الدوزي يطالب بإنصاف شباب الشرق ويدعو لاستثمار مؤهلاته وإدماج لهجته سينمائيا

دعا المغني المغربي عبد الحفيظ الدوزي إلى توسيع حضور مدينة وجدة في الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية، ومنح الشباب الوجدي فرصا أكبر لإبراز مواهبهم، معتبرا أن المنطقة الشرقية تتوفر على مؤهلات طبيعية وبنية تحتية يمكن استثمارها لإحداث استوديوهات سينمائية كبرى، واستقطاب شركات إنتاج مغربية ودولية، بدل حصر النشاط الفني في مراكز الإنتاج التقليدية.
وأثار الدوزي، في كلمة ألقاها على هامش اختتام المهرجان المغاربي الدولي للفيلم بوجدة، مسألة غياب اللهجة الوجدية عن المسلسلات والأفلام المغربية، متسائلا عن أسباب عدم حضورها في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، رغم تنوع اللهجات التي سبق أن عرفها الجمهور المغربي من خلال عدد من الإنتاجات، من بينها اللهجة الشمالية التي برزت في أعمال مثل “الحسين والصافية” و”بنات لالة منانة”.
وقال الدوزي إن وجدة مدينة مغربية تنتمي إلى النسيج الثقافي للمملكة، ومن حقها أن تحظى بتمثيل أكبر في الإنتاجات الفنية، بما يتيح للجمهور التعرف على خصوصيتها اللغوية والثقافية، مشيرا إلى أن الشباب الوجدي يحتاج إلى فرص حقيقية لإبراز قدراته، خصوصا في المجال السينمائي، الذي يرى أنه لم يمنح المدينة بعد المكانة التي تستحقها.
واستحضر الدوزي الرصيد الفني الذي راكمته وجدة، سواء في المسرح أو الموسيقى، مبرزا أن عددا من شباب المنطقة يواصلون حمل المشعل الفني بإمكاناتهم الخاصة، ويعملون على إنتاج أعمال موسيقية والتعريف بالثقافة المحلية، من دون انتظار التمويل أو الدعم، رغم ما يتطلبه ذلك من جهد ومثابرة.
ولفت إلى أن الأغنية الوجدية تزخر بتنوع إيقاعاتها وأنماطها، من الراي والغرناطي إلى الركادة والعلاوي، معتبرا أن الوقت حان ليمتد هذا الحضور إلى السينما، بما يتيح نقل اللهجة المحلية والذاكرة الثقافية للمنطقة إلى الشاشة.
وفي هذا السياق، طرح المغني المغربي فكرة إحداث استوديوهات سينمائية كبرى بالمنطقة الشرقية، مستندا إلى تنوع مؤهلاتها الطبيعية والجغرافية، التي تسمح بتصوير مشاهد وأعمال مختلفة من دون الحاجة إلى الانتقال بين مناطق بعيدة.
وأشار، في هذا الصدد، إلى تجربته في زيارة ورزازات والتصوير داخل استوديوهاتها، معتبرا أن المقارنة بين مؤهلاتها ومناخ المنطقة الشرقية تبرز إمكانات تستحق الاستثمار، في ظل توفر الأخيرة على الثلوج بجرادة، والواجهة البحرية الممتدة من السعيدية إلى الناظور، والجبال في تافوغالت، فضلا عن المناظر الصحراوية والواحات في فجيج.
وبحسب الدوزي، فإن هذا التنوع الطبيعي، إلى جانب توفر وجدة على مطار دولي، يتيح التفكير في مشروع سينمائي متكامل يخدم الشباب ويحرك الاقتصاد المحلي، من خلال توفير فرص العمل واستقطاب الفنادق والاستثمارات وشركات الإنتاج الكبرى.
ودعا إلى تبني رؤية تتجاوز الإنتاجات المحلية المحدودة نحو استقطاب السينما العالمية، على غرار التجربة التي راكمتها ورزازات، حتى تصبح وجدة وجهة للإنتاج والتصوير، ويستفيد شباب المنطقة من فرص العمل داخل مدينتهم بدل الاضطرار إلى البحث عنها في مناطق أخرى.
وأكد أن حديثه عن هذه الإمكانات ينطلق من غيرته على المنطقة الشرقية ورغبته في رؤية مؤهلاتها الثقافية والطبيعية تتحول إلى فرص فعلية، موجها دعوته إلى الفنانين والجهات المعنية من أجل الالتفات إلى المدينة ومنحها موقعا أكبر في المشهد الفني المغربي.
وعلى المستوى الفني، طرح عبد الحفيظ الدوزي، في ماي الماضي، أغنيته الجديدة “طال عذابي” في صيغة فيديو كليب يقوم على فكرة غير تقليدية، تجمع بين الماضي والحاضر من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة تقديم أغنية تعود إلى أكثر من 25 سنة، في تجربة تجمعه بنسخته خلال مرحلة الطفولة.
وأوضح الدوزي أن فكرة الغناء إلى جانب “الدوزي الطفل” ظلت حلما يراوده منذ فترة طويلة، غير أن محدودية الإمكانات التقنية في السابق حالت دون تنفيذها، قبل أن يتيح التطور الذي شهده مجال الذكاء الاصطناعي إمكانية تحويلها إلى مشروع فني، يعيد من خلاله تقديم عمل قديم بصيغة جديدة، ويستحضر مرحلة مبكرة من مساره الشخصي.
ويعتمد الفيديو كليب على هذه التكنولوجيا في مختلف مراحل إنجازه، من التصور إلى التنفيذ النهائي. وفي تصريح لـ”العمق”، أشار المغني المغربي إلى أن الاشتغال على المشروع استغرق سنة كاملة من العمل التقني، مع الحرص على تحقيق الانسجام بين الصوت والصورة، ولا سيما إعادة تشكيل صوته في مرحلة الطفولة، وتحديدا عندما كان في الثامنة من عمره.
وأوضح أن الغاية من العمل لم تقتصر على إعادة إحياء أغنية قديمة، بل امتدت إلى استحضار جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، من خلال إعادة بناء أجواء الطفولة التي عاشها، والتي يرى أنها تتقاطع مع تجارب فئات واسعة من الجمهور. ولهذا الغرض، استند الكليب إلى تفاصيل مستمدة من نشأته، تشمل أجواء الأحياء الشعبية، وبساطة الإمكانات، ولحظات الفرح المرتبطة بلمة العائلة، وهي عناصر يرى أنها منحت العمل بعدا إنسانيا وساعدت على وصول إحساسه إلى الجمهور.
وربط الدوزي تفاعل المستمعين مع الأغنية بقدرتها على استحضار تجارب شخصية مشتركة، مشيرا، استنادا إلى تواصله المباشر مع جمهوره، إلى ملاحظته تحولا في ذوق المستمعين، الذين باتوا، بحسب تعبيره، يبحثون عن أعمال مختلفة، عوض الاكتفاء بالأغاني السريعة والمستهلكة. واعتبر أن هذا التوجه شجعه على خوض تجربة تراهن على الإحساس والعمق، وتقدم محتوى فنيا يحمل قيمة مضافة.
ويحتل الارتباط بمدينة وجدة مكانة أساسية في تصور الدوزي لمساره الفني، إذ يرى أن تمثيل الفنان لمدينته يظل أمرا إيجابيا، سواء تعلق الأمر بالمجال الفني أو السياسي أو الثقافي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمدينة راكمت تاريخا مهما وأنجبت أسماء بارزة في مجالات متعددة.
وفي هذا الإطار، يسعى المغني المغربي إلى استحضار الذاكرة المحلية في أعماله، من خلال تقديم مضامين تستعيد جزءا من ماضيه الشخصي، وتعيد الاعتبار للمكان الذي انطلق منه. وشدد على أهمية التشبث بالأصول وعدم الانفصال عن البدايات، مذكرا بأن أولى أشكال الدعم التي تلقاها في مسيرته جاءت من محيطه القريب، سواء من أبناء الحي أو من المدرسة، وهو ما جعله يحافظ على ارتباط رمزي بمدينته وتجربته الأولى.
وبخصوص توظيف الذكاء الاصطناعي في الأعمال الفنية، اعتبر الدوزي أن هذه التكنولوجيا أداة محايدة تتحدد قيمتها بحسب طريقة استخدامها، موضحا أنه اختار توظيفها لإعادة تشكيل أجواء الماضي واستحضار لحظات ذات حمولة إنسانية، في مقابل استخدامات أخرى قد تثير الجدل عندما تمس القيم والتقاليد.
وعلى مستوى آخر، كشف الدوزي أنه لا يشتغل حاليا على مشاريع في مجال التمثيل، رغم خوضه تجربة سابقة لم تكتمل، لكنه أبدى اهتمامه بالعودة إلى هذا المجال مستقبلا، شريطة توفر الظروف المناسبة التي تسمح له بخوض تجربة جديدة.
اترك تعليقاً