وجهة نظر

ميزان واحد للرباط وباريس ومدريد

الحسين خاوتي

في قضايا حقوق الإنسان معيار واحد: الاحتجاج حق، وسلامة المتظاهرين واجب، واستعمال القوة يخضع للضرورة والتناسب والمساءلة. القاعدة تخاطب الإنسان قبل الدولة، وتنظر إلى الفعل قبل هوية الفاعل. ومع ذلك، تميل بعض التغطيات الدولية إلى صياغة الحادثة المغربية حكما على طبيعة النظام، وتمنح الاحتجاجات في أوروبا قراءة اجتماعية وأمنية وقانونية مفصلة.

تقدم فرنسا اليوم مادة ملموسة للمقارنة. فمنذ أواخر سبتمبر 2026، عطلت احتجاجات طلابية، سببها نقص المدرسين وتدهور المباني، الدراسة في مئات المؤسسات، وتخللتها مواجهات واعتقالات وإصابات. في 5 أكتوبر، فقد مراهق في الخامسة عشرة يده قرب ثانوية في مدينة لانس. روى مصدر نقابي في الشرطة أنه التقط قنبلة صاعقة أطلقها رجال الأمن، وأكد شاهد أن القنبلة سقطت عليه، فيما أعلن المدعي العام المحلي تعذر الجزم بالرواية الصحيحة فور وقوع الحادث. وقال محامي تلميذ في السادسة عشرة إن الشرطة أصابت عينه في ضاحية أرجنتوي. واتهمت نقابات ومنظمات حقوقية السلطات باستعمال قوة غير متناسبة.

وتقدم إسبانيا زاوية ثانية. فقد أخرجت أزمة السكن عشرات الآلاف إلى شوارع مدريد ومدن أخرى، ونصب محتجون خياما في ساحة بويرتا ديل سول. ورفض البرلمان مرسومين حكوميين لحماية المستأجرين، فدعا بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر. يدور النقاش حول الأسعار والسياسات العامة وحقوق المالك والمستأجر، وتبقى القراءة الدولية للأزمة اجتماعية وسياسية، تناقش الحكومة والسوق وتضع السياسات العامة في صلب المساءلة.

وفي المغرب، خرج شباب GenZ212 في أواخر سبتمبر 2025 مطالبين بإصلاح الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، وأعلن منظموهم تمسكهم بالسلمية. وشهدت بعض المدن أعمال عنف وإتلاف، وسقط ثلاثة قتلى قرب أكادير في 1 أكتوبر. رأت وزارة الداخلية أنهم قضوا أثناء محاولة الاستيلاء على أسلحة الشرطة، وذكرت هيومن رايتس ووتش أنهم قضوا أثناء محاولة اقتحام مركز للدرك. وتحدث تقريرها عن نحو 2100 موقوف، وعن متابعة 1400 شخص وزيادة، بينهم 330 قاصرا، بينما تحدثت النيابة العامة عن 2400 متابع وزيادة، وأكدت أن تدخل القوات جرى في حدود القانون. وطالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتحقيقات محايدة ومحاكمات عادلة للموقوفين، وهو مطلب مشروع.

ورغم اختلاف السياقات، تجمع الاحتجاجات الثلاثة خيوط مشتركة. فالتلاميذ في فرنسا يطالبون بمدرسين كافين ومبان صالحة وجداول دراسية معقولة، والشباب والأسر في إسبانيا يطالبون بسكن في المتناول، وشباب GenZ212 في المغرب طالبوا بمستشفى ومدرسة يليقان بهم. وامتد صدى الموجة الفرنسية إلى بلجيكا، حيث خرج تلاميذ ثانويات في مدينة لياج للاحتجاج بدورهم. القاسم المشترك هو جيل يطالب بخدمات عامة تستجيب لحاجاته وتواكب تطلعاته.

وتتيح الحالة الفرنسية نموذجا للغة متوازنة في التعامل مع الاحتجاج. فقد اعترف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بشرعية مطالب التلاميذ، وأشار في الوقت نفسه إلى عنف الاضطرابات. وهذه اللغة المزدوجة، التي تعترف بالمطلب المشروع من دون أن تتغاضى عن العنف، تصلح لقراءة الاحتجاج المغربي أيضا؛ فقد جمع حراك GenZ212 بين مطالب مشروعة وأعمال عنف في بعض المدن. أما عزل الحالة المغربية عن هذا الإطار المقارن، فيخاطر بتحويل ظاهرة جيلية تتجاوز الحدود إلى استثناء سياسي، بدلا من فحص مطالبها وأفعال المشاركين فيها وطريقة تعامل السلطات معها بالمعيار نفسه.

ولا يقتصر هذا المعيار على مبدأ أخلاقي عام، بل يستند إلى قواعد أممية محددة. فقد اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في هافانا عام 1990، المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. وتترجم هذه المبادئ التزامات تتصل بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وبخضوع عمل أجهزة إنفاذ القانون للمساءلة.

وتدعو المبادئ إلى إعطاء الأولوية للوسائل غير العنيفة قبل اللجوء إلى القوة، وإلى ممارسة ضبط النفس والتناسب عند تعذر تجنبها. وفي تفريق التجمعات غير القانونية غير العنيفة، يتعين تجنب استخدام القوة أو قصرها على الحد الأدنى الضروري، أما التجمعات العنيفة فتخضع بدورها لمبدأ تقليل القوة إلى أدنى مستوى لازم. ولا يجوز استخدام الأسلحة النارية إلا في ظروف استثنائية، منها الدفاع عن النفس أو عن الغير في مواجهة خطر وشيك بالموت أو بإصابة خطيرة، مع مراعاة القيود الصارمة الأخرى التي تنظم استخدامها. ولا تبيح حالات الطوارئ العامة الخروج على هذه المبادئ، كما ينبغي أن يخضع الاستخدام التعسفي أو المفرط للقوة للمساءلة، بما فيها المساءلة الجنائية عند الاقتضاء.

وبهذا الميزان، يُسأل التحقيق في حادثة لانس عن ضرورة استخدام القوة وتناسبها، كما يُسأل التحقيق في واقعة القليعة عن طبيعة الخطر الذي واجهه رجال الأمن ومدى وشيكيته، وعن الأسباب التي قد تبرر اللجوء إلى السلاح الناري. فرواية وزارة الداخلية ورواية هيومن رايتس ووتش بشأن الواقعة نفسها لا تُحسمان بالانحياز المسبق إلى أي منهما، بل بالأدلة والتحقيق المستقل: هل واجه رجال الأمن خطرا وشيكا على حياتهم أو حياة غيرهم؟ وهل كانت القوة المستخدمة ضرورية ومتناسبة مع ذلك الخطر؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات المتعارضة وحدها، وإنما تحقيق مستقل وشفاف يكشف الوقائع ويحدد المسؤوليات.

وتفسر تفاوتات التغطية عوامل متعددة. تضم الصحافة الأوروبية منابر تنتقد حكوماتها بشدة، وتلاحق منظمات حقوقية الانتهاكات في باريس ومدريد، فيما يتأثر الاهتمام الدولي بالمغرب بإرث تاريخي وحسابات جيوسياسية. وفي المقابل، توجد في المغرب أصوات حقوقية ومدنية تطالب بمساءلة أي منتهك، مهما كانت صفته. لكن وجود هذه العوامل لا يلغي الحاجة إلى فحص ما إذا كانت التغطيات المختلفة تمنح الوقائع المتشابهة مستوى متقاربا من التدقيق القانوني والاهتمام بحقوق المتضررين.

المعيار المتماسك ينطلق من الواقعة: من احتج؟ ما مطالبه؟ هل التزم الاحتجاج بالسلمية؟ ماذا فعلت السلطات؟ هل كانت القوة ضرورية ومتناسبة؟ هل باشر القضاء تحقيقا مستقلا؟ وهل وجد المتضررون سبيلا فعالا للإنصاف؟ فقد علقت فرنسا استعمال القنابل الصاعقة بعد يومين من حادثة لانس، وناقشت إسبانيا أزمتها في البرلمان وأمام الناخبين، وينتظر الرأي العام من المغرب تحقيقا مستقلا ينشر نتائجه. بهذه الأسئلة تصبح حقوق الإنسان لغة مشتركة بين العواصم الثلاث.

تستمد حقوق الإنسان مصداقيتها من مساءلة السلطة القريبة والبعيدة بالمنطق نفسه. وميزان واحد للشرطة في باريس ومدريد والرباط يمنح المغرب القراءة المفصلة نفسها التي تحظى بها أوروبا، ويخرج النقاش من منطق الاصطفاف إلى منطق الحقوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *