منتدى العمق

لغة متعثرة.. وتعاقد حكومي بلا روح!

لغة متعثرة.. وتعاقد حكومي بلا روح!

لم تكن الجلسة العمومية المشتركة التي عقدها البرلمان المغربي بمجلسيه يوم الإثنين 19 أكتوبر 2026، عملا بمقتضيات الفصل 88 من دستور المملكة قصد عرض البرنامج الحكومي للفترة الانتدابية 2026–2031، مجرد محطة مسطرية عابرة لاستكمال شكليات التنصيب البرلماني للحكومة وإرساء العلاقة التعاقدية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ بقدر ما غدت، في تقدير فقهاء القانون الدستوري المغربي والباحثين في العلوم السياسية واللسانيات، نازلة دستورية ومؤسساتية كاشفة عن منتهى مسار مديد من تآكل «الرصيد المعجمي والمفاهيمي الرسمي» للدولة المغربية.

ذلك أن الوثيقة الدستورية لسنة 2011، حينما نصت في فصلها الخامس على أن اللغة العربية تظل اللغة الرسمية للدولة وألزمت السلطات العمومية بحمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها في سائر المرافق والمؤسسات الدستورية، لم تكن تقرر حكما إنشائيا معزولا، بل أرست قاعدة آمرة من قواعد النظام العام الدستوري. ففي ميزان الفقه الدستوري المغربي المقارن، يغدو الخطاب البرلماني لرئيس الحكومة تجسيدا للسيادة اللغوية للدولة، ووعاء قانونيا وتداوليا لا غنى عنه لتفعيل مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها في الفصل الأول والباب الثاني عشر من الدستور.

بيد أنه حين اعتلت رئيسة الحكومة المعينة، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منصة المؤسسة التشريعية لتتلو مضامين البرنامج الحكومي أمام ممثلي الأمة في الجلسة العمومية المشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، استبدت التعثرات القرائية والتصحيفات الدلالية الماسة بالأمن القانوني والمفاهيمي للوثيقة التعاقدية («صيانة الهاوية» عوض «صيانة الهوية»، و«الإطراء غير المشروع» عوض «الإثراء غير المشروع»، و«الوعا الضريبي» عوض «الوعاء الضريبي»، و«مقالاوات» عوض «المقاولات») بجوهر الالتزامات الحكومية ذاتها.

الأدهى من ذلك أن المتحدثة سرعان ما انصرفت عن اللسان العربي الفصيح شبه كليا إبان جلستي المناقشة والتعقيب الدستوريتين بمجلس المستشارين (بث مجلس المستشارين) ومجلس النواب (بث مجلس النواب) يومي 21 و22 أكتوبر 2026، مرتكنة إلى دارجة هجينة مثقلة بدخيل فرنسي غير معرب يتنافى صراحة مع الضوابط المسطرية المنصوص عليها في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، ومع اجتهادات القضاء الدستوري المغربي التي ما فتئت تؤكد سمو القواعد المؤطرة للعمل البرلماني وضمانات وضوح الالتزامات التشريعية والتنفيذية.

وعليه، فإن مساءلة هذه النازلة على هدي مقاربة علمية تزاوج بين الفقه الدستوري المغربي وسوسيولوجيا العمل البرلماني من جهة، والاستقصاء الصحفي الرصين ومناهج اللسانيات الاجتماعية والتحليل النقدي للخطاب من جهة ثانية، تجلّي بما لا يدع مجالا للريب أن ما عاينته ردهات البرلمان في أكتوبر 2026 ليس عارضا تقنيا معزولا.

بل إن الأمر، في جوهره الدستوري، يمثل الحلقة الأدنى في منحنى انحداري متدرج، انزلق عبره الخطاب الحكومي والبرلماني بالمغرب على امتداد ربع قرن من «الفصحى الدستورية العالمة» إلى «الشعبوية الخطابية»، ومنها إلى «الركاكة التكنوقراطية المفرنسة»، ليستقر أخيرا عند «القصور القرائي والتناوب اللغوي الهجين» الذي يفرغ مسطرة التنصيب البرلماني ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية من مضمونها الدستوري والديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *