مهرجان فاس للثقافة الصوفية… حين يصبح التصوف إكسيرا للشفاء وبوصلة للذكاء الاصطناعي

مهرجان فاس للثقافة الصوفية اختار هذه السنة أن يكون الملتقى تحت شعار “الثقافة الصوفية إكسير الشفاء”. هذا الشعار جعل من المهرجان يأخذ أكثر من بعد ويهيم بالمتلقي في أكثر من معنى. فهو ليس شاشة لأفلام السينما، وليس منصة للغناء، وليس مسرحا للرقص، وليس مدرسة لإعطاء الدروس كما أنه ليس جامعة لنشر الفكر والثقافة. إنه مهرجان يختزل كل تلك المعاني، حيث يلتقي الفكر بالتصوف، والغناء بالإنشاد، والجذبة الصوفية بالرقص، والعقل بالقلب. وكأن مهرجان الثقافة الصوفية، يريد عرض ثنائية العالم بعيدا عن ثنائية الليل والنهار، العلم والجهل، المعنى واللامعنى…
ثلاث مواعيد طيلة سفر المهرجان لمدة ثمانية أيام: العاشرة صباحا والرابعة عصرا والثامنة والنصف مساء. في الصباح موائد مستديرة تناقش إكسير الشفاء من زوايا مختلفة تبدأ بالبعد الحسي للتجربة الدينية لتنتهي بالابتلاء المتجلي في النصوص المقدسة مرورا بالبحث عن الشفاء والمسلك العلاجي.
طبق فكري وثقافي اختار له المنظمون بعناية دقيقة، فضاءات من المدينة العتيقة، وكأنها ليست بنايات ولا رياض ولا منازل تختزل التاريخ وفن العمران، وإنما هي بنايات تتحدث هي الأخرى لغة الفكر والثقافة بلسان التصوف. في مركز النجوم، ورياض شهرزاد ومدرسة شمسي للحرف الفنية، كان الحضور مع وجبة فكرية أعدها أساتذة وباحثون بمساعدة الفضاء الذي ترك هو الآخر لمسته في الفكر والثقافة وفي البحث عن معنى التصوف: هل هو فلسفة وفكر أم ممارسة كما يقول جلال الدين الرومي.
هذا الحضور هو الآخر ليس حضورا عاديا. إنه حضور له مآرب مختلفة ومتعددة، عملا بالمقولة “من عرف ما قصد هان عليه ما وجد”. وهذا ما يستنتجه كل حاضر بسهولة مطلقة من خلال نقاش المحاضرين مع هذا الحضور. حضرت ثقافات مختلفة، حضرت ديانات متعددة كما حضر من لا يؤمن أصلا، لكنه جاء إلى المهرجان بحثا عن المعنى، وبحثا عن الحقيقة. هذه الحقيقة التي جاء البعض يبحث عنها في تصوف جلال الدين الرومي، وبحضور من؟ بحضور امرأة هي وابنتها من حفدة جلال الدين الرومي، تمثل الجيل رقم 22 من شجرة صاحب المثنوي. فكان السؤال: كيف يمكن لمن لا يؤمن بلوغ الصفاء الروحي من خلال تصوف الرومي؟ فكان الجواب من منصة المحاضرين: يكفي ممارسة تصوف الرومي لتنتهي بالإيمان وببلوغ الحقيقة.
في العصر وبالتحديد الساعة الرابعة، يكون الملتقى في جنان السبيل. بين أشجار ضاربة عروشها في عبق التاريخ، وبيئة طبيعية وفضاء فاتح يديه لعناق السماء، يكون الموعد مع العزف والإنشاد القادم من الأركان الأربعة للعالم.
وفي المساء، في فضاء باب الماكينة، يختتم الزوار يومهم بليلة صوفية مع طُرق مغربية تتنوع بين الوزانية والصقلية والريسونية ليكون الختام بسماع مغربي أندلسي مع دراويش حلب. امتزج الفن الأندلسي برئاسة وسيم أرسلان بالتراث السوري تحت قيادة أنس العطار، في لوحة جعلت ختام مهرجان فاس كالتوتة فوق كعكعة النجاح والتألق.
إنه أكثر من مهرجان، وأكبر من ملتقى فكري، وكل ذلك ينتهي برفع قبعة الصفاء، لشخص كان حاضرا طيلة المهرجان، مسؤولا ومنظما ومسيرا لجميع الموائد المستديرة، اسمه فوزي الصقلي الذي اجتمعت فيه جميع الفنون من ثقافة صوفية وفلسفة وتاريخ وأدب شرقي وغربي، كل ذلك باستعمال لغات متعددة، فكان في ذات الوقت مسيرا ومترجما.
هكذا يمكن اعتبار مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحِكَم العالم، جسرا ثقافيا يربط جيل الشباب بالأجيال السابقة عبر التراث الصوفي المغربي. كما أنه منصة للذكاء الصوفي تتوخى إعادة الجيل الجديد في الأركان الأربعة، إلى عالم الروحانيات والارتباط بحقيقة السماء، بدل التيه في اللامعنى والسباحة في عالم الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الصوفي هو بوصلة الذكاء الاصطناعي ليحافظ العالم المحسوس عن المعنى ولا يحيد عن الحقيقة.
اترك تعليقاً