بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية… قراءة في الاحتمالات

في إسرائيل، تبدو المنافسة مفتوحة على احتمالات عدة. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقدم معسكر المعارضة الذي يتصدره غادي آيزنكوت، لكن من دون أن يضمن أيٌّ من المعسكرين بلوغ المقاعد الحادية والستين اللازمة لتشكيل الحكومة. كما تشير التقديرات إلى أن الأحزاب العربية قد تحصد ما بين أربعة عشر وستة عشر مقعدًا، ما يجعل أصواتها مؤثرة في الحسابات البرلمانية، وإن لم يكن مضمونًا أن تُترجم هذه الأهمية إلى شراكة حكومية.
ويطرح هذا المشهد سؤالًا يتجاوز مَن يحصد مقاعد أكثر: هل يخسر بنيامين نتنياهو القدرة على تشكيل الحكومة، أم يتمكن من إعادة جمع حلفائه؟ وهل يستطيع آيزنكوت بناء ائتلاف متماسك، أم أن التباينات بين قوى المعارضة ستعيد البلاد إلى مأزق التعطيل؟ فتصدُّر حزب أو معسكر للاستطلاعات لا يعني تلقائيًّا امتلاكه أغلبية الحكم، كما أن تجاوز الأحزاب الصغيرة نسبة الحسم قد يقلب الحسابات في اللحظات الأخيرة.
أما الصوت العربي، فتكمن أهميته في قدرته على التأثير في حجم الكتل البرلمانية وفي فرص تشكيل الحكومة. لكن هذه الأهمية لا تختزل في ترجيح كفة معسكر على آخر؛ إذ يبقى السؤال السياسي الأعمق متعلقًا بمدى استعداد الأحزاب الإسرائيلية للاعتراف بحقوق الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال، لا بمجرد استبدال حكومة بأخرى. فالمنافسة بين معسكر اليمين ومعسكر يصف نفسه بالوسط أو المعارضة لا تعني بالضرورة اختلافًا جوهريًّا في الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد حذرت تحليلات من أن وصول آيزنكوت أو قوى المعارضة لا يضمن تحولًا حاسمًا في هذا الملف، حتى إن كان قد يفتح مجالًا لتغيير في أسلوب الحكم أو العلاقات الخارجية.
وخسارة نتنياهو، إن وقعت، ستكون محطة سياسية مهمة، لكنها لن تعني وحدها انتهاء حضوره في الحياة العامة أو طيَّ ملفاته القضائية. وقد تنهي رئاسته للحكومة وتفتح الباب أمام محاسبة سياسية أوسع عن الإخفاقات الأمنية والحروب وسياسات حكومته، فيما يظل المسار القضائي شأنًا مستقلًّا تحكمه إجراءاته. ومن الطبيعي أن يثير خروجه من الحكم ارتياحًا لدى خصومه، لكن الرهان الأهم ينبغي أن يكون على تغيير السياسات التي غذّت التطرف والحرب، لا على مصير شخص واحد فحسب.
وفي الولايات المتحدة، تشير المؤشرات إلى أن الديمقراطيين يملكون فرصة قوية لاستعادة مجلس النواب، بينما تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر صعوبة وتقاربًا. ويحتاج الديمقراطيون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لقلب ميزان المجلسين. وتُظهر التقديرات أن كلفة المعيشة وأسعار الوقود والحرب على إيران باتت من القضايا التي تؤثر في مزاج الناخبين، فيما لا تزال خريطة مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا من خريطة النواب.
إذا فاز الديمقراطيون بالمجلسين، فسيكون بوسعهم توسيع الرقابة على إدارة دونالد ترامب، وفتح التحقيقات، وتعطيل بعض التشريعات والتعيينات، واستخدام الموازنة أداةً للضغط. لكن ذلك لن يعني شلَّ الإدارة أو إنهاء صلاحيات الرئيس؛ فترامب سيظل قادرًا على استخدام حق النقض وممارسة جانب واسع من سلطاته التنفيذية، كما ستفرض قواعد مجلس الشيوخ حدودًا على ما يمكن تمريره. أما إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب وحده، فستزداد قدرة لجانه على التحقيق والاستدعاء والرقابة، لكن تمرير التشريعات سيظل أكثر تعقيدًا مع استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.
ومن هنا، فإن فوز الديمقراطيين قد يضع ترامب تحت ضغط سياسي ورقابي أكبر، وقد يرفع كلفة استمرار الحرب أو توسيعها، لكنه لا يضمن وحده تبدل نبرة واشنطن تجاه إيران. فالسياسة الخارجية لا تتغير بقرار انتخابي واحد، والتقييد البرلماني يتوقف على مدى استعداد أعضاء الكونغرس لاستخدام صلاحياتهم، وعلى قدرة الرأي العام على فرض كلفة سياسية واقتصادية على استمرار التصعيد.
أما التمنيات، فهي واضحة: أن يخسر نتنياهو وحلفاؤه، وأن تُفتح أمام المجتمع الإسرائيلي فرصة لمراجعة سياسات الحرب والتطرف، وأن تتراجع لغة التهديد والتحريض، وأن تتقدم محاسبة المسؤولين عن الإخفاقات والانتهاكات. وأن يُفضي التصويت الأمريكي إلى كبح اندفاع ترامب نحو المواجهة، وإلى جعل الكونغرس أكثر قدرة على مساءلة الإدارة والضغط من أجل مسار سياسي يجنّب المنطقة حربًا أوسع.
لكن القراءة الواقعية تقتضي ألّا نخلط بين الأمنيات والنتائج المؤكدة. فالانتخابات قد تضعف زعيمًا أو تعزز خصومه، وقد تغيّر توازنات البرلمان والكونغرس، لكنها لا تُنهي وحدها منظومات سياسية راسخة ولا تضمن تحولًا في المواقف. لذلك، ستُقاس قيمة هذه الانتخابات بما تفتحه من فرص للمحاسبة والضغط وتغيير السياسات، وبما إذا كانت أصوات الناخبين ستتحول إلى خطوات عملية تحدّ من الحرب والتطرف وتعيد الاعتبار للحقوق والعدالة.
اترك تعليقاً