جدري: نجاح قانون مالية 2027 مرهون بمدى انعكاس النمو على أجور وجيوب الأسر

قال المحلل الاقتصادي محمد جدري إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يجمع بين استمرارية التزامات الدولة ومواصلة الأوراش الكبرى، وبين بداية بروز ملامح التوجه الاقتصادي والاجتماعي للحكومة الجديدة، مشيرا إلى أن قانون مالية 2028 سيشكل محطة أساسية لتحديد هوية هذه الحكومة، باعتباره أول مشروع مالية يُعد بالكامل تحت مسؤوليتها.
وأوضح جدري، في تصريح لجريدة «العمق»، أن إعداد جزء مهم من مشروع قانون المالية لسنة 2027 تم قبل اكتمال تشكيل الحكومة الجديدة، سواء على مستوى الفرضيات الاقتصادية أو البرمجة الميزانياتية أو الالتزامات الكبرى للدولة، وهو ما يفسر الجمع بين مواصلة الاختيارات القائمة وإمكانية إدراج بعض أولويات الحكومة الجديدة.
إعادة توجيه الإنفاق العمومي نحو المجالات ذات الأثر الأكبر
وأكد المحلل الاقتصادي أن مشروع قانون المالية لا يقتصر على عرض الأرقام والمؤشرات، بل يعكس اختيارات سياسية واقتصادية تحدد أولويات الدولة في توزيع الموارد العمومية. وأوضح أن التوجه العام للمشروع يقوم على مواصلة تمويل الدولة الاجتماعية والحفاظ على مستوى مهم من الاستثمار العمومي، مع الحرص على صون التوازنات المالية.
وأضاف أن المشروع يكشف عن توجه نحو إعادة توجيه الإنفاق العمومي إلى المجالات الأكثر أثرا على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، بما يفرض تعزيز نجاعة الإنفاق وترشيد بعض نفقات التسيير.
واعتبر جدري أن الرهان الأساسي يتمثل في مواصلة الاستثمار العمومي والإنفاق الاجتماعي، بالتوازي مع تحسين المردودية والفعالية في استعمال الموارد المالية المتاحة.
تعزيز الدولة الاجتماعية وربط النمو بتحسين معيشة الأسر
وفي قراءته للتوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، أشار جدري إلى أنه يعكس توجها نحو تعزيز القدرة الشرائية، ودعم التشغيل، وإدماج الشباب، ومواصلة بناء الدولة الاجتماعية، إلى جانب تسريع التنمية الترابية وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية.
وأوضح أن هذه الأولويات تفسر استمرار الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والدعم المباشر والسكن، فضلا عن مواصلة الأوراش الكبرى المرتبطة بالماء والطاقة والبنيات التحتية.
وأضاف أن التحدي المطروح لم يعد يقتصر على الحفاظ على النمو الاقتصادي أو مواجهة الأزمات، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة هذا النمو على تحسين دخل الأسر وتوفير فرص الشغل، بما يسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وشدد المتحدث على ضرورة الانتقال من تعدد البرامج والقطاعات إلى اعتماد سياسات عمومية أكثر اندماجا، خصوصا في المجالات المرتبطة بالشباب والتشغيل والتعليم والتنمية الترابية.
وفي هذا السياق، أكد أن التحدي أمام الحكومة لا يتوقف عند تحديد الأولويات، بل يشمل ترجمتها إلى اعتمادات مالية واضحة وبرامج محددة، تخضع للتقييم وفق مؤشرات دقيقة وآجال زمنية معلومة.
واعتبر جدري أن جودة قانون المالية لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية المحققة مقابل كل درهم من الإنفاق العمومي، ما يجعل تحسين مردودية الموارد المالية والرفع من نجاعة استخدامها معيارين أساسيين لتقييم الاختيارات الميزانياتية.
وفي ما يتعلق بمدى واقعية الفرضيات الاقتصادية التي يستند إليها مشروع قانون المالية لسنة 2027، أفاد جدري بأنها تبدو واقعية في مجملها، لكنها تظل مرتبطة بعدد من العوامل الداخلية والخارجية.
وأوضح أن الاقتصاد المغربي يستفيد من دينامية في قطاعات الصناعة والخدمات والاستثمار والبنيات التحتية، وهو ما يجعل تحقيق معدل نمو في حدود 4 في المائة أمرا ممكنا من حيث المبدأ.
قانون مالية 2028.. اختبار لترجمة أولويات الحكومة
وأشار إلى أن تنامي مساهمة الأنشطة غير الفلاحية في النمو يشكل عاملا إيجابيا، بالنظر إلى ما يتيحه من تقليص نسبي لارتباط الأداء الاقتصادي بالتقلبات المناخية والموسم الفلاحي.
وفي المقابل، دعا جدري حكومة المنصوري إلى التحلي بمزيد من الحذر، في ظل استمرار تعرض الاقتصاد الوطني لتقلبات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وتطور الطلب لدى الشركاء التجاريين للمغرب، فضلا عن تأثيرات الموسم الفلاحي.
وأكد أن فرضيات النمو تظل قابلة للتحقق، لكنها غير مضمونة، مشددا على أن التحكم في عجز الميزانية يتطلب الحفاظ على دينامية المداخيل الجبائية، بالتوازي مع ضبط وتيرة ارتفاع النفقات، خاصة في ظل تزايد الحاجيات الاجتماعية والاستثمارية.
و اعتبر جدري أن قانون المالية لسنة 2028 سيتيح الوقوف بصورة أوضح على الهوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحكومة الجديدة، باعتباره أول مشروع مالية يُعد بالكامل تحت مسؤوليتها، انطلاقا من تحديد الفرضيات الاقتصادية وترتيب الأولويات، وصولا إلى التحكيم وتوزيع الاعتمادات.
وبحسب المتحدث، يشكل مشروع قانون مالية 2027 مرحلة انتقالية تجمع بين استمرارية التزامات الدولة ومواصلة الأوراش المفتوحة وبداية تشكل ملامح توجه الحكومة الجديدة، فيما ستكون محطة 2028 مناسبة لتقييم مدى قدرتها على ترجمة برنامجها إلى اختيارات مالية واضحة ومنسجمة مع أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية.
اترك تعليقاً