الحياء السياسي في منظومة الحكم بالمغرب

يمكن تناول الحياء السياسي في منظومة الحكم بالمغرب باعتباره مدخلاً لتحليل أخلاقيات ممارسة السلطة، وحدود المسؤولية السياسية، وطبيعة العلاقة بين المسؤولين والمؤسسات والمجتمع. وهو مفهوم لا يقتصر على الحشمة في الخطاب أو تجنب المواقف المحرجة، بل يمتد إلى قدرة الفاعل السياسي على إدراك حدود سلطته، واستشعار واجب الاعتذار، والامتناع عن استغلال النفوذ، والتصرف بما يحفظ كرامة المؤسسات وثقة المواطنين.
وهكذا فإن الحياة السياسية المغربية أصبحت تعاني في السنوات الأخيرة من أزمة حياء سياسي تتمثل في وجود فجوة بين الأخلاقيات السياسية المعلنة والسلوك السياسي الفعلي . حيث تتكرر مظاهر مثل استمرار المسؤول في موقعه رغم ثبوت إخفاقات جسيمة دون تقديم تفسير مقنع، أو استعمال الخطاب الانتخابي لتقديم وعود لا تُربط بآليات واضحة للتنفيذ والتقييم، و غياب الاعتذار أو التصحيح حتى بعد ظهور أخطاء واضحة، و التعامل مع النقد باعتباره استهدافاً شخصياً بدلاً من اعتباره جزءاً من الرقابة الديمقراطية ، وتغليب الولاء الحزبي أو الشخصي على المصلحة العامة . لينضاف إليها مؤخرا واقعة بمجلس المستشارين في سياق مناقشة التصريح الحكومي لأول حكومة تتراسها امرأة في تاريخ المملكة إذ يمكن اعتبار حالة النائب محمود عرشان والعميد السابق في الأجهزة الامنية مدخلاً مناسباً لمناقشة الحياء السياسي وحدود التسامح مع الماضي السياسي في المغرب، وعلاقة الذاكرة السياسية بأخلاقيات الاستقبال الرسمي والخطاب العمومي. وتكمن أهمية هذه الحالة السياسية في أنها تطرح سؤالاً يتجاوز شخص محمود عرشان نفسه، حيث يطرح سؤال حارق بهل يكفي أن يحظى الفاعل السياسي باعتراف رسمي أو باستقبال من مسؤول حكومي حتى يُطوى الجدل حول ماضيه وممارساته؟ أم أن الحياة السياسية تقتضي نوعاً من التناسب بين الاعتراف الرمزي بالفاعلين وبين ما راكموه من مواقف وسلوكيات؟ فقد استقبل محمود عرشان في فاتح أكتوبر 2026 بمرافقة ابنه عبد الصمد عرشان ضمن مشاورات تشكيل الحكومة، بصفته مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، في لقاء أثار اعتراضات حقوقية بسبب ماضيه الأمني والاتهامات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص. وقد أعاد محمود عرشان هذه القضية إلى الواجهة بتصريحاته في مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر، عندما رفض الانتقادات الموجهة إليه ودعا إلى مناظرة تلفزيونية مع منتقديه. ولهذا فإن هذا الجدل لا يتعلق فقط باستقبال شخص بعينه، بل أيضاً بالرسالة الرمزية التي يمكن أن يلتقطها الضحايا وعائلاتهم والمجتمع من طريقة تعامل المؤسسات مع الشخصيات المرتبطة بذاكرة الانتهاكات. كما تكتسي عبارة «الطابور الخامس» أهمية خاصة؛ لأنها تنقل النقاش من مضمون الانتقادات إلى التشكيك في نوايا أصحابها، وتوحي بأنهم يعملون ضد المصلحة الوطنية. فمن حق محمود عرشان الدفاع عن نفسه ورفض الاتهامات التي يعتبرها غير صحيحة، وطلب عرض الوقائع والأدلة ومناقشتها علناً. غير أنه ليس من حق أي فاعل سياسي احتكار الوطنية أو افتراض أن منتقديه يعملون ضد البلاد لمجرد أنهم يثيرون ملفاً حقوقياً حساساً. إذ وفق ما نقلته التغطيات الصحفية عن مداخلته، ربط عرشان انتقادات ماضيه بمحاولات تلويث الذاكرة الوطنية، واستخدم تعبير «الطابور الخامس» في حديثه عن الجهات التي يعتبرها مشوشة. وهكذا فمن منظور الحياء السياسي، تكمن المفارقة في أن المسؤول الذي يطالب الآخرين باحترام مساره الوطني ينبغي أن يكون مستعداً، بالقدر نفسه، لاحترام حقهم في مساءلة ذلك المسار. فالدفاع عن السمعة الشخصية لا يقتضي تخوين المنتقدين، كما أن المطالبة بالحقيقة لا تبرر إدانة الشخص مسبقاً.من هنا ضرورة تقعيد مفهوم الحياء السياسي إلى جانب سلوكيات سياسية تتعلق بالنزاهة ، والثقة وغيرها من الاخلاق السياسية خاصة وأن الحياء هو قيمة مترسخة في حياة المغاربة كقيمة دينية وأخلاقية
أهمية الحياء في المنظومة القيمية للمجتمع المغربي،
يعتبر الحياء في المجتمع المغربي قيمة أخلاقية واجتماعية مترسخة تتصل بالاحترام والتواضع وصيانة الكرامة ومراعاة مشاعر الآخرين. غير أن أهميته لا تنحصر في علاقات الأفراد داخل الأسرة أو المجتمع، بل تمتد إلى الفضاء العام، وإلى كيفية ممارسة السلطة والتعامل مع الاختلاف والنقد. فالحياء في الثقافة المغربية ليس مجرد سلوك فردي، بل آلية اجتماعية لضبط العلاقات وحماية الاعتبار الشخصي والجماعي؛ غير أن هذه الوظيفة قد تتحول أحياناً إلى ضغط اجتماعي يمنع النقد أو يحول دون الاعتراف بالأخطاء. وقد تداخلت في تشكيل قيمة الحياء بالمغرب روافد متعددة، أبرزها المرجعية الإسلامية، والتقاليد الأسرية، والأعراف المحلية، وثقافة الجماعة والتضامن الاجتماعي. حيث يمكن تحديد أربعة روافد رئيسية:
– الرافد الديني: حيث يرتبط الحياء بالأدب والتواضع وضبط السلوك ومراعاة حقوق الآخرين.
– الرافد الأسري: من خلال التربية على احترام الوالدين والكبار، وتجنب الإساءة إلى أفراد الأسرة أو إحراجهم.
– الرافد الجماعي: حيث يكتسب الفرد مكانته من خلال سلوكه داخل الجماعة، ويصبح احترام الآخرين عاملاً في حفظ السمعة والاعتبار.
– الرافد الثقافي المحلي: إذ تتجلى قيمة الحياء في أشكال مختلفة بين البيئات الحضرية والقروية والمناطق الثقافية المغربية المتنوعة.
وقد أكدت عدة دراسات سوسيولوجية حول القيم المغربية على أهمية الروابط الأسرية والتضامن والتواضع والحياء وغيرها من القيم في بناء العلاقات الاجتماعية. حيث يندرج المثلان المغربيان الدارجان “إذا لم تستح فافعل ما شئت” و”ظاهر الحيا على وجه الطراح” ضمن المنظومة الثقافية والقيمية المغربية المرتبطة بالحياء، لكنهما يعبران عن دلالتين مختلفتين ومتكاملتين: الأول يجعل الحياء معياراً أخلاقياً يضبط السلوك، والثاني ينتقد الحياء الشكلي الذي لا يعكس بالضرورة حقيقة الشخص أو سلوكه.فالمثل المغربي “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت» فهو تعبير معروف في الثقافة الإسلامية، وهو وارد في حديث نبوي: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت».وتتجاوز دلالته مجرد الدعوة إلى الحشمة؛ إذ يمكن فهمه باعتباره تحذيراً من فقدان الرقابة الأخلاقية على الذات. فالإنسان الذي لا يستحضر حدود المقبول أخلاقياً قد يصبح مستعداً للقيام بأفعال لا يردعه عنها احترام الآخرين أو الخوف على كرامتهم. أما المثل المغربي “”ظاهر الحيا على وجه الطراح” فيُستعمل هذا التعبير الدارج، بحسب السياق المحلي الذي يرد فيه، في نقد التناقض بين المظهر والسلوك؛ أي حين يبدو الحياء على وجه الشخص أو في طريقة تقديمه لنفسه، بينما لا ينسجم سلوكه مع مقتضيات الحياء. و يكشف هذان المثلان من الناحية السوسيولوجية، عن قدرة الثقافة الشعبية المغربية على إنتاج أدوات نقدية داخلية. فالمجتمع لا يكتفي بتمجيد الحياء، بل ينتقد أيضاً فقدانه والتظاهر به. وبالتالي يمكن نقل الدلالتين إلى المجال السياسي، فالمثل الأول يمكن أن يُستحضر عندما يواصل مسؤول ممارسة سلوك مثير للاعتراض دون اعتذار أو مراجعة، وكأن الانتقاد العام لا يشكل أي رادع أخلاقي.أما المثل الثاني، فيمكن أن يُستعمل نقدياً عندما تتعارض صورة الوقار والالتزام التي يقدمها الفاعل السياسي مع ممارساته الفعلية.
مفهوم الحياء السياسي في منظومة الحكم بالمغرب
ينبغي التمييز منذ البداية بين الحياء بوصفه قيمة أخلاقية، والحياء السياسي بوصفه سلوكاً في تدبير الشأن العام، والمساءلة السياسية بوصفها آلية مؤسساتية. فقد يتحلى مسؤول بالحياء الشخصي دون أن يتحمل مسؤوليته السياسية، وقد يعتذر مسؤول علناً دون أن يترتب عن ذلك أي تغيير في سلوكه أو في موقعه. وهكذا يمكن تعريف الحياء السياسي بأنه استعداد المسؤول أو الحزب أو المؤسسة للاعتراف بحدود المشروعية الأخلاقية والسياسية لأفعاله، وتجنب السلوك الذي يتعارض مع المصلحة العامة، والاستجابة للنقد بما ينسجم مع مقتضيات المسؤولية والكرامة المؤسسية. ويتجلى هذا المفهوم في خمسة أبعاد أساسية:
– الحياء من السلطة: حيث لا تتحول المسؤولية إلى وسيلة للاستعلاء على المواطنين أو احتكار القرار.
– الحياء من المال العام: من خلال تجنب تضارب المصالح والامتيازات غير المستحقة واستغلال الموقع العمومي.
– الحياء من الناخبين: من خلال استشعار أن التفويض الانتخابي أمانة مؤقتة، وليس شيكاً على بياض.
– الحياء من المؤسسات: من خلال احترام الاختصاصات والقواعد الدستورية وعدم توظيف المؤسسات في تصفية الحسابات الحزبية.
– الحياء من الخطأ: بامتلاك الشجاعة للاعتراف بالتقصير والاعتذار، والاستعداد لتحمل العواقب السياسية.
وبالتالي ، فالحياء السياسي ليس ضعفاً في الشخصية السياسية، ولا تراجعاً عن ممارسة السلطة، بل يمكن اعتباره شكلاً من أشكال ضبط الذات السياسية قبل تدخل الرقابة القانونية أو المؤسسية.
الحياء السياسي كمكون من مكونات منظومة الحكم بالمغرب
لا ينص الدستور لفاتح يوليوز 2011 ، وعلى غرار الدساتير السابقة ، على الحياء السياسي باعتباره مبدأ مستقلاً، لكنه يؤسس لمجموعة من المبادئ التي يمكن اعتبارها ترجمة مؤسساتية لبعض مضامينه، وفي مقدمتها ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، والشفافية، والنزاهة، وخدمة المصلحة العامة. ومن هذه الزاوية، يمكن دراسة الحياء السياسي في المغرب عبر ثلاثة مستويات:
1. المستوى الملكي والمؤسساتي حيث يتعلق باحترام قواعد اشتغال المؤسسات، وتحديد المسؤوليات والاختصاصات، وتكريس استمرارية الدولة مع الحفاظ على مشروعية المؤسسات. ويُطرح هنا سؤال مدى اقتران السلطة بالمسؤولية، وكيفية ترجمة التوجيهات المتعلقة بالحكامة الجيدة إلى ممارسات قابلة للتقييم.
2. المستوى الحكومي والحزبي حيث يتجلى في سلوك الوزراء ورؤساء الحكومات والمنتخبين وقيادات الأحزاب، خصوصاً عند وقوع الأخطاء، أو ظهور تضارب المصالح، أو إخفاق البرامج والوعود الانتخابية. ويختبر الحياء السياسي هنا بمدى استعداد المسؤول للاعتراف بالتقصير وتحمل نتائجه.
3. المستوى المجتمعي والتواصلي حيث يتعلق بعلاقة النخب السياسية بالمواطنين، واحترام ذكائهم وانتظاراتهم، وتجنب الخطاب الذي يستخف بمعاناتهم أو يبرر الإخفاقات باستمرار. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والتجربة اليومية للمواطن، تراجعت قدرة الخطاب على إنتاج الثقة السياسية.
وبالتالي ، تظهر أهمية هذا المفهوم عندما ننتقل من المبادئ العامة إلى الوقائع السياسية. ويمكن تحديد حالات أساسية لاختباره: فبعد الإخفاق في تنفيذ الوعود الانتخابية ينبغي على الفاعل السياسي تقديم تفسير واضح، والإقرار بالمسؤولية عن القرارات المتخذة ، وفي حالة وقوع خطأ من وزير أو مسؤول منتخب ينبغي الاعتذار عند الاقتضاء، مع ترتيب المسؤولية المناسبة. كما أنه في حالة وجود شبهة تضارب مصالح فينبغي الكشف عن المصالح المعنية، والامتناع عن استغلال المنصب، والخضوع للتحقيق….لكن لا يعني ذلك أن كل إخفاق يستوجب الاستقالة، أو أن كل خطأ يستدعي اعتذاراً علنياً. بل ينبغي التمييز بين الخطأ التقديري، والتقصير الإداري، والإخلال الأخلاقي، والمخالفة القانونية؛ إذ تختلف المسؤولية المناسبة باختلاف طبيعة الواقعة وخطورتها. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء ملاحظات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن المغرب في تقريرها لعام 2026، الذي يميز بين وجود قواعد قانونية للنزاهة وتضارب المصالح وبين مستوى تطبيقها عملياً، ويشير إلى استمرار تحديات تتعلق بوضوح بعض القواعد وبنشر المعلومات حول المتابعة والجزاءات. فوجود قواعد للمحاسبة لا يضمن وحده نشوء ثقافة سياسية للمحاسبة، كما أن الاعتذار لا يعوض المساءلة المؤسسية.
نحو مفهوم مغربي للحياء السياسي
يمكن تطوير هذا المفهوم في إطار دراسة علمية للحياة السياسية المغربية من خلال ربطه بأربعة مفاهيم متكاملة:
– الأخلاق السياسية: عبر الضمير المهني وحدود السلوك المقبول.
– المسؤولية السياسية: عبر استعداد المسؤول لتحمل نتائج قراراته.
– المساءلة الديمقراطية: عبر خضوع المسؤول للتقييم والرقابة والعواقب المؤسسية.
– الثقة السياسية: عبر اقتناع المواطن بأن السلطة تُمارَس لخدمة المصلحة العامة.
وهكذا يصبح الحياء السياسي، وفق هذا التصور، حلقة وصل بين أخلاق الفرد وأخلاق المؤسسة. فهو يبدأ من الضمير الشخصي، لكنه لا يكتمل إلا حين يتحول إلى قواعد وممارسات تجعل الاعتراف بالخطأ والتصحيح والمحاسبة أموراً عادية في الحياة السياسية. وهكذا ، فإن أزمة الحياء السياسي، متى ثبتت مظاهرها في الممارسة السياسية بالمغرب ، لا تتمثل فقط في غياب الشعور الأخلاقي لدى بعض المسؤولين، بل في احتمال وجود اختلال في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الخطاب والممارسة، وبين الاعتذار والمحاسبة. لذلك لا يكفي تخليق الحياة السياسية عبر الدعوة إلى النزاهة أو التواضع؛ بل يتطلب الأمر بناء ثقافة سياسية تجعل المسؤولية تكليفاً لا امتيازاً، والاعتذار سلوكاً مشروعاً لا علامة ضعف، والمحاسبة قاعدة مؤسساتية لا استثناءً ظرفياً. وبالتالي يمكن أن يصبح الاعتذار السياسي أداة لتجديد الثقة السياسية بشرط ألا يتحول إلى إجراء تواصلي هدفه احتواء الجدل فقط. فالاعتذار السياسي الفعّال يتضمن أربعة عناصر: الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، وتوضيح التدابير التصحيحية، وقبول التقييم اللاحق. كما أن الحياء السياسي لا يتعارض مع الحفاظ على هيبة الدولة. بل إن الاعتراف بالخطأ في إطار مؤسساتي منظم قد يعزز الهيبة، لأنه يُظهر أن المؤسسات قادرة على تصحيح مسارها دون أن تتوقف على أشخاص بعينهم. أما تحويل الاعتراف بالتقصير إلى علامة ضعف، فقد يدفع المسؤولين إلى الإنكار والتبرير بدل التصحيح. كذلك، لا ينبغي الخلط بين الحياء السياسي والخضوع للضغط الشعبي؛ فقد يكون القرار السياسي غير شعبي لكنه مبرر بالمصلحة العامة، كما قد يكون الاعتذار شعبوياً ولا يعكس أي تحمل حقيقي للمسؤولية. ومن هنا يمكن طرح سؤال أكثر عمقاً: حول هل تتجسد إشكالية الحياة السياسية بالمغرب في ضعف أخلاقيات بعض الفاعلين السياسيين، أم في محدودية تحول هذه الأخلاقيات إلى قواعد ملزمة وثقافة مؤسساتية؟
اترك تعليقاً