وجهة نظر

حينما تصبح غزة ضحية المنابر

يحيى التوزاني

ما أقسى أن ترى المنابر التي طالما صدحت بالمواعظ، وارتفعت منها أصوات الترهيب من المعاصي، تتحول إلى مساحات للصمت المريب كلما تعلق الأمر بغزة! وما أشد مرارة أن ترى بعض الخطباء الذين لا تتعب ألسنتهم في الحديث عن جزئيات الحياة، وكأن العنكبوت قد ضربت على أفواههم، وعقد الصمت ألسنتهم، حين يتعلق الأمر بأمة تُذبح، وأطفال يُجوَّعون، ونساء يُرَمَّلن، وبيوت تُسوَّى بالأرض!

أيُّ خطبة تلك التي لا تسمع فيها أنين المظلومين؟ وأيُّ منبر هذا الذي يتسع للحديث عن كل شيء، ويضيق بالدعاء لغزة واستنصار أهلها والتضرع إلى الله أن يفك حصارهم، ويرفع عنهم البلاء؟

لسنا نطالب الخطباء بأن يحوّلوا المساجد إلى منابر للصراخ، ولا أن يتجاوزوا الحكمة والموعظة الحسنة، وإنما نطالبهم بأن يظلوا أوفياء لرسالة المنبر، وأن يتذكروا أن الدين ليس طقوسًا تُؤدَّى بمعزل عن آلام الناس، وأن الدعاء للمظلومين ليس خروجًا عن وظيفة المسجد، وأن نصرة المكلومين ليست ترفًا خطابيًّا يمكن الاستغناء عنه متى تعارض مع حسابات أصحاب القرار.

إن غزة ليست قضية عابرة، ولا خبرًا يُتلى ثم يُطوى، ولا مشهدًا من مشاهد الحروب التي اعتادتها نشرات الأخبار. إنها امتحان للضمائر، ومرآة تكشف حقيقة المواقف، وميزان يُفرّق بين من يحمل رسالة، ومن يرتدي عباءتها لتحقيق مآرب أخرى.

والمؤلم حقًّا أن بعض الخطباء، ممن يُفترض فيهم أن يكونوا صوت المستضعفين، اختاروا الحياد البارد، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الدم الفلسطيني لا يدخل في حسابات الموعظة، وكأن الدعاء لأهل غزة يحتاج إلى إذن من أحد!

فهل أصبح استنكار الظلم موقفًا يحتاج إلى ترخيص؟ وهل صار الدعاء للمحاصرين مخاطرة تستوجب الحسابات؟ أم أن بعض المنابر باتت أسيرة حسابات لا علاقة لها بوجع الأمة، حتى غدا الخطيب يزن كلماته بميزان رضا أصحاب النفوذ، لا بميزان الحق والعدل؟

إن أخطر ما يصيب المنبر ليس أن يرتفع عليه صوت مخالف، بل أن يتحول إلى صوت مروّض، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يشتد على الضعفاء ومتى يلين أمام أصحاب السلطة.

وإذا كان بعض هؤلاء يلوذون بالصمت خوفًا على أرزاقهم أو حرصًا على مواقعهم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقهم هو: ما قيمة الكلمات التي تُقال كل جمعة إذا كانت تتبخر عند أول امتحان حقيقي للضمير؟ وما جدوى الحديث عن التقوى إذا كانت لا تمنح صاحبها شجاعة قول كلمة حق في وجه الظلم؟

أما الذين يختارون الصمت استرضاءً لولي نعمتهم، أو حفاظًا على دراهم معدودات، فليعلموا أن المال قد يشتري الصمت، وقد يشتري الولاء الظاهري، لكنه لا يمنح صاحبه احترام الناس، ولا يصنع له مكانة في ذاكرة الأحرار. ولئن أمكن تبرير الصمت بالمصلحة مرة، فإن تكراره حتى يصبح منهجًا يكشف أن القضية أعمق من الخوف العابر؛ إنها أزمة في ترتيب الأولويات، وربما في فهم حقيقة الرسالة التي يحملها المنبر.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نعمّم الحكم على جميع الخطباء، فبينهم من يتألم بصمت، ومن يصدع بما يستطيع، ومن يختار الحكمة في التعبير دون أن يتخلى عن المبدأ. كما أن تقدير الظروف التي قد تقيّد بعض الأصوات لا يعني تبرير كل صمت، ولا إعفاء كل قادر من مسؤوليته الأخلاقية.

لسنا بحاجة إلى خطباء يجيدون رفع أصواتهم على الضعفاء، ثم يخفضونها أمام الأقوياء. ولا إلى مواعظ تفيض بالوعيد في مسائل الخلاف الصغيرة، ثم تصبح شديدة الحذر حين يتعلق الأمر بدماء الأبرياء وكرامة المظلومين. نحن بحاجة إلى رجال يعرفون أن المنبر أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الدعاء للمكلومين ليس منّة من أحد، بل هو من صميم الرحمة التي جاء بها الإسلام.

يا أصحاب المنابر، إن غزة لا تنتظر منكم معجزات، ولا تطلبون أنتم لأنفسكم بطولة خارقة؛ إنها تنتظر كلمة صادقة، ودعاءً خاشعًا، وموقفًا أخلاقيًّا يذكّر الناس بأن الأمة، مهما أثقلتها القيود، لا تزال تحمل في ضميرها نبضًا حيًّا.

فلا تجعلوا الخوف أبلغ من الموعظة، ولا تجعلوا حسابات الدنيا أعلى صوتًا من أنين المظلومين، ولا تسمحوا للدراهم أن تشتري منكم ما لا ينبغي أن يُباع.

فالتاريخ لا يسأل المنابر عمّا حفظته من الخطب، بل عمّا قالته حين كان الصمت أسهل، والكلام أثقل، والضمير في امتحان.

وغدًا، حين تُطوى صفحات هذه المأساة، لن تكون العبرة بعدد الخطب التي أُلقيت، بل بما بقي من صدقها في القلوب، وما تركته من أثر في الوعي، وما كشفته من معادن الرجال.

أما غزة، فحسبها أن الله يعلم وجعها، ويسمع دعاءها، ويرى دموع أطفالها. وأما نحن، فحسبنا أن نتذكر أن الله لا تخفى عليه خافية، وأن المنابر مهما صمتت، فإن صمتها لن يُسكت شهادة التاريخ، ولن يُعفي الضمائر من أسئلتها.

سلامٌ على منبرٍ ظلّ وفيًّا للمظلومين، وسلامٌ على خطيبٍ لم يبع ضميره، والعار على كل كلمةٍ قُيّدت بثمن، وكل صمتٍ اتخذ من المصلحة دينًا، ومن رضا أصحاب النفوذ قبلةً يتوجه إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *