وجهة نظر

الڭويرة في الخطاب الموريتاني: بين المطالبة والمساومة

الڭويرة في الخطاب الموريتاني: بين المطالبة والمساومة

في خضم التحولات الكبرى التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، ومع اقتراب الساعة الصفر لحسم هذا الملف العالق منذ نصف قرن، تطل علينا من المشهد الموريتاني أصواتٌ تحاول إعادة إحياء مطالب قديمة بمدينة الكويرة. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا الآن؟ وما الذي يخفى خلف هذا التوقيت المريب الذي تزامن مع زخم دولي غير مسبوق لصالح مغربية الصحراء؟

قبل الخوض في تحليل التحولات الأخيرة، لا بد من التذكير بحقيقة قانونية ثابتة: الكويرة جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، وليس لأحد أي حق في المطالبة بها. ففي وثيقة رسمية مسجلة في الأمم المتحدة تحت رقم A/34/427، أعلنت الحكومة الموريتانية سنة 1979 تخليها الطوعي والنهائي عن وادي الذهب والكويرة. بل إن نواكشوط ذهبت أبعد من ذلك، حين طالبت المجتمع الدولي بتثبيت حدودها المعترف بها دولياً منذ استقلالها سنة 1960. هذا الموقف الرسمي، المحفوظ في أرشيف المنظمة الدولية، لا يترك مجالاً لأي التباس. إنه اعتراف صريح من الدولة الموريتانية نفسها بأن الكويرة ليست أرضاً موريتانية. فكيف لنا اليوم أن نتعامل بجدية مع أصوات تطلق دعاوى لا تستند إلى أي سند قانوني أو تاريخي؟

ما يثير الانتباه حقاً، ليس ظهور هذه الأصوات في حد ذاته، بل توقيتها الذي يحمل أكثر من دلالة. فهي تظهر في لحظة حاسمة من تاريخ القضية الوطنية، حيث يتعزز الإجماع الدولي حول مغربية الصحراء يوماً بعد يوم. فمنذ الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، مروراً بالمواقف الأوروبية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وصولاً إلى قرارات مجلس الأمن الأخيرة التي اعتمدت مخطط الحكم الذاتي أساساً للتسوية، كلها مؤشرات على أن المجتمع الدولي بات مقتنعاً بأن الحل الوحيد الواقعي وذي المصداقية هو الحل في إطار السيادة المغربية.

في هذا السياق، تبدو هذه الأصوات وكأنها محاولة يائسة لخلط الأوراق في اللحظات الأخيرة. إنها تشبه من يحاول إعادة فتح ملف أقفل منذ عقود، ليس لأنه يملك حججاً جديدة، بل لأنه يشعر بأن القطار الدولي بدأ يغادر المحطة دون أن يتمكن من ركوبه.

لكن من الضروري هنا التمييز بدقة بين موقف الدولة الموريتانية، وبين ما تطلقه بعض المنابر الإعلامية والنشطاء من دعوات. فالحكومة الموريتانية، لا تزال متمسكة بسياسة “الحياد الإيجابي” التي أعلنتها منذ عقود. وهي تشارك في المسار الأممي للحل بصفتها طرفاً معنياً بالاستقرار الإقليمي، لا كطرف في النزاع.

يؤكد ذلك ما ورد في التقرير الذي قدمه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا إلى مجلس الأمن، والذي أشار إلى أن موريتانيا طلبت تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه بطريقة توافقية. وقد أكد محمد ولد ببانا، وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان والمتحدث باسم الحكومة الموريتانية، في مؤتمر صحفي عقده مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026 في نواكشوط، أن نواكشوط لم تطرح أي مطالب إقليمية، وأن الهدف من توضيح الحدود هو تجنب الغموض وما قد يترتب عليه من عواقب أمنية وقانونية واقتصادية، محذراً من تفسير هذه الخطوة على أنها مطالبة لم تعلنها موريتانيا رسمياً.

غير أن اللافت هو المساحات الواسعة التي تمنحها بعض وسائل الإعلام الموريتانية للأصوات المتطرفة، التي تتبنى خطاباً عدائياً للمغرب وتكرس فكرة “الأطماع التوسعية” الوهمية. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الحريص، والخطاب الإعلامي المتصاعد، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كانت هناك جهات تدفع في اتجاه توظيف ملف الكويرة كورقة ضغط في مفاوضات إقليمية أوسع.

ولا يمكن فهم القلق الموريتاني المتصاعد إلا في ضوء الدينامية التنموية غير المسبوقة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة. فالمغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يواصل مسيرته التنموية في الصحراء، والكويرة جزء لا يتجزأ من هذه الدينامية. المشاريع الكبرى المعلنة في المنطقة، وفي مقدمتها المشروع السياحي الإماراتي الطموح الذي سيعيد إحياء المدينة وتحويلها إلى وجهة سياحية عالمية، هي التي أثارت ردود فعل غاضبة في بعض الأوساط الموريتانية. وكأن البعض هناك يعتقد أن بقاء الكويرة منطقة مهمشة هو أفضل ضمان لمصالحهم، بينما المغرب يعمل على تحويلها إلى قطب تنموي يخدم جميع سكان المنطقة ودول الساحل. هذا التناقض في الرؤى يعكس اختلافاً جوهرياً في النظرة إلى المستقبل. فالمغرب يؤمن بأن التنمية المشتركة والتعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة. بينما البعض في الضفة الأخرى لا يزال يفكر بعقلية الصراع والمحاصصة التي أثبتت فشلها طوال العقود الماضية.

من المطالبة إلى المساومة.. قراءة في الدوافع

عند تحليل الدوافع الكامنة وراء هذا التحول في الخطاب عند بعض الموريتانيين، يمكننا رصد عدة مستويات متداخلة. فهناك أولاً رد الفعل على المسار الدولي الجديد: فمع اقتراب الحسم لصالح مخطط الحكم الذاتي المغربي، تسعى أطراف موريتانية إلى رفع سقف المطالب لتكون جزءاً من المعادلة، وليس مجرد متلق للنتائج، في محاولة للانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل. ويأتي في السياق نفسه ما يتعلق بالمزايدات السياسية الداخلية في الساحة الموريتانية، حيث تجد بعض القوى السياسية والإعلامية في ملف الكويرة مادة دسمة لكسب الأصوات بالممارسات الشعبوية البعيدة عن الحق والواقع، وذلك عبر تبني خطاب وطني متشدد لا يخدم المصالح الحقيقية للبلدين. ولا يمكن إغفال ما يمكن وصفه بالضغوط الخارجية، فمن الواضح أن جهات إقليمية معروفة بمعاداتها للوحدة الترابية للمغرب تشجع هذه الأصوات لتعقيد مسار الحل، أو لخلق أوراق ضغط في اللحظات الأخيرة.

موقف المغرب: حكمة وثبات

في مقابل هذه التحركات، يلتزم المغرب بموقف متزن، يجمع بين الحكمة وضبط النفس، والتمسك الراسخ بالحقوق الثابتة للأمة. فالرباط تدرك جيداً الفرق بين الموقف الرسمي لموريتانيا والأصوات المنفردة، وتحرص على عدم الانجرار إلى ردود فعل قد تؤثر على العلاقات الأخوية بين البلدين. والمغرب يعول على عمق العلاقات التاريخية والروابط الإنسانية التي تجمع الشعبين، والتي تبقى أقوى من أي محاولات لزرع الفتنة. فالتعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين مستمر في التطور، والمصالح المشتركة أكبر من أن تعطلها خطابات تصعيدية لا تمثل الموقف الرسمي لنواكشوط. كما أن المغرب يثق في حكمة القيادة الموريتانية، وقدرتها على ضبط هذه الأصوات، والتمييز بين المصالح العليا للبلدين والمناورات الإعلامية التي لا تخدم إلا أعداء الاستقرار في المنطقة.

خلاصة: السيادة المغربية ثابتة والمساومة مرفوضة

في المحصلة، تبقى السيادة المغربية على الكويرة ثابتة بالوثائق الرسمية والقانون الدولي. وأي محاولة للمساس بها هي مغامرة غير محسوبة العواقب، تفتقر لأي سند قانوني أو تاريخي. المملكة المغربية، المنفتحة على تعاون إقليمي بناء مع جميع جيرانها، لن تقبل بأي مساومة على ثوابتها الوطنية. لكنها في المقابل منفتحة على كل أشكال التعاون والشراكة التي تخدم مصالح جميع شعوب المنطقة. الخطاب الموريتاني الجديد، إن كان للمطالبة، فهي مطالبة لا تستند إلى حق. وإن كان للمساومة، فالثوابت الوطنية المغربية ليست محلاً للمساومة أو التفاوض. يبقى الرهان على الحكمة الموريتانية في ضبط هذه الأصوات، والتمييز بين المصالح العليا للبلدين والمزايدات الإعلامية التي لا تخدم إلا أعداء الاستقرار في المنطقة. فهل تنتصر لغة الحكمة والتعاون، أم تنتصر نغمة المطالبة والمساومة التي لا تخدم إلا أصحاب الأجندات الضيقة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *