعه: “كيف تسمح لها بذلك؟”. وحين يتحدث عن الإهانة أو الابتزاز النفسي، قد يُطلب منه أن يتجاهل الأمر أو أن يتحمل مسؤولية ما حدث باعتباره الطرف الذي يُفترض أن يمتلك القوة داخل العلاقة. والمشكلة في هذه الردود أنها تنقل النقاش من الفعل المؤذي إلى قدرة الضحية على منعه. وبدل أن يُسأل المعتدي عن سلوكه، يُسأل الضحية لماذا لم يواجهه، أو لماذا لم يغادر العلاقة، أو كيف سمح لنفسه بأن يكون في هذا الموقف.
وهذا المنطق لا يساعد على فهم العنف، ولكنه يضيف إلى المعاناة شعورا بالعار. كما أن مغادرة العلاقة المؤذية ليست دائمًا قرارا بسيطا، فقد ترتبط بالوضع المادي أو السكن أو الأطفال أو الخوف من الانتقام أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي.ولا ينبغي، في المقابل، افتراض أن كل رجل يتعرض للعنف يلتزم الصمت، أو أن كل امرأة متهمة بالعنف تحظى بالحماية الاجتماعية. المطلوب هو الاعتراف بأن الصور النمطية قد تؤثر في طريقة استقبال الشكاوى، وأن الاستماع إلى الضحية يجب ألا يتوقف عند جنسها أو جنس الشخص الذي تتهمه.
هل الدفاع عن الرجال انتقاص من حقوق النساء؟
من أكثر الاعتراضات التي قد تثار عند تناول هذا الموضوع القول إن الحديث عن العنف ضد الرجال يشتت الانتباه عن العنف الذي تتعرض له النساء، أو يُستعمل للتقليل من معاناتهن.. لكن هذا الاعتراض يخلط بين قضيتين يمكن معالجتهما معًا دون أن تلغي إحداهما الأخرى. إن الاعتراف بالعنف ضد الرجال لا ينفي أن النساء يتعرضن بدورهن لأشكال خطيرة من العنف، ولا يبرر التقليل من الفوارق التي قد تجعل بعض الفئات أكثر عرضة للإيذاء أو أقل قدرة على الوصول إلى الحماية. كما أن الدفاع عن حقوق النساء لا يفرض إنكار معاناة الرجال.
ومن الناحية الحجاجية، فإن جعل الجنس معيارا وحيدا لتحديد من يستحق التعاطف يضعف مبدأ العدالة نفسه، فإذا رفضنا الاعتداء لأنه اعتداء، وجب أن نرفضه بصرف النظر عن هوية مرتكبه، أما إذا تغير موقفنا من الفعل نفسه بمجرد أن نعرف أن الضحية رجل أو أن المعتدي امرأة، فإننا لا نحتكم إلى مبدأ ثابت، بل إلى صورة نمطية مسبقة. ولا يعني هذا أن جميع أشكال العنف متطابقة، أو أن أسبابها وآثارها وتوزيعها الاجتماعي واحدة، ولكن يعني أن فهم الفوارق لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لإنكار ضحايا آخرين.
من الاعتراف إلى الحماية
لا يتحقق تجاوز الصمت بمجرد نشر الأرقام أو تداول القصص المؤثرة، ولكنه يتطلب خطوات عملية تجعل الإبلاغ عن العنف ممكنا، وتجعل التعامل مع الضحايا قائما على الوقائع والإنصاف.
أولا، ينبغي تطوير البحث الإحصائي المنتظم حول العنف الذي يتعرض له الرجال والنساء، مع التمييز بين العنف الأسري والعنف بين الشركاء والعنف في الفضاءات العامة وأماكن العمل.
ثانيا، لابد أن تتاح للضحايا قنوات آمنة للاستماع والتوجيه والمواكبة النفسية والقانونية، من دون افتراض مسبق أن الرجل هو المعتدي أو أن المرأة هي الضحية، أو العكس. فالشكوى تحتاج إلى تقييم جدي، والأدلة تحتاج إلى فحص، والاتهام لا يُعد حكمًا بالإدانة.
ثالثا، تقع على وسائل الإعلام مسؤولية مهمة في معالجة هذه الحالات بعيدا عن التهكم والإثارة. فعندما يُقدَّم الرجل الذي تعرض للعنف مادة للسخرية، أو تُختزل القضية في صراع بين الرجال والنساء، تتحول التغطية الإعلامية من أداة لفهم الظاهرة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوصم.
رابعا، ينبغي ترسيخ تربية اجتماعية ترفض العنف بوصفه وسيلة للسيطرة داخل الأسرة أو العلاقة العاطفية. فالطفل الذي يتعلم أن الضرب دليل قوة، أو أن الإهانة أمر مقبول حين تصدر عن طرف معين، قد يحمل هذه التصورات معه إلى علاقاته المستقبلية.
وأخيرا، من المهم أن يعرف كل من يتعرض للعنف أن طلب المساعدة ليس اعترافا بالهزيمة، وأن التحدث عما يحدث لا ينتقص من قيمته أو رجولته. فالقوة ليست في تحمل الأذى إلى ما لا نهاية، بل في القدرة على حماية النفس وطلب الإنصاف دون خوف من الأحكام الاجتماعية.
إن العنف ضد الرجال ليس قضية يقتضي تضخيمها لمنافسة قضايا النساء، ولا موضوعا للإخفاء حفاظا على صورة اجتماعية مثالية للرجل. إنه جانب من ظاهرة أوسع تتعلق بالسلطة والإيذاء والصمت، ولا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى الوقائع والأرقام، بعيدا عن الأحكام المسبقة. وقد أظهرت المعطيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط أن رجالا مغاربة يتعرضون للعنف في علاقاتهم الخاصة وأسرهم وفضاءاتهم اليومية. وهذه الحقيقة لا تمنحنا الحق في تعميم الاتهام على النساء، كما لا تسمح لنا بتجاهل الضحايا الذكور.. ولكنها تفرض علينا أن نسأل عن سبل الوقاية والحماية والإنصاف، وأن نميز بين الدفاع عن الحقوق وتوظيف المعاناة في الصراع بين الجنسين. فالمجتمع العادل هو الذي ينصت إلى كل من يتعرض للأذى، ويحاسب كل من يثبت تورطه فيه، ويحمي الإنسان دون تمييز أو محاباة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: إذا كنا نطالب المجتمع بأن يسمع صوت المرأة حين تتعرض للعنف، فلماذا نتردد في الإصغاء إلى الرجل الذي يقول إنه يتألم؟ وهل يمكن أن نناهض العنف ما دمنا نعتقد أن بعض الضحايا لا يليق بهم أن يبكوا ؟
اترك تعليقاً