افتتاح “سجلماسة” واسترجاع 100 ألف وثيقة.. “مالية 2027” يعد بإقلاع ثقافي لصيانة الذاكرة الوطنية

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 حماية التراث الوطني وتوسيع البنيات الثقافية ضمن أولويات القطاع، من خلال برمجة افتتاح الموقع الأثري لسجلماسة أمام العموم، ومواصلة إنجاز المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط، إلى جانب استكمال الإطار التنظيمي لقانون التراث.
وفي موازاة هذه الأوراش، تعتزم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير استرجاع 100 ألف وثيقة تاريخية إضافية من الخارج وإحداث سبعة فضاءات جديدة للذاكرة التاريخية.
ويكشف البرنامج الوارد في المشروع عن توجه يجمع بين صيانة الموروث التاريخي وتوسيع الاستفادة من المؤسسات الثقافية، مع السعي إلى تطوير الصناعات الإبداعية وربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والسياحية. كما تمتد الأولويات إلى رقمنة الأرشيف التاريخي وتعزيز التغطية الاجتماعية لأسرة المقاومة والتحرير.
افتتاح سجلماسة ومواصلة إنجاز المتحف الوطني
يمثل فتح الموقع الأثري لسجلماسة أمام العموم أبرز المواعيد المعلنة في برنامج قطاع الثقافة لسنة 2027، إذ يرتقب أن يتيح المشروع، إلى جانب مركز التعريف بالتراث وتثمينه، تقديم هذا الموقع التاريخي للزوار في إطار يجمع بين الحماية العلمية والتثمين السياحي ودعم التنمية المحلية بمنطقة الواحات.
ويأتي هذا الموعد بعد إطلاق مشروع مركز حماية وتثمين الموقع الأثري لسجلماسة سنة 2025، بكلفة إجمالية تبلغ 349 مليون درهم. وفي الرباط، تتواصل أشغال إنجاز المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض، الذي تبلغ مساهمة قطاع الثقافة في تمويله 300 مليون درهم، على أن يشكل فضاء لعرض تاريخ المغرب وحضاراته ودراستها.
ولا تنحصر تدخلات السنة المقبلة في هذين المشروعين، إذ تشمل مواصلة تنفيذ اتفاقيات ترميم وتثمين عدد من المعالم التاريخية، من بينها قصبة شفشاون وقصبة الأوداية والسور التاريخي والمدينة العتيقة لتازة، فضلا عن مشاريع تطوير السياحة وتثمين التراث الثقافي والتاريخي بالرباط.
ويرتبط استكمال هذه الأوراش بتفعيل الإطار القانوني لحماية التراث، من خلال نشر النصوص التنظيمية المتعلقة بالقانون رقم 33.22، بما يسمح بتنزيل مقتضياته الخاصة بالتراث المادي وغير المادي.
كما يتضمن البرنامج مواصلة عمليات الترميم والرقمنة والتسجيل على المستويين الوطني والدولي، وإعداد خريطة وطنية للمخاطر الطبيعية التي تهدد المواقع والمعالم التاريخية، في سياق الاستعداد لتأثيرات التغيرات المناخية.
توسيع العرض الثقافي خارج الحواضر الكبرى
إلى جانب تثمين المواقع التاريخية، يضع مشروع مالية 2027 تقليص التفاوتات المجالية في الولوج إلى الثقافة ضمن توجهاته، عبر مواصلة تطوير شبكة المراكز الثقافية والمسارح ودور الثقافة والمكتبات والمعاهد الموسيقية ومراكز التعريف بالتراث. ولا يتعلق الأمر بإحداث مؤسسات جديدة فحسب، بل أيضا بتأهيل التجهيزات القائمة وضمان استدامة تشغيلها وتنشيطها، حتى تتحول إلى فضاءات منتظمة للممارسة الثقافية.
وفي هذا الإطار، تشمل المشاريع المبرمجة مواصلة تأهيل المجال الترابي لجهة بني ملال-خنيفرة، ومواكبة التنمية الحضرية لمدينة تارودانت، وإحداث مركز ثقافي بأسا، وبناء وتدبير مركب ثقافي بإداوكنظيف، إلى جانب بناء وتجهيز المركز الثقافي بإقليم فحص أنجرة.
وتستند هذه الأولويات إلى مشاريع أنجزت أو يجري تطويرها خلال سنة 2026، من بينها المركز الثقافي بسيدي بنور بكلفة 26.8 مليون درهم، وقاعة المسرح بتنجداد بكلفة 22.3 مليون درهم، والمركز الثقافي بتيداس بمبلغ 12 مليون درهم، والمركز الثقافي بأيت أوريبل بكلفة 11 مليون درهم. وتعكس هذه المشاريع توجها نحو توسيع البنيات الثقافية خارج المدن الكبرى، خصوصا في المجالات التي لا يزال العرض الثقافي فيها محدودا.
دعم الصناعات الإبداعية وتحسين ظروف اشتغال الفنانين
وفي موازاة الاستثمار في البنيات والتجهيزات، يستهدف البرنامج الحكومي للفترة 2027-2031 تعزيز الدور الاقتصادي للثقافة، من خلال تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية الوطنية وهيكلة سلاسل إنتاجها في مجالات الكتاب والنشر والفنون والموسيقى والإنتاج الرقمي.
وتشمل التدابير المرتقبة دعم الفنانين والمبدعين والمقاولات والجمعيات والفاعلين الثقافيين، وتطوير التكوين والكفاءات المرتبطة بالمهن الثقافية الجديدة، فضلا عن تحسين الظروف الاقتصادية والمهنية للعاملين في هذا المجال. كما يولي البرنامج اهتماما بمواكبة الشباب ودعم إنتاج المحتوى الثقافي والرقمي المغربي وترويجه.
وتندرج هذه التوجهات ضمن استراتيجية ترمي أيضا إلى تنشيط الحياة الثقافية وتوسيع المشاركة فيها، خصوصا لدى الأطفال والشباب، وتحديث حكامة القطاع وتسريع رقمنته. كما تسعى إلى تعزيز مساهمة الثقافة والتراث في التنمية الترابية والجاذبية السياحية، وتوظيفهما في دعم إشعاع المغرب على الصعيد الدولي.
وتستند الاستراتيجية -بحسب مشروع قانون المالية- إلى اعتبار الثقافة رافعة للتماسك الاجتماعي وترسيخ الهوية الوطنية، وإلى الرهان على الصناعات الثقافية والإبداعية والنشر والفنون والموسيقى باعتبارها مجالات قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
وعلى مستوى حصيلة سنة 2026، استفادت 240 جمعية وهيئة ثقافية وفنية من الدعم الممنوح في إطار طلبات المشاريع، فيما خُصص مبلغ 8.63 مليون درهم لدعم الإبداع والصناعات الثقافية. كما استقطب المعرض الدولي للنشر والكتاب 891 ناشرا من 61 دولة، في دورة عززت حضوره ضمن التظاهرات الكبرى للكتاب بإفريقيا والعالم العربي.
وبلغت الميزانية التي خصصها قانون المالية لسنة 2026 لقطاع الثقافة 1.4 مليار درهم. أما خلال السنة المقبلة، فيرتقب تنظيم الدورة الثانية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، إلى جانب مواصلة المشاريع الرامية إلى توسيع العرض الثقافي وتثمين التراث الوطني.
المندوبية تراهن على استرجاع الأرشيف وبلوغ 125 فضاء للذاكرة في 2030
وفي شق مواز، يحدد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهدافا جديدة لصيانة الذاكرة التاريخية الوطنية، من خلال توسيع شبكة فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، واسترجاع الأرشيف الموجود في الخارج ورقمنته، ومواصلة توثيق تاريخ الحركة الوطنية والمقاومة والتحرير.
وتعتزم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إحداث سبعة فضاءات جديدة خلال السنة المقبلة، مع استكمال بناء وتجهيز وتوسعة المؤسسات الجاري إنجازها، في أفق رفع عدد هذه الفضاءات إلى 125 بحلول سنة 2030، مقابل 108 فضاءات محدثة حاليا بمختلف جهات المملكة.
وتؤدي هذه المؤسسات وظيفة في التعريف بتاريخ المقاومة والتحرير، من خلال استقبال الزوار وتنظيم الندوات العلمية والأيام الدراسية والعروض التربوية. كما تعتزم المندوبية توظيف التقنيات الرقمية لتجديد طرق تقديم الذاكرة التاريخية وتقريبها من الأجيال الشابة.
أما في مجال الأرشيف، فيتضمن البرنامج استرجاع 100 ألف وثيقة تاريخية إضافية من مراكز الأرشيف الأجنبية، ضمن هدف يرمي إلى بلوغ ستة ملايين وثيقة في أفق سنة 2030. ويواكب هذا التوجه العمل على رقمنة الوثائق المسترجعة وإرساء نظام معلوماتي مندمج لتدبيرها، يكون مترابطا مع قواعد البيانات الموحدة ومتاحا للباحثين والمستعملين.
وتظهر حصيلة المندوبية إلى غاية متم شتنبر 2026 استرجاع 4 ملايين و209 آلاف و169 وثيقة تاريخية من الخارج وإتاحتها للباحثين. كما بلغ رصيد المنشورات الصادرة منذ سنة 2001 ما مجموعه 914 عنوانا، تشمل كتبا وموسوعات وأطروحات جامعية وشهادات عن المقاومة.
وتستهدف المندوبية رفع هذا الرصيد إلى 1160 عنوانا في أفق سنة 2030، من خلال مواصلة توثيق تاريخ الحركة الوطنية والمقاومة والتحرير، وتنظيم ندوات علمية ونشر موسوعات متخصصة. وتندرج هذه العمليات ضمن استراتيجية إحداث وتطوير فضاءات الذاكرة التاريخية التي انطلقت سنة 2007، إلى جانب برنامج توثيق تاريخ المقاومة والتحرير.
التغطية الصحية والإدماج الاقتصادي لأسرة المقاومة
ولا يقتصر برنامج المندوبية على صيانة الذاكرة والأرشيف، بل يشمل أيضا تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وذوي حقوقهم. وفي هذا الإطار، يستفيد أكثر من 50 ألف شخص، بمن فيهم الزوجات والأرامل والأبناء، من نظام التأمين عن المرض الخاص بهذه الفئة، المنفذ في إطار اتفاقية مع شركة تأمين تفويضية.
وتنص أولويات سنة 2027 على مواصلة العمل لضمان استدامة التغطية الصحية وتحسين الظروف المعيشية لأسرة المقاومة، إلى جانب مواكبة حاملي المشاريع في مجالات التشغيل الذاتي والمقاولة والعمل التعاوني.
وتشير الحصيلة الواردة في المشروع إلى أن الدعم الموجه إلى هذه المجالات ساهم في إحداث 3530 مقاولة صغيرة ومتوسطة، وفرت 9657 منصب شغل، فضلا عن إحداث 379 تعاونية و131 جمعية من طرف أفراد أسرة المقاومة.
وتندرج هذه التدابير ضمن مهام المندوبية المرتبطة بصيانة الذاكرة التاريخية ونقل قيم المقاومة والتحرير إلى الأجيال المقبلة، بالتوازي مع العناية الاجتماعية بأفراد هذه الأسرة وتعزيز إدماجهم الاقتصادي.
اترك تعليقاً