أزمة الماء الصالح للشرب بإقليم زاكورة وأدوار الفاعلين

ليست كل الأزمات البيئية مجرد أزمات موارد، بل تكشف في كثير من الأحيان عن تحديات أعمق في بنية التدبير العمومي على المستوى المحلي. فعندما يشتد الضغط على مورد حيوي كالماء، لا تتغير فقط طرق تدبيره، بل قد تؤدي إلى إعادة تشكيل وظائف الفاعلين المحليين وحدود تدخلهم. وتقدم أزمة الماء الصالح للشرب بإقليم زاكورة مثالا دالا على هذا التحول، إذ تكشف كيف فرضت ضرورة تدبير الندرة إدماج المجتمع المدني في تدبير خدمة الماء الصالح للشرب، بما تجاوز في بعض الحالات الوظيفة التي حددها له الإطار الدستوري والقانوني. وعليه، يحاول هذا المقال الإجابة على السؤال التالي: كيف أعادت أزمة الماء الصالح للشرب في إقليم زاكورة تشكيل دور المجتمع المدني داخل منظومة التدبير المحلي؟
تكتسي هذه القراءة أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث يؤكد دستور 2011 في فصله الأول على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على “الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”. كما جاء هذا الأخير، بمقاربة متقدمة للتنظيم الترابي تقوم على اللامركزية والمشاركة المواطنة وتبني خيار الجهوية المتقدمة. فمن الناحية القانونية، منح الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات مكانة محورية في تدبير الشأن المحلي، كما خول للمجتمع المدني أدوارا في اقتراح السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييمها. غير أن الاختبار الحقيقي لهذه المبادئ لا يتم في الظروف العادية، وإنما في لحظات الأزمات، حين تصبح قدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها رهينة بما تمتلكه من موارد وإمكانيات.
وفي هذا الإطار، تكشف تجربة زاكورة عن وجود فجوة بين الاختصاص القانوني والقدرة الفعلية على التدبير. فبالرجوع إلى المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113.14 “تقوم الجماعة بإحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب، بما في ذلك المساهمة في توزيع الماء الصالح للشرب”، ما يجعل من الاختصاصات الذاتية للجماعة تدبير قطاع الماء. لكنها تجد نفسها أمام تحديات تتجاوز إمكاناتها المالية والتقنية والبشرية. وهو ما ثم ملاحظته، مع تزايد الضغط الاجتماعي الناتج عن ندرة المياه الذي أفرز سنة 2017 احتجاجات بالإقليم عرفت إعلاميا بـ”احتجاجات العطش”، حيث يصبح امتلاك الاختصاص وحده غير كاف لتوجيه السياسات العمومية الترابية، ومع اتساع هذه الفجوة، لم يعد ممكنا للجماعة أن تضطلع منفردة بتدبير هذا القطاع، الأمر الذي فتح المجال أمام فاعلين آخرين من قبيل المجتمع المدني للاضطلاع بأدوار لم تكن في الأصل ضمن مجال اختصاصاتهم الأساسية.
وبناء على ذلك، يمكن تفسير تجربة إقليم زاكورة في ضوء أدبيات الحوكمة متعددة المستويات، التي تنظر إلى صنع السياسات العمومية باعتباره نتاجا تتوزع فيه الصلاحيات والمسؤوليات بين مستويات مختلفة من السلطة، المحلية والوطنية والدولية، ويشارك فيه فاعلون حكوميون وغير حكوميين في صنع السياسات ونفيذها. غير أن ما تكشفه هذه التجربة لا يقتصر على تعدد المتدخلين، بل يتمثل في إعادة تشكيل أدوارهم بحكم ضرورة الأزمة، بحيث لم يعد الدور الذي يضطلع به كل فاعل يتحدد فقط بالاختصاصات القانونية، وإنما أيضا بقدرته على تعبئة الموارد والاستجابة السريعة لمتطلبات الأزمة.
وعليه، أظهرت النتائج الأولية للبحث الميداني المنجز بالإقليم أن تدخل جمعيات المجتمع المدني لم يكن في الأصل تعبيرا عن رغبة مسبقة في إدارة قطاع الماء، وإنما استجابة مباشرة لتحديات مؤسساتية فرضتها حدة الأزمة. وقد ساعد قرب هذه الجمعيات من الساكنة ومعرفتها بخصوصيات المجال على ضمان استمرارية التزويد بالماء، غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في فعاليتها التدبيرية فقط، بل فيما تكشفه من تحول في وظيفة المجتمع المدني. فبدل أن يظل فاعلا يساهم في اقتراح السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، أصبح يؤدي، بحكم الواقع، وظائف تنفيذية يومية، جعلته المسؤول الرئيسي في نظر المواطنين في تدبير خدمة عمومية يفترض أن تتحمل المؤسسات المنتخبة مسؤوليتها.
غير أن هذا التحول يطرح سؤالا جوهريا يتجاوز فعالية التدخلات الميدانية. حيث يمكن أن يؤدي توسع انخراط المجتمع المدني في تنفيذ السياسات العمومية، إلى تقليص المساحة المتاحة له للقيام بوظيفته الدستورية باعتباره قوة اقتراح وترافع ورقابة. ولا يعني ذلك بالضرورة فقدان الجمعيات لاستقلاليتها، وإنما يشير إلى تحول وظيفي فرضته ضرورات تدبير الأزمة، حيث انتقل المجتمع المدني تدريجيا من ممارسة أدوار الترافع والتقييم إلى الاضطلاع بوظائف تنفيذية.
في المقابل، يلاحظ أن مكانة ممثلي السلطة العمومية المركزية على المستوى المحلي تتعزز باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على تعبئة الموارد، والتنسيق بين المتدخلين، وتسريع إنجاز المشاريع ذات الطابع الاستعجالي. وينتج عن ذلك إعادة توزيع القدرة الفعلية على اتخاد القرار داخل المجال الترابي دون أي تعديل رسمي للاختصاصات القانونية. فالفاعل الذي يمتلك الموارد يصبح، عمليا، الأكثر تأثيرا في توجيه القرار العمومي، حتى وإن لم يكن صاحب الاختصاص الأصلي. إنها إعادة توزيع للاختصاصات بحكم الواقع أكثر منها إعادة توزيع بحكم القانون.
وعليه، لا تتمثل النتيجة الأهم التي تكشفها تجربة إقليم زاكورة في تعدد المتدخلين في تدبير الماء، وإنما في التحول الذي عرفته العلاقة بينهم. فبينما تحتفظ الجماعة الترابية باختصاصها القانوني، تتولى السلطات العمومية على المستوى المحلي قيادة جانب مهم من التدخلات، في حين يضطلع المجتمع المدني بوظائف تنفيذية متنامية فرضتها ضرورات الأزمة. وبهذا المعنى، لا يعاد توزيع الاختصاصات القانونية، وإنما يعاد، بحكم الواقع، توزيع الأدوار داخل منظومة التدبير المحلي.
ولا يدعو هذا التحليل إلى تقليص دور المجتمع المدني أو الحد من انخراطه في تدبير الشأن العام المحلي، بل إلى إعادة التوازن بين وظائف مختلف الفاعلين المحليين بما ينسجم مع دستور 2011. فإشراك المجتمع المدني يكتسب قيمته الديمقراطية من خلال المشاركة في اقتراح السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييمها، لا عندما تتحول بفعل ضرورات الأزمة، إلى بديل عن الفاعل العمومي في تدبير الخدمات الأساسية. كما أن تعزيز اللامركزية لا يتحقق بمجرد إسناد الاختصاصات، وإنما يقتضي تمكين الجماعات الترابية من الموارد والإمكانات الكفيلة بممارسة تلك الاختصاصات ممارسة فعلية.
وتتجاوز أهمية تجربة مدينة زاكورة حدود الإقليم، لأنها تكشف دينامية قد تتكرر في مجالات ترابية أخرى تواجه ضغوطا بيئية متزايدة. فالأزمات لا تؤثر فقط في تدبير الموارد، بل قد تعيد، بحكم الواقع، تشكيل أدوار الفاعلين المحليين دون أي تعديل في الإطار القانوني المنظم لاختصاصاتهم. ومن ثم، فإن نجاح سياسات التكيف مع ندرة المياه لا يقاس فقط بقدرتها على ضمان الأمن المائي، وإنما أيضا بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين متطلبات التدبير الاستعجالي والأدوار الدستورية لمختلف الفاعلين، بما يضمن بقاء المجتمع المدني شريكا في التدير المحلي، لا بديلا عن المؤسسات العمومية، ويعزز في الوقت نفسه انسجام العلاقة بين الاختصاصات القانونية والإمكانات الفعلية لممارستها.
اترك تعليقاً