منتدى العمق

العربُ الفلسطينيون في الداخل وصندوقُ الاقتراع.. المشاركةُ الشاملةُ ضرورةٌ وطنية

أحمد يوسف

تتجه الأنظار إلى انتخابات الكنيست المقررة يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، في لحظة تتجاوز حدود التنافس بين الأحزاب إلى ما تحمله نتائجها من انعكاسات على الفلسطينيين في الداخل المحتل، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي ظل تهديدات اليمين الصهيوني المتطرف، وما يعلنه قادته من مواقف ومشروعات تمسّ وجود شعبنا وحقوقه، تصبح المشاركة العربية الواسعة في هذه الانتخابات ضرورة وطنية. وقد تختصر هذه المرحلة عبارةٌ أستحضرها هنا: «قد لا تمنحنا الانتخابات خيارًا مثاليًّا، لكنها تتيح لنا أن نمنع الأسوأ، وأن نجعل صوتنا العربي حاضرًا في معادلة القرار». فالمطلوب ليس تعليق الآمال على الوعود الانتخابية، بل قراءة موازين القوى واستثمار ما يتيحه التصويت من فرصة لتقليص قدرة اليمين المتطرف على الانفراد بالحكم والقرار.

ولا يتوقف الخطر الذي يواجه شعبنا عند استمرار الحرب على غزة وما خلّفته من قتل ودمار ونزوح، بل يمتد إلى مخططات التهجير القسري، ومحاولات ضمّ الأرض وتوسيع الاستيطان، والسياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في النقب والجليل وسائر المدن والقرى العربية داخل الخط الأخضر. وحين يرفع قادة اليمين شعارات الترحيل والضمّ، أو يتحدثون عن أوهام «إسرائيل الكبرى»، لا يجوز التعامل مع تصريحاتهم بوصفها مجرد دعاية انتخابية؛ فهي تكشف عن اتجاه سياسي ينبغي مواجهته.

ومن هنا، فإن لصوت كل مواطن عربي، مسلمًا كان أم مسيحيًّا، وزنًا ومعنى. وقد يترك الامتناع عن التصويت، مهما كانت دوافعه المبدئية، الساحة لقوى اليمين الأكثر تطرفًا، ويمنحها فرصة للانفراد بالحكم وتوسيع نفوذها. فالمشاركة لا تعني تزكية الاحتلال أو المصادقة على سياساته، ولا التخلي عن الثوابت الوطنية؛ بل يمكن أن تكون فعلًا سياسيًّا دفاعيًّا يُستخدم لمواجهة بعض القوانين والمواقف المتطرفة، ورفع وزن الصوت العربي في البرلمان وفي مفاوضات تشكيل الحكومة.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة الدكتور إبراهيم محمود حبيب من غزة إلى الشيخين رائد صلاح وكمال الخطيب، داعيةً إلى إعادة النظر في مقاطعة الانتخابات، انطلاقًا من تقدير حجم الأخطار التي تتهدد الفلسطينيين في غزة والضفة والداخل. وخلاصة ما طرحه أن الحضور العربي، على الرغم من محدودية ما يستطيع تحقيقه، يظل أداةً لمواجهة السياسات المتطرفة والتأثير في موازين القوى، وأن ترك الميدان خاليًا قد يوسّع هامش الحركة أمام اليمين. كما أن ارتفاع نسبة المشاركة يعزز قدرة الأحزاب العربية على إيصال قضايا المواطنين العرب والفلسطينيين إلى صلب النقاش السياسي.

وأضم صوتي إلى هذه المناشدة، متوجهًا إلى الشيخين رائد صلاح وكمال الخطيب، بوصفهما من الرموز المؤثرة في مجتمعنا، راجيًا أن يعيدا النظر في موقف المقاطعة، وأن يساهما في حثّ أبناء شعبنا على المشاركة. فالاعتراض على شرعنة الاحتلال أو تجميل صورته موقف مفهوم، لكن السياسة تضعنا أحيانًا أمام خيارات صعبة، وتفرض علينا الموازنة بين التمسك بالموقف المبدئي واتخاذ ما يمكن من خطوات لحماية الناس والوجود.

ويمكن توضيح الأمر للناس بصراحة: المشاركة لا تمنح الاحتلال براءة، بل تعني استخدام كل وسيلة متاحة للحد من تغوّل حكومته، مع مواصلة النضال من أجل الحقوق الوطنية. كما أن التصويت لقائمة عربية لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا، أو أن أي حكومة بديلة ستكون منصفة للفلسطينيين؛ إنما يعني توظيف الصوت العربي لمواجهة اليمين الأكثر تطرفًا، والحد من فرص انفراده بالحكم، وتعزيز قدرة المجتمع العربي على الدفاع عن حقوقه ومصالحه. إنها مفاضلة بين خيارات متفاوتة، لا بين خيار كامل وآخر ناقص؛ والمطلوب قراءة النتائج المحتملة بوعي، ثم البناء على ما تتيحه من فرص.

ومن الضروري كذلك أن تتجاوز القوى العربية خلافاتها، وأن تخاطب الناس ببرنامج واضح يلامس همومهم اليومية، ويجمع بين صون الهوية والحقوق ومعالجة قضايا الأمن والتعليم والسكن ومكافحة الجريمة. إن تكوين كتلة عربية قوية، عبر القائمة المشتركة والقوى العربية المشاركة، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المجتمع العربي حاضر، ولن يقبل أن تُتخذ القرارات التي تمسّ مصيره في غيابه.

وكلما ارتفعت نسبة المشاركة، ازدادت فرص أن يكون للصوت العربي أثر في الحسابات السياسية، وأن تتراجع مساحة التفرد التي يطمح إليها غلاة اليمين والمستوطنون. وقد لا تكون المقاعد وحدها معيار النجاح؛ فالمشاركة تحصّن المجتمع من العزوف واليأس، وتمنح الأجيال الشابة مثالًا على أن العمل السياسي يمكن أن يكون أداةً للدفاع عن الحقوق، إذا اقترن بالوعي والتنظيم والمساءلة.

ومن غزة، التي دفعت ولا تزال تدفع أثمانًا فادحة للحرب والعدوان، أتوجه إلى أهلنا في الداخل بنداء صادق: شاركوا، واحشدوا أصواتكم، واجعلوا من الاقتراع موقفًا وطنيًّا يحمي الوجود، ويواجه التهجير، ويضيّق الطريق على دعاة الحرب والضمّ. وأرجو من الشيخين رائد صلاح وكمال الخطيب أن يوجّها نداءً واضحًا إلى أبناء شعبنا للمشاركة، وأن ينظرا إلى هذه الخطوة بوصفها استجابة لضرورة وطنية تفرضها المرحلة، مع التمسك بالمواقف المبدئية والحقوق الثابتة.

لا نطلب منكم التخلي عن قناعاتكم، بل توظيف ما تملكون من تأثير لحماية الناس في الداخل، وإسناد أهلنا في غزة والضفة الغربية، ومنع اليمين المتطرف من الانفراد بمستقبلنا. فالانتخابات معركةٌ للحفاظ على الوجود وحماية شعبنا من التهجير القسري، وحين يكون الوجود مهددًا تصبح المشاركة الواعية جزءًا من الدفاع عنه، ويغدو الصوت الذي يدلي به المواطن مسؤوليةً تجاه شعبه وقضيته. والمؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ، يا أُولي الألباب.

* مفكر وسياسي وكاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *