منتدى العمق

الميداوي وتحولات الوعي: مسؤولية اللغة في الخطاب العمومي

منير لكماني

تشيخ الكلمات عندما يتجدد الوعي ويظل أصحابها أسرى المعاني القديمة. والجدل الذي يواجهه وزير التعليم العالي عز الدين الميداوي يكشف مأزقا يتجاوز التعبير غير الموفق إلى علاقة المسؤول بالزمن الذي يخاطبه. فالمجتمع يتغير، والأشخاص الذين اعتاد الخطاب الحديث باسمهم أصبحوا أقدر على إسماع أصواتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومساءلة السلطة عن المفردات التي تصفهم بها، وعن صورتهم أمام الآخرين.

بدأت الواقعة خلال جلسة مجلس النواب يوم الاثنين 26 أكتوبر، أثناء جواب الوزير عن إحداث جامعة بجهة درعة تافيلالت. وفي حديثه عن الحركية الطلابية ومخاطر الانغلاق المحلي، استعمل عبارة «Mariage mongolien». واليوم، برزت مطالبة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة باعتذار علني وسحب العبارة من المحضر، معتبرة أنها تمس كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة.

وتكشف هذه الواقعة صعوبة مخاطبة مجتمع متغير بلغة توقفت عند تصورات تجاوزها الوعي العام. فتتجدد خبرة الإنسان، وتتسع نظرته إلى نفسه والعالم. وما كان يمر في زمن سابق دون اعتراض قد يواجه اليوم مساءلة مشروعة. وليس معنى ذلك أن الكرامة تتبدل، وإنما أن الوعي بانتهاكها يتسع، وأن الصمت القديم لم يكن شهادة على سلامة الكلمات. واستمرار المؤسسة في أداء رسالتها يقتضي تجدد تصوراتها ومناهج عملها؛ فالوفاء لمبادئها يستلزم مراجعة لغتها كلما كشفت المعرفة ضرر بعض مفرداتها.

فالصفة التي استخدمها الوزير تستدعي تسمية طبية قديمة ارتبطت بمتلازمة داون، وحملت تصورات عرقية تجاوزتها المعرفة العلمية. واستحضارها في تشبيه اجتماعي يعيد إنتاج الوصم، حتى عندما لا تكون الإعاقة موضوع النقاش. والمشكلة أن الإنسان يتحول داخل هذا الاستعمال إلى علامة على الخلل، بينما تختفي شخصيته وقدراته وحياته خلف لفظ يستعير اختلافه ليشرح به ما يريد انتقاده.

ومهما يكن قصد الوزير، فإن المسؤولية العمومية تشمل أثر الكلام. فالمواطن يسمع منصبا يتحدث، ويرى مؤسسة تمنح العبارة سلطة التداول. وتزداد هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بوزير يشرف على الجامعة والبحث العلمي؛ إذ ينتظر منه أن يراجع أدوات التعبير كما يراجع الباحث مفاهيمه، وأن يكون منتبها إلى المسافة التي تفصل المصطلح الموروث عن المعرفة الراهنة.

أما القضية الأصلية، فتستحق نقاشا أكثر دقة وإنصافا. توسيع الحركية الطلابية هدف وجيه، وتقريب الجامعة من الجهات مطلب مشروع. ويمكن الجمع بينهما بسياسة توفر مؤسسات جيدة، ومنحا وسكنا ونقلا يتيح للطلبة حرية الاختيار. أما تقديم البقاء في الجهة باعتباره مدخلا للانغلاق، فيحتاج إلى حجج ومعطيات، خصوصا أن الرحيل للدراسة ليس متاحا بالقدر نفسه لجميع الأسر.

ويكفي أن نتخيل طالبا يتابع الجلسة وله أخ ذو متلازمة داون: ماذا يسمع في التشبيه؟ يسمع اختلاف أخيه مستعملا للتحذير من وضع غير مرغوب فيه. هنا تتضح وظيفة اللغة في صناعة المسافة الاجتماعية. فالإدماج يبدأ أيضا من الكلمات التي تتيح للإنسان أن يرى نفسه عضوا كامل المكانة، ويضعف عندما يصبح اختلافه مادة لتشبيه ينتقص منه.

ولذلك تستند المطالبة بالتصحيح إلى أساس يتجاوز الانزعاج الفردي. فتصدير الدستور يحظر التمييز بسبب الإعاقة، ويلزم الفصل الرابع والثلاثون السلطات بسياسات للإدماج وتيسير التمتع بالحقوق. وتدعو المادة الثامنة من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مكافحة الصور النمطية والتحيزات. وهذه المرجعيات تمنح النقاش معيارا واضحا: على الخطاب الرسمي أن يسهم في إزالة الوصم واحترام الكرامة الإنسانية.

والاعتذار المطلوب يستطيع أن يكون لحظة تعلم مؤسسي: تسمية الخطأ بوضوح، والإقرار بأثره، وتصحيح المعنى أمام الجمهور نفسه. ثم تترجم المراجعة إلى تكوين في التواصل الدامج، وإشراك الأشخاص المعنيين في بناء السياسات الجامعية. أما التشطيب على العبارة وحده، فلن يمحو أثرها من ذاكرة من سمعها؛ فالمحضر يمكن تعديله، والثقة تحتاج إلى فعل يبرهن على استيعاب الدرس. وتبدأ الخطوة بالإنصات إلى الأسر والجمعيات، والتعامل مع اعتراضها بوصفه معرفة بتجربة الأذى، ومساهمة في تحسين أداء المؤسسات.

لقد تغير المجتمع الذي يخاطبه المسؤول، وأصبح أفراده أكثر قدرة على تسمية الجرح والاعتراض عليه. ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة السلطة على التعلم من هذا التحول. فمكانة المسؤول تكبر بمقدار ما يصون كرامة مخاطبيه، والجامعة تكتمل رسالتها عندما يتجدد وعي القائمين عليها. فأجمل ما يفعله العلم أن يحرر العقل من الوهم، وأعدل ما تفعله السياسة أن تحرر الإنسان من الوصم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *