منتدى العمق

الجلوس في المقاهي بالمغرب بين الضوابط الأخلاقية وتجليات روح المواطنة

الجلوس في المقاهي بالمغرب بين الضوابط الأخلاقية وتجليات روح المواطنة

أصبحت المقاهي في المدن وحتى في القرى المغربية جزءاً بارزاً من المشهد الاجتماعي اليومي؛ فهي ليست مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو الشاي، بل فضاءات يلتقي فيها الأصدقاء، ويتبادل فيها الناس الأخبار، وتُناقش فيها شؤون الأسرة والعمل والسياسة والرياضة، كما يقصدها بعض الأشخاص لتمضية ساعات طويلة من اليوم. ولعل هذا ما حولها إلى مؤسسة اجتماعية غير رسمية تنظم جزءاً من الحياة اليومية للأفراد وفضاءا يوميا مشتركا . غير أن ارتياد هذه الفضاءات بدأ يعرف غيابا في قواعد الجلوس ، باعتبارها مؤشرات على أزمة في آداب المجال المشترك، وتراجع الإحساس بالآخر، وتحول بعض المقاهي إلى فضاءات تتراجع فيها قواعد الاحترام المتبادل والعيش المشترك. حيث أصبحت هذه الظاهرة لا ترتبط بالضرورة بسلوك زبون واحد أو عدة زبائن ، بل تتجلى في مجموعة من الممارسات اليومية التي قد تبدو بسيطة أو عابرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى مصدر إزعاج للزبائن، وتكشف عن إشكالات أعمق في الثقافة الاجتماعية.

أولاً: تجليات السلوك المزعج داخل المقاهي

تتجلى مظاهر هذا السلوك في احتلال الحيز المشترك داخل المقهى كمدّ الرجلين فوق الكراسي المخصصة للزبائن، أو اتخاذ وضعيات جسدية غير ملائمة، مما يعكس التعامل مع فضاء عمومي كما لو كان ملكية شخصية. والمشكلة ليست في الراحة الجسدية ذاتها، بل في تجاهل حق الآخرين في استعمال المكان. كما يتجلى هذا السلوك الذي أصبح معتادا في المبالغة في إظهار الاسترخاء دون مراعاة المحيط كالتمطيط المتكرر، والتثاؤب بصوت مرتفع، والحركات الجسدية المبالغ فيها التي تعكس ضعف الانتباه إلى طبيعة الفضاء المشترك. فالسلوك الذي يكون مقبولاً في المنزل قد يصبح مزعجاً حين يمارس أمام غرباء. بالإضافة إلى تحويل بعض الزبائن هواتفهم إلى إلى مصدر للضجيج العام من خلال التحدث بصوت مرتفع ولمدة طويلة، أو تشغيل المحتويات الصوتية دون سماعات، مما يحول المحادثة الشخصية إلى نشاط مفروض على الآخرين. وهنا يظهر التناقض بين حرية الفرد في التواصل وحق بقية الزبائن في الهدوء. كما يتمظهر هذا السلوك في إهمال قواعد المجاملة والاعتبار الاجتماعي من خلال الجلوس بطريقة تعطي الظهر للزبون المجاور، عندما يكون ترتيب الجلسة يسمح بمراعاة الآخرين، مما قد يعكس غياب الانتباه إلى أبسط قواعد المجاملة. غير أن هذه الحركة لا ينبغي اعتبارها إساءة في كل الحالات؛ فقد تفرضها ضيق المساحة أو طبيعة ترتيب الطاولات.

ثانياً: أسباب السلوك المزعج داخل المقاهي

يمكن تحليل هذه السلوكيات من خلال خمسة مداخل مترابطة:

1. تراجع ثقافة المجال المشترك حيث يبدو أن بعض الزبائن أو الزبونات يتعاملون مع المقهى باعتباره امتداداً لفضائهم الخاص، متناسين أن وجودهم فيه مشروط باحترام حقوق الآخرين. والمجال المشترك لا تنظمه القوانين وحدها، بل تنظمه أيضاً قواعد غير مكتوبة، مثل خفض الصوت، واحترام المقاعد، وعدم فرض الحضور الشخصي على الآخرين.

2. تضخم النزعة الفردانية دون اقترانها بالمسؤولية، فبعض زبائن المقهى يتصرفون وفق منطق: «ما دمت لا أضر نفسي، فلا مشكلة في سلوكي»، دون إدراك أن الإزعاج النفسي والسمعي والمكاني قد يكون ضرراً حقيقياً للآخرين.

3. ضعف التربية على الذوق العام حيث قد تكون هذه المظاهر مرتبطة بضعف اكتساب قواعد الإتيكيت اليومي والتنشئة على احترام الفضاءات المشتركة. فالمدرسة والأسرة والمحيط الاجتماعي لا تقتصر وظائفها على نقل المعارف والقيم الكبرى، وإنما تشمل أيضاً تعليم الفرد كيف يتصرف في الأماكن التي يتقاسمها مع أشخاص لا يعرفهم.

4. الخلط بين الألفة وغياب التحفظ حيث قد يتصرف بعض رواد المقاهي بعفوية مفرطة، وكأنهم في مجالس خاصة مع أصدقائهم أو داخل بيوتهم. لكن التعايش الاجتماعي يقتضي إدراك أن السلوك المقبول في دائرة الأصدقاء لا يكون بالضرورة مقبولاً وسط الغرباء.

5. ضعف الضبط الاجتماعي اليومي ، فحين يصبح السلوك المزعج متكرراً دون تنبيه أو اعتراض، قد يتولد لدى صاحبه انطباع بأنه سلوك عادي. وقد يسهم تساهل بعض المقاهي مع الضجيج واحتلال المقاعد في تكريس هذه الممارسات، وإن كان إثبات ذلك يتطلب ملاحظة ميدانية لا مجرد الانطباع الشخصي.

ثالثا : مسؤولية أصحاب المقاهي في تنظيم الجلوس

إن عدم حرص بعض أصحاب المقاهي على وضع ضوابط واضحة للجلوس يمثل جانباً مهماً من الظاهرة التي نتناولها. فالسلوكيات المزعجة لا ترتبط بالزبائن وحدهم، بل يمكن أن تتصل أيضاً بطريقة تدبير المقهى، ومدى اهتمام صاحبه بجودة الفضاء الذي يوفره، وبقدرته على التوفيق بين حرية الزبائن وحقهم المشترك في الراحة.فالمقهى ليس مجرد محل تجاري يقدم القهوة والشاي، بل هو فضاء يستقبل أشخاصاً يتقاسمون المكان نفسه، وهو ما يقتضي إدارة تراعي آداب الاستعمال المشترك.

أولاً: مظاهر غياب التنظيم داخل المقاهي

إذ لا يضع بعض أصحاب المقاهي، أو لا يطبقون، قواعد بشأن احتلال المقاعد، ومد الأرجل فوق الكراسي، وإعاقة الممرات، وطريقة الجلوس التي تزعج الزبائن المجاورين. كما يتساهلون مع الزبناء

المتسببين أو المثيرين مع الضجيج. فقد يتكرر التحدث بصوت مرتفع عبر الهاتف أو تشغيل المقاطع الصوتية دون تدخل من العاملين، رغم أن ذلك يؤثر في راحة الزبائن الذين يقصدون المقهى للهدوء أو الحديث أو القراءة. كما أنه عادة ما قد يتجنب المسؤول عن المقهى أو النادل تنبيه الزبون المزعج خشية خسارة زبون أو الدخول في خلاف معه، فيتحمل بقية الرواد نتائج هذا التساهل.

ولعل تردد بعض أصحاب المقاهي في فرض هذه الضوابط ، يمكن تفسيره بمجموعة من العوامل والتي من أبرزها:

– تغليب الاعتبارات التجارية: فاعتبار أن بقاء الزبون وإنفاقه أهم من سلوكياته، ما دام لا يخالف القواعد القانونية بوضوح.

– الخوف من فقدان الزبائن: خصوصاً في المقاهي التي تعتمد على زبائن دائمين تربطهم بصاحب المقهى علاقات شخصية.

– ضعف ثقافة تدبير الفضاء المشترك: حيث يتم التعامل مع المقهى باعتباره مكاناً للبيع والشراء فقط، وليس فضاءً يحتاج إلى قواعد تنظم استعماله.

– غياب سياسة داخلية معلنة: من خلال عدم تحديد ما هو مقبول وما هو مزعج، وعدم تدريب العاملين على معالجة الشكاوى بهدوء وعدل.

– صعوبة التمييز بين السلوك العادي والإزعاج: فما يعتبره شخص حديثاً عادياً قد يراه آخر ضجيجاً، الأمر الذي يجعل وجود قواعد متوازنة أكثر أهمية.

لكن لا ينبغي مع ذلك افتراض أن كل صاحب مقهى يتعمد تجاهل الإزعاج؛ فقد تكون بعض الحالات مرتبطة بضيق المكان، أو كثرة الزبائن، أو نقص العاملين، أو صعوبة التدخل دون تصعيد الخلاف.

ثالثا :من الجلوس بالمقهى إلى سؤال بناء المواطنة في المغرب

إن المسألة لا تتعلق بآداب الجلوس وحدها، بل بسؤال أوسع: هل يستحضر الفرد، في حياته اليومية، أنه مواطن له حقوق، لكنه يعيش أيضاً مع مواطنين آخرين لهم الحقوق نفسها؟

وهكذا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.

1. مستوى الفرد: من خلال تضخم الحقوق الشخصية وتراجع الواجبات تجاه الآخرين ، حيث قد يتعامل بعض الأشخاص مع المقهى باعتباره فضاء يحق لهم التصرف فيه بحرية مطلقة، دون الانتباه إلى أن هذه الحرية تتوقف عند إزعاج الآخرين أو المساس بحقهم في الراحة. هنا تظهر فجوة بين معرفة الفرد بحقوقه واستيعابه للمسؤوليات التي ترافق ممارستها.

2. مستوى العلاقات الاجتماعية: من خلال ضعف الاعتراف بالآخر ، حيث تتجلى المواطنة في الاعتراف بأن الغريب، الذي لا تربطنا به قرابة أو صداقة، يستحق الاحترام نفسه الذي نمنحه للأشخاص المقربين منا. فخفض الصوت واحترام المقعد المجاور وعدم فرض المحادثات الهاتفية على الآخرين ليست مجرد قواعد للإتيكيت؛ إنها ممارسات يومية للاعتراف المتبادل.

3. مستوى المؤسسات: من خلال ضعف تنظيم المجال المشترك، فحين لا يتدخل صاحب المقهى لمعالجة الإزعاج، أو لا توجد قواعد واضحة تنظم استعمال المكان، فقد يشعر الزبون المزعج بأن سلوكه مقبول. وهذا يبين أن احترام المواطنة لا يعتمد على وعي الفرد وحده، بل يتأثر أيضاً بكيفية إدارة الفضاءات المشتركة وتطبيق قواعدها

وبالتالي ، تكتسب هذه الظاهرة أهمية أكبر حين نضعها ضمن سؤال بناء المواطنة في المجتمع المغربي. فالمواطنة لا تتشكل فقط من خلال الدستور والانتخابات والأحزاب والمؤسسات، بل تتجسد أيضاً في التفاصيل اليومية التي تحدد كيفية تعايش الناس مع بعضهم.فاحترام الدور في الطابور أو الصف ، وعدم رمي النفايات في الشارع، وخفض الصوت في الأماكن المشتركة، واحترام المقاعد في المقاهي ووسائل النقل، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها، لكنها تعبر عن استعداد الفرد للاعتراف بوجود الآخرين وحقوقهم.فثقافة المواطنة لا تُختبر فقط عندما يطالب الفرد بحقوقه أمام الدولة، بل تُختبر أيضاً عندما يتقاسم فضاءً مع مواطنين آخرين، فيحترم حقوقهم دون انتظار تدخل السلطة. وإن كان هذا لا يعني أن السلوك داخل المقهى مقياس كافٍ للمواطنة، لكن يعتبر كأحد المجالات التي يمكن من خلالها ملاحظة تجلياتها اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *