سياسة

بغلاف مالي يناهز ملياري درهم.. المغرب يتجه لإحداث 27 جامعة و116 مؤسسة جديدة

وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي

أكد عز الدين ميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أن إصلاح منظومة التعليم العالي بالمغرب يقتضي إعادة النظر في الخريطة الجامعية والحكامة وتوزيع المؤسسات، بهدف تحقيق العدالة المجالية والاستجابة للتحولات الديمغرافية والاقتصادية، معلنا التوجه نحو إحداث 27 جامعة عمومية تغطي مجموع التراب الوطني، بما في ذلك الأقاليم التي لا تتوفر حاليا على جامعات.

وأوضح الميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب اليوم الاثنين، أن ورش العدالة المجالية في التعليم العالي ليس وليد اليوم، بل يندرج ضمن مسار من الإصلاحات والمشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة، بدءا من الجهوية الموسعة والمتقدمة، وصولا إلى القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، مشددا على أن الوزارة تواصل السياسات العمومية السابقة مع إدخال إصلاحات تستجيب للاختلالات المسجلة.

وفي تشخيصه لوضعية القطاع، أشار الوزير إلى وجود تفاوتات كبيرة في توزيع المؤسسات الجامعية، إذ يتركز نصفها في ثمانية أقاليم فقط، بينما لا تتوفر أكثر من 37 إقليما على أي مؤسسة للتعليم العالي. كما سجل وجود جامعات ومؤسسات لا تستجيب للمعايير الدولية، إلى جانب الاكتظاظ والضغط البيداغوجي والإداري والمالي، وتكرار بعض المؤسسات والمسالك، وعدم مواكبة العرض الجامعي دائما للأولويات الوطنية والجهوية والدولية.

وأضاف المسؤول الحكومي أن المنظومة تواجه تحديات مرتبطة بالمردودية الداخلية والخارجية، موضحا أن نحو نصف الطلبة يغادرون الجامعة خلال السنة الأولى، فيما تتجاوز نسبة البطالة في صفوف خريجي الإجازة 20 في المائة، مشيرا إلى الكلفة الإضافية للتأخر في التخرج، التي قدرها بحوالي 400 مليون درهم، مقابل 128 مليون درهم في حالة التخرج داخل المدة العادية.

وحذر الميداوي من الارتفاع المرتقب في أعداد الطلبة، متوقعا زيادة بنسبة 35 في المائة في أفق سنة 2030، مشيرا إلى أن استمرار الوضع الحالي دون اتخاذ إجراءات كفيلة بمواكبة هذا التطور قد يؤدي إلى وصول عدد الطلبة في بعض الجامعات إلى نحو 200 ألف طالب.

27 جامعة لتغطية مجموع التراب الوطني
وفي إطار معالجة هذه الاختلالات، كشف وزير التعليم العالي أن المخطط المديري ومراجعة الخريطة الجامعية يتجهان نحو إحداث 27 جامعة عمومية، مقابل 12 جامعة حاليا، بهدف تغطية مختلف جهات المملكة، بما فيها الداخلة والعيون وكلميم والرشيدية، وهي مناطق أشار إلى أنها لا تتوفر حاليا على جامعات.

وأوضح أن الخريطة الجديدة تعتمد معيارا يقضي بألا يتجاوز عدد الطلبة في كل جامعة 40 ألف طالب، مبرزا أن المعدل الحالي يناهز 95 ألف طالب لكل جامعة، مقارنة بنحو 33 ألف طالب في تركيا، و23 ألفا في فرنسا، و20 ألفا في إسبانيا وتونس، و15 ألفا في كندا.

وأضاف أن الاستثمار المرتبط بالمرحلة الأولى من المشروع، والمتعلقة ببناء مقرات رئاسة الجامعات وتوفير متطلبات تسييرها، يقدر بحوالي 200 مليون درهم، مشيرا إلى أن المشروع عرض على المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي قدم رأيا إيجابيا بشأنه، مع تسجيل ملاحظات أساسية، خاصة في ما يتعلق بالحكامة والكلفة.

وأكد الميداوي أن إعداد الخريطة الجامعية يتم بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية وباقي القطاعات الحكومية المعنية، مشيرا إلى أن الهدف هو بناء منظومة جامعية أكثر توازنا، قادرة على الاستجابة لحاجيات الجهات، مع مراعاة خصوصياتها وإمكاناتها ومؤهلاتها الاقتصادية والاجتماعية.

إحداث 66 مؤسسة جامعية جديدة
وبخصوص إعادة هيكلة المؤسسات الجامعية، أعلن الوزير إحداث 66 مؤسسة جامعية جديدة، منها 46 مؤسسة ناتجة عن تقسيم المؤسسات الكبرى، و20 مؤسسة من الجيل الجديد، مضيفا أن 17 مؤسسة أخرى توجد في طور الإخراج بعد مرورها عبر اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي وإحالتها على الأمانة العامة للحكومة لاستكمال المسطرة التنظيمية.

وأوضح أن إعادة الهيكلة تشمل تقسيم بعض الكليات الكبرى، من قبيل كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وكليات الآداب والعلوم الإنسانية، فضلا عن الكليات متعددة التخصصات، بهدف تحسين المردودية وضمان الانسجام البيداغوجي وتخفيف الضغط عن المؤسسات التي تضم أعدادا كبيرة من الطلبة.

وأشار إلى أن هذه العملية مكنت من إحداث مؤسسات جامعية بأقاليم لم تكن تتوفر عليها، من بينها تاوريرت وتارودانت وتيزنيت وتاونات، مؤكدا أن توزيع المؤسسات الجديدة لا يتم بشكل عشوائي، بل يستند إلى دراسات تراعي عدد السكان والثروات ونقط القوة والخصائص الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.

وفي السياق ذاته، أعلن الميداوي أن الوزارة تتجه، في إطار مواصلة هذا الورش إلى غاية سنة 2030، نحو إحداث 50 مؤسسة إضافية من الجيل الجديد، مبرزا أن الكلفة المرتبطة بالمشاريع المعنية، وفق ما عرضه أمام النواب، ستناهز ملياري درهم.

وأوضح أن هذه المؤسسات ستغطي مختلف الحقول المعرفية، من العلوم القانونية والسياسية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية إلى العلوم والتقنيات، بما يشمل الرياضيات والأمن السيبراني وتدبير المياه والطاقات الخضراء، مع الحرص على ملاءمة التكوينات مع الحاجيات المحلية والجهوية والوطنية والمهن ذات الامتداد الدولي.

حكامة جديدة وربط الجامعة بمحيطها
وشدد الوزير على أن إصلاح التعليم العالي لا يقتصر على توسيع العرض الجامعي، بل يشمل أيضا مراجعة الحكامة على المستويين الوطني والجهوي، وتطوير الآليات التشريعية والتنظيمية المؤطرة للقطاع.

وفي هذا الإطار، أشار إلى العمل على إعادة هيكلة الوزارة، وإخراج نصوص قانونية وتنظيمية جديدة، من بينها مقتضيات تتعلق بالمركز الوطني للبحث العلمي، والمركز الوطني للحياة الطلابية، والوكالة المغربية للتقييم وضمان الجودة، إلى جانب مراجعة آليات تدبير الجامعات والمؤسسات التابعة لها.

كما أعلن إحداث مجالس للأمناء، أوضح أن دورها لا يقتصر على المراقبة، بل يشمل ضمان استمرارية السياسات العمومية، والإشراف على تجذر الجامعة في محيطها الترابي، وتقييم الاستراتيجيات وأداء رؤساء الجامعات، بما يحد من القطيعة التي قد تطبع السياسات الجامعية عند تغير المسؤولين.

وأشار كذلك إلى تمكين الجامعات والمؤسسات من إمكانات جديدة، من بينها إحداث أقطاب جامعية وشركات مساهمة للتدبير، بما يتيح مزيدا من المرونة والسرعة والقدرة على الابتكار.

واعتبر الميداوي أن الإنصاف المجالي يقتضي جعل الجامعة أكثر ارتباطا بحاجيات محيطها، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي، مع مواكبة الأوراش الوطنية والتحولات الدولية، وتطوير تكوينات أكثر جاذبية وارتباطا بسوق الشغل.

وخلص الوزير إلى أن الرهان من وراء هذه الإصلاحات يتمثل في تخفيف كلفة التمدرس عن الأسر، خصوصا ما يتعلق بالنقل والسكن، وتعزيز ولوج الفتيات والفئات الهشة في العالم القروي إلى التعليم العالي، وتحسين فرص الإدماج المهني، وجعل الجامعات رافعة لجاذبية الجهات للاستثمار، إلى جانب إعادة توزيع الكفاءات والموارد البشرية وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التماسك الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *