منتدى العمق

السلم الاجتماعي أولا

السلم الاجتماعي أولا

مع بداية مرحلة حكومية جديدة، تتجه الأنظار عادة إلى البرامج والوعود والأولويات التي تضعها الحكومة أمام الشعب. غير أن وراء هذه العناوين جميعاً سؤالاً أكثر اتصالاً بحياة الناس: أي مجتمع ستتركه هذه الولاية بعد انتهائها؟ وما مقدار ما ستضيفه إلى شعور المواطن بالأمان والكرامة والثقة في المستقبل؟ يبقى هناك هاجس أراه أسبق من كثير من التفاصيل: أن تنتهي هذه الولاية ومجتمعنا أكثر توازناً، وأكثر أمناً، وأكثر ثقة في المستقبل.

السلم الاجتماعي هو المحور الذي ينبغي أن تنتظم حوله بقية السياسات العمومية. وتتحدد قوته بمدى اطمئنان المجتمع إلى مستقبله، وشعور المواطن بأن مكانه داخل الدولة محفوظ، وأن الفوارق الاقتصادية تظل قابلة للتعايش في إطار من العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص. المجتمع يستطيع تحمل تفاوت الثروات ما دامت الفوارق في الدخل لا تتحول إلى فوارق في القيمة الإنسانية، ولا تجعل الحق في العلاج أو التعليم أو العمل الكريم امتيازاً يرتبط بمقدار ما يملكه الفرد من المال.

لا أقصد بالسلم الاجتماعي هدوء الشارع، ولا غياب الاحتجاج، ولا قدرة الدولة على احتواء التوترات عندما تبلغ حدودها القصوى. السلم الاجتماعي، في معناه الأعمق، هو قدرة المجتمع على الاستمرار من دون أن يشعر قطاع واسع من أبنائه بأن المسافة بينهم وبين حياة كريمة تتسع يوماً بعد آخر.

تبدأ العدالة الاجتماعية تبدأ من التمييز بين تفاوت الثروة وتفاوت الفرص. فالتفاوت في الدخل والملكية والقدرة على الاستثمار جزء من طبيعة الحياة الاقتصادية، ولا يهدد توازن المجتمع ما دامت هذه الفوارق محكومة بتقارب معقول في فرص الحياة. الخطر يبدأ عندما ينتقل التفاوت من مستوى الثروة إلى مستوى الفرص، فيحصل صاحب الدخل المرتفع على تعليم أفضل، وعلاج أسرع، وسكن أكثر أمناً، ووسائل نقل أيسر، وقدرة أكبر على حماية أبنائه من تقلبات المستقبل، بينما تضيق أمام محدودي الدخل الخيارات التي تمنحهم ولأبنائهم شروطاً متقاربة للعيش والتقدم.

تضيق سبل العيش أمام المواطن، فينتقل الضغط من ميزانية الأسرة إلى إحساسها بالأمان. مرض يستنزف المدخرات، وتعليم جيد ترتبط فرصه بقدرة الأسرة على الإنفاق، وعمل يضع صاحبه أمام دخل تلتهمه نفقات الحياة؛ تفاصيل تبدو متفرقة، لكنها تتراكم فوق حياة الإنسان حتى تضيق أمامه مساحة العيش الكريم. عند هذه المرحلة يتغير معنى الضغط الاقتصادي؛ فثمن الغذاء وكلفة العلاج وقيمة الأجر تصبح وجوهاً لسؤال أعمق يتعلق بصلة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه، وبالدولة التي ينتظر منها صون حقه في حياة تحفظ كرامته.

ارتفاع كلفة المعيشة يمس هذا التوازن في صميمه. فالأسرة التي يستهلك الغذاء والعلاج والسكن والنقل معظم دخلها تفقد تدريجياً قدرتها على الادخار، ثم قدرتها على مواجهة الطوارئ، ثم قدرتها على التخطيط للمستقبل. ومع تقلص هذه المساحة، يتحول المستقبل من أفق مفتوح إلى مصدر دائم للقلق. المواطن يحتاج إلى دخل يسمح له بأن يعيش حاضره من دون أن يستهلك غده.

وتزداد أهمية هذا التوازن بالنسبة إلى الطبقة الوسطى، التي تشكل إحدى ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بحكم ارتباطها بالعمل المنتج والاستهلاك والادخار وتمويل المشاريع وأداء المهن والخدمات. وحين تتراجع قدرتها الشرائية، لا يقتصر الأثر على أوضاع أسرها، بل يمتد إلى حركة الاقتصاد وقدرته على خلق فرص جديدة. لذلك تحتاج السياسة الاجتماعية إلى حماية هذه الفئة من الانحدار نحو الهشاشة، بالتوازي مع توجيه العناية إلى الفئات ذات الدخل الأضعف التي تواجه أصلاً شروطاً أشد قسوة.

أما الفقر، فيحتاج إلى معالجة أسبابه قبل وصول الأسرة إلى القاع. فقد يبدأ الأمر بفقدان وظيفة، أو مرض طويل، أو ارتفاع في كلفة السكن، أو تعثر مشروع صغير، أو عجز شاب عن دخول سوق العمل. وتتراكم هذه العوامل بسرعة أكبر مما توحي به الأرقام الاقتصادية العامة. لذلك تحتاج الحكومة إلى سياسة وقائية تراقب مصادر الهشاشة وتتصدى لها في بدايتها، لأن الوقاية الاجتماعية أقل كلفة على الدولة وأكثر حفظاً لكرامة المواطن.

ويأتي التعليم في صلب هذا البناء. المدرسة العمومية تؤدي وظيفة اجتماعية واسعة؛ فهي إحدى أهم الوسائل التي تسمح لابن الأسرة محدودة الدخل بأن يصنع لنفسه مستقبلاً مختلفاً عن ظروف أسرته. وكلما ارتفعت جودة التعليم العمومي واتسعت قدرته على منح أبناء المغاربة فرصاً متقاربة، خفّ أثر الفوارق الاقتصادية على مستقبلهم. أما عندما تصبح جودة التعليم مرتبطة بصورة متزايدة بالقدرة على دفع تكاليف التعليم الخاص والدروس والخدمات الموازية، فإن المال يبدأ في تحديد مسارات الحياة منذ الطفولة.

والأمر نفسه ينطبق على الصحة. فالمرض يختبر قدرة الدولة على حماية المواطن في أكثر لحظات حياته هشاشة. نظام صحي فعال، قريب من المواطنين، ومتاح أمام أصحاب الدخول المختلفة، يمنح الأسرة شعوراً بأن حادثاً صحياً لن يحول حياتها إلى أزمة مالية. أما ارتفاع النفقات الطبية أمام الأسر محدودة الدخل فيحوّل المرض من واقعة صحية إلى تهديد اقتصادي، ويضاعف بذلك الفوارق الاجتماعية.

ثم يأتي العمل كركن يمنح بقية السياسات الاجتماعية أساسها العملي. الدعم الاجتماعي يستطيع حماية الأسرة من السقوط، لكنه يحتاج إلى اقتصاد قادر على إنتاج وظائف مستقرة وأجور تحفظ القدرة على العيش. والشاب الذي يدخل سوق العمل بعقد هش ودخل محدود يظل معرضاً للقلق مهما تحسنت بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي. لذلك تحتاج سياسة التشغيل إلى النظر إلى جودة الوظيفة، والاستقرار، والأجر، وآفاق التطور المهني، إلى جانب عدد المناصب المحدثة.

وتحتاج المقاولات الصغرى بدورها إلى موقع واضح داخل هذه الرؤية. فهذه المقاولات ترتبط مباشرة بحياة الأسر وبفرص العمل في المدن والمناطق القروية. ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والنقل والإجراءات الإدارية قد يضغط على قدرتها على الاستمرار، فتتحول الصعوبات التي تواجه صاحب المشروع إلى وظائف مهددة، ومداخيل أسر معرضة للتراجع. دعم النشاط الاقتصادي الصغير يحمل بذلك أثراً اجتماعياً يمتد من صاحبه إلى محيط واسع من العاملين والأسر.

وفي المقابل، تظل المشاريع الاستراتيجية الكبرى جزءاً أساسياً من مسار التنمية الوطنية. غير أن موقع الحكومة تجاهها يحتاج إلى وضوح في توزيع المسؤوليات. فالمشاريع الكبرى ذات الأفق الوطني والاستراتيجي ترتبط باختيارات الدولة وبالقيادة الملكية ومتابعتها، بينما تمتلك الحكومة مجالاً واسعاً للعمل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: المدرسة، والمستشفى، وسوق العمل، والقدرة الشرائية، والنقل، والسكن، والحماية الاجتماعية، وجودة الإدارة.

ولا يكتمل أثر هذه التنمية إلا عندما تنعكس على الحياة اليومية للناس. فالبنية التحتية المتطورة والمشاريع ذات الأفق البعيد تظل في حاجة إلى خدمات عمومية فعالة، وفرص عمل مستقرة، وقدرة شرائية تحفظ توازن الأسرة، وإدارة تستجيب لحاجات المواطن. التنمية تحتاج إلى أفق بعيد، والمجتمع يحتاج في الوقت نفسه إلى حياة يومية تمنح المواطن سبباً معقولاً للثقة في ذلك الأفق.

ويمتد هذا الاهتمام أيضاً إلى الحماية الاجتماعية التي قطعت البلاد في السنوات الأخيرة خطوات مهمة نحو توسيعها. الحماية الاجتماعية تستطيع تخفيف آثار المرض والفقر وفقدان الدخل، لكنها تحتاج إلى اقتصاد منتج وخدمات عمومية قوية حتى تتحول من شبكة لاحتواء الأزمات إلى جزء من منظومة متكاملة للأمان الاجتماعي. فالحماية تبدأ من الوقاية، وتمر بالتعليم والصحة والعمل، وتصل إلى الدعم عندما تعجز الأسرة عن مواجهة ظرف استثنائي.

ويبقى السلم الاجتماعي مرتبطاً بقدرة المجتمع على الإحساس بالعدالة والثقة في المستقبل. المواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن المؤسسات تحمي حقوقه، وأن المدرسة تفتح أمام أبنائه طريقاً معقولاً، وأن المرض لا يحول حياة أسرته إلى أزمة مالية، وأن العمل يمنحه دخلاً يحفظ كرامته. وعندما يجد هذه الشروط مجتمعة، تصبح الفوارق الاقتصادية جزءاً من واقع يمكن احتماله، لأن الإنسان يرى أمامه فرصة حقيقية لصون مكانته وبناء مستقبله.

لهذا تحتاج الحكومة المقبلة إلى جعل التوازن الاجتماعي مبدأ ناظماً لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. حماية الفئات الفقيرة، وتقوية الطبقة الوسطى، وتحسين الخدمات العمومية، ودعم التشغيل، ومواجهة غلاء المعيشة، وتطوير الحماية الاجتماعية، كلها ملفات مترابطة داخل سؤال واحد: كيف تحافظ الدولة على مجتمع يشعر أفراده بأن الفوارق بينهم قابلة للتعايش، وأن المستقبل يظل مفتوحاً أمام أبنائهم؟

المطلوب إعادة تعريف معنى النجاح الحكومي من خلال أثره في حياة المواطن. فالحكومة تنجح بقدر ما يشعر الإنسان أن يومه يمضي داخل منظومة تحفظ له الأمان، وتصون كرامته، وتفتح أمامه باباً معقولاً للأمل.

السلم الاجتماعي في صميم العمل الحكومي، والاقتصاد في خدمة تماسك المجتمع، والخدمات العمومية في خدمة كرامة المواطن، والحماية الاجتماعية في خدمة الأمان، والتعليم والصحة والعمل في خدمة المستقبل.

فالمجتمع المتوازن يمنح التنمية معناها، والتنمية التي يشعر المواطن بثمارها تمنح الدولة رصيداً من الثقة، والثقة هي المساحة التي تستطيع فيها البلاد أن تمضي إلى المستقبل بثبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *