صفقات “التنشيط الثقافي” بالبيضاء تثير الشبهات.. شركات محظوظة تحتكر “سندات الطلب”

استغرب منتخبون ومتتبعون للشأن المحلي بمدينة الدار البيضاء استمرار استفادة الشركات نفسها من صفقات وسندات طلب مرتبطة بالتنشيط الثقافي والفني داخل بعض المقاطعات، في ظل تساؤلات متجددة بشأن معايير إسناد هذه الخدمات ومدى احترام مبادئ المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص بين المتدخلين.
وتأتي هذه الملاحظات في وقت سبق أن أثار فيه مفتشو وزارة الداخلية، خلال مهام رقابية وتدقيقية أنجزوها خلال الأشهر الماضية، عددا من المعطيات المرتبطة بتدبير هذا النوع من النفقات.
وحسب مصادر عليمة لجريدة “العمق”، فقد برزت في الآونة الأخيرة معطيات جديدة تتعلق بطريقة تدبير بعض سندات الطلب الخاصة بالتنشيط الثقافي داخل مقاطعتي المعاريف والحي الحسني، بعدما توصلت الجريدة بمعلومات تفيد بتكرار استفادة شركات وأشخاص ينشطون في مجال تنظيم وتموين الحفلات من خدمات مرتبطة بهذه الأنشطة.
وتطرح هذه المعطيات ذاتها تساؤلات حول طبيعة الخدمات المقدمة، وكيفية تحديد المستفيدين منها، ومدى تنوع المتعاملين الذين تلجأ إليهم المصالح المعنية.
وأوضحت المصادر ذاتها أن أحد الأشخاص العاملين في مجال تموين الحفلات وتنظيم المناسبات يرد اسمه ضمن المعطيات المتداولة بشأن الاستفادة من بعض سندات الطلب المرتبطة بالتنشيط الثقافي بالمقاطعتين المذكورتين.
ويستدعي هذا المعطى، بحسب المصادر نفسها، التحقق من طبيعة العلاقة بين مختلف المتدخلين، وحجم الخدمات التي جرى إسنادها، ومدى ارتباطها بحاجيات فعلية ومحددة في برامج التنشيط التي تشرف عليها المقاطعات.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به سندات الطلب في تلبية الحاجيات اليومية للجماعات الترابية ومقاطعاتها، باعتبارها آلية لتوفير خدمات محددة وفق الضوابط القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
غير أن تكرار التعامل مع الأسماء أو الشركات نفسها يفتح المجال أمام نقاش بشأن مدى اعتماد معايير واضحة في اختيار مقدمي الخدمات، ومدى الحرص على توسيع دائرة المنافسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنفقات مرتبطة بتنظيم الحفلات والأنشطة الثقافية والفنية.
وفي هذا السياق، شددت المصادر العليمة على أن تكرار استفادة المتعاملين أنفسهم لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على وجود مخالفة قانونية، لكنه يظل معطى يستوجب التدقيق عندما يقترن بغياب الوضوح بشأن معايير الاختيار أو طبيعة الخدمات المنجزة.
وأضافت أن التحقق من سلامة هذه العمليات يقتضي الاطلاع على الوثائق المرتبطة بكل سند طلب، بدءا من تحديد الحاجة وتبريرها، مرورا بمسطرة اختيار مقدم الخدمة، وصولا إلى إثبات تنفيذ الالتزامات وصرف المستحقات المالية.
كما أعادت هذه المعطيات إلى الواجهة دور أجهزة الرقابة والتفتيش في تتبع كيفية تدبير النفقات العمومية على مستوى المقاطعات، ومدى تفاعل المسؤولين المعنيين مع الملاحظات التي قد تسفر عنها عمليات الافتحاص.
ويكتسي هذا الجانب أهمية إضافية في ظل مطالب متزايدة بتعزيز الحكامة المحلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان توجيه الأموال العمومية نحو أنشطة تحقق قيمة مضافة ملموسة لفائدة السكان.
وسجلت المصادر نفسها أن التنشيط الثقافي والفني يفترض أن يشكل رافعة للحياة الثقافية داخل الأحياء، وأن يتيح المجال أمام الفاعلين المهنيين والجمعويين لتقديم خدمات متنوعة وفق احتياجات السكان.
غير أن استمرار التساؤلات بشأن تكرار المستفيدين من بعض العمليات يفرض، بحسب المصادر، ضرورة توضيح المعايير المعتمدة في توزيع هذه الخدمات، ومدى ارتباطها ببرامج معلنة ومحددة، فضلا عن التأكد من التناسب بين الكلفة المالية وطبيعة الأنشطة المنجزة.
وتبرز، في هذا الإطار، أهمية إخضاع العمليات المعنية لفحص دقيق يستند إلى الوثائق والمستندات، بما في ذلك سندات الطلب والفواتير ومحاضر التسلم والوثائق المثبتة لإنجاز الخدمات، مع التحقق من احترام المقتضيات القانونية المؤطرة للشراء العمومي.
وأشارت المصادر إلى أنه من الضروري التمييز بين مجرد تكرار التعامل مع مقدم خدمة واحد وبين وجود إخلالات محتملة، وهي مسألة لا يمكن حسمها إلا استنادا إلى معطيات موثقة ونتائج رقابية واضحة.
وفي تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أوضح طاهر اليوسفي، رئيس مقاطعة الحي الحسني، أن المقاطعة تعاملت خلال السنوات الخمس الماضية مع ثلاث شركات في إطار الصفقات المرتبطة بالخدمات التي تشرف عليها، مؤكدا أن مسطرة اختيار الشركات تخضع للشروط والضوابط القانونية المعمول بها في مجال الصفقات العمومية.
وشدد اليوسفي على أن التعامل مع إحدى هذه الشركات تم في مناسبتين، بشكل عادي، وفقا للعروض التي تقدمت بها ومدى استجابتها للشروط المطلوبة، مبرزا أن تكرار التعامل مع الشركة نفسها لا يعني، في حد ذاته، وجود أي امتياز أو تفضيل، ما دامت المساطر المعتمدة تحترم القواعد المنظمة للصفقات العمومية.
وأضاف رئيس مقاطعة الحي الحسني أن إسناد الصفقات يرتبط بالعروض المقدمة من طرف الشركات ومدى مطابقتها للمعايير المحددة في دفاتر التحملات، إلى جانب استيفاء الشروط القانونية والإدارية المطلوبة، معتبرا أن هذه المعايير تشكل الإطار المرجعي الذي ينبغي الاحتكام إليه في تقييم العروض واختيار الشركات المعنية.
وحاولت جريدة “العمق المغربي” التواصل مع رئيس مقاطعة المعاريف، لتقديم توضيحات بشأن الموضوع، غير أنه تجاهل أسئلة الجريدة.
اترك تعليقاً