منتدى العمق

إلى الوزير بجيجو: الوجع في ميزان عدالة الدولة

إلى الوزير بجيجو: الوجع في ميزان عدالة الدولة

غيبوبة الإنسان تمتحن يقظة الدولة وقدرتها على حماية أشد مواطنيها ضعفا. تظل له حقوق يعجز عن المطالبة بها، وكرامة لا يستطيع الدفاع عنها، وأعباء مالية قد تتراكم دون أن يسمع تفسيرا واحدا. عند هذه العتبة، السيد الوزير، تقاس قوة الدولة بقدرتها على الحضور إلى جانب من فقد القدرة على الكلام.

أكتب إليكم لأن النقاش حول الرعاية في المؤسسات الخاصة يتجاوز أثمان الخدمات إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة والحاجة. فطالب الرعاية يسلم جسده لمن يملكون الخبرة، ويأتمن أقاربه على متابعة مصيره، بينما يفترض الجميع أن جهة مستقلة تسهر على سلامة هذا التفويض. وبضعف ذلك الاطمئنان، تتسع المسافة بين ما تقوله المؤسسة وما تستطيع العائلة التحقق منه.

من هنا، يستمد تدخل وزارتكم ضرورته. فالتوسع في العرض الاستشفائي لا يكفي وحده لإثبات التقدم، مهما بلغت حداثة البنايات ودقة المعدات. التقدم يقاس أيضا بنوعية الضمانات التي ترافق دخول الإنسان إلى المؤسسة وخروجه منها، وبقدرته على فهم ما يخصه، والاعتراض عند الاشتباه في تجاوز، والحصول على إنصاف بعد ثبوت الضرر.

وليس المطلوب إخضاع الاجتهاد السريري لمنطق الاتهام، أو تحويل كل نتيجة مؤلمة إلى قرينة إدانة. فالممارسة محاطة بحدود المعرفة واحتمالات التعثر، وقد يبذل المختص أقصى جهده دون أن يحقق الشفاء. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يقتضي، بالمقابل، توثيقا أمينا وشرحا واضحا ومراجعة محايدة، حتى لا تختلط المضاعفات الممكنة بالإهمال، ولا تحجب مكانة المؤسسة مسؤوليتها.

وتكتسب العناية المركزة حساسية مضاعفة، لأن صاحب الجسد قد يكون غائبا عن القرار، ولأن أقاربه يعيشون تحت وطأة الانتظار. لذلك ينبغي إخضاع دواعي المكوث والتدخلات المتعاقبة لتقييم مهني مستقل عند الحاجة، مع حفظ استقلال المختص عن حسابات العائد المالي. فالقرار العلاجي يفقد نزاهته متى أصبحت الزيادة في الإيرادات عنصرا مؤثرا في توجيهه.

ويمتد هذا المبدأ إلى الحوار مع الأقارب. فالمعلومة ليست منحة تقدم وفق مزاج الإدارة، وإنما شرط لفهم الخيارات واتخاذ المواقف المناسبة. ينبغي أن يعرف المخولون ما استجد، وما يرجى من التدخل المقترح، وما يحيط به من مخاطر، وأن تتاح لهم استشارة ثانية وفق مقتضيات الحالة. فالصراحة الرحيمة تحفظ الثقة ولو عجز العلم عن تقديم البشارة.

غير أن الصدق في الكلام يظل ناقصا إن لم تسنده سلامة الممارسة اليومية. وهنا تبرز الوقاية من الإصابات المرتبطة بالرعاية، وجودة التكوين، وكفاية العاملين، وانتظام التدقيق. فالمؤسسة التي ترهق أطرها، أو تختزل الاحتياط في تعليمات معلقة، تضعف شروط الأمان. والمسؤولية تقتضي فحص تنظيم العمل، لا الاكتفاء بالبحث عن شخص يتحمل وحده نتائج الخلل.

أما الجانب المالي، فيحتاج إلى وضوح يسمح بتتبع المصاريف وفهم أسباب تغيرها. ومن الإنصاف أن تتلقى العائلة كشوفا دورية مفهومة، وأن تجد طريقا ميسرا لمراجعة المبالغ المتنازع عليها. بذلك يصبح المقابل مرتبطا بخدمة قابلة للإثبات، وتنتقل العلاقة من التسليم القلق إلى الثقة المبنية على المعرفة، دون الإخلال بحقوق المؤسسة أو مشروعية مستحقاتها.

ولكي تكتمل هذه الضمانات، ينبغي أن تكون الشكوى قابلة للوصول، والمساءلة قابلة للتحقق. نحتاج آلية مستقلة تنصت للمتضررين، وتستعين بالخبرة، وتجيب ضمن آجال معلنة، وتحمي الخصوصية وحقوق الدفاع. كما نحتاج حصيلة منشورة تبين طبيعة الاختلالات وكيفية معالجتها ومنع تكرار التجاوزات مستقبلا. فالرقابة تستمد هيبتها من أثرها الملموس، وتفقدها باختزال دورها في استقبال الملفات. بيد أن نشر النتائج يستوجب قراءة منصفة لاختلاف الحالات، حتى لا تتحول المقارنة إلى عقاب للمؤسسات التي تستقبل الحالات الأصعب، أو ذريعة لانتقاء أصحاب الحظوظ الأفضل في التعافي.

على أن صرامة الإشراف لن تعوض ضعف المرفق الحكومي. فضيق البديل يقيد حرية الاختيار، ويجعل الرضا أقرب إلى الاضطرار. لذلك يتعين وصل المحاسبة بتقوية الاستقبال الاستعجالي، وتحسين توزيع الكفاءات، وتيسير الإحالة بين المرافق. فالإنصاف يبدأ أيضا بمنع الظروف التي تدفع المحتاج إلى قبول شروط لم يكن ليقبلها لو امتلك خيارا متاحا.

السيد بجيجو، تمنحكم المسؤولية فرصة لإرساء قاعدة واضحة: كلما اشتد ضعف الإنسان، اشتد واجب حمايته. وسيبقى الامتحان فيما يتغير بعيدا عن المنصات والكاميرات، عند سرير ينتظر أصحابه جوابا أمينا. هناك تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، وتثبت أن غياب الإنسان عن وعيه لا يعني غياب الدولة عن واجبها تجاهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *