وجهة نظر

دردشة مع الحكومة

دردشة مع الحكومة

لقد واعدت الحكومة في برامجها الانتخابية وبرنامجها الحكومي ومشروع القانون المالي بتغيير مسار الولاية السابقة التي اعتبرت خمس سنوات عجاف، رغم أن الحزب الذي يرأسها كان شريكا استراتيجيا فيما وقع ولم يغير جلده إلا في الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات التشريعية، باستحضار لاعب جديد سلمت له حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، إضافة إلى المسؤولية الأولى على المستوى الرياضي حيث يترأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومسؤوليات دولية وقارية.

بناء على ما ذكر، عبر فريق العدالة والتنمية على رغبته في المساهمة في الإصلاح عمليا انطلاقا من مفهوم المعارضة البانية، وأودع رسميا أربع مقترحات للتقليص من الفساد لدى مكتب مجلس النواب يوم 23 أكتوبر 2026، بناء على الفصل 177 من النظام الداخلي، وهي على الشكل التالي:

1/ الوقاية من تنازع المصالح وتجريم تسريب المعلومات المتميزة.

2/ تجريم الإثراء غير المشروع.

3/ حماية المبلغين عن الفساد.

4/ توحيد التصريح الإجباري بالممتلكات.

إذن فريق العدالة والتنمية بادر إلى تعبيره عن حسن النية في المساهمة في الإصلاح التشريعي الذي يشكل التيمة المركزية في كل إصلاح، فهل ستتعامل الحكومة بجدية في التجاوب مع هذه المبادرة أم أن دار لقمان لم تتغير؟

إن الحكومة التزمت شفويا بإحداث تناغما بين المقاربة الاقتصادية والمالية والأبعاد الاجتماعية، والتقليص من الفوارق المجالية، والجهوية المتقدمة التي تشكل البؤرة التي ستستوعب مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والاستعداد لتنظيم كأس العالم الذي سيشكل تحديا كبيرا أمام دولتين لهم باع كبير في تنظيم هذه التظاهرات الكبرى. فهل ستنجح الحكومة في هذا البناء وهي تتعامل مع اقتراحات المعارضة بنوع من الاستهتار كما وقع في مناقشة البرنامج الحكومي؟ كيف تحدد الحكومة في تنبؤاتها نسبة نمو مرتفعة والمؤشرات تدل عكس ذلك بمنطق أهل التخصص؟ كيف نؤسس هذا الطموح والشرائح الاجتماعية يتغير موقعها من طبقة متوسطة إلى أخرى ضعيفة، ومن فئات فقيرة إلى أخرى هشة؟ لذلك يجب التعامل مع المقترحات التي وضعت من قبل المعارضة من أجل إنجاح بعضا من هذه الأهداف.

إن الولاية السابقة أزمت وضعية المغرب الذي يسير بسرعتين، ويبدو لي أن الخطاب الملكي الافتتاحي في البرلمان بمجلسيه خريط طريق واضحة خاصة عندما ركز على جيل جديد من الاستراتيجيات، فأين يتموقع هذا في البرنامج الحكومي؟ إن الحكومة نهجت منهجية تقليدية لا تساير السياق الإقليمي والدولي من جهة وتكرس سياسة تنازع المصالح مما سيعيق التطور المنشود في مخيلتها، ومن القطاعات التي تئن تحت وطأة التعب والإرهاق نستحضر التربية والتكوين، والصحة العمومية، والتشغيل والتقليص من نسبة البطالة 13 في المئة، وحسن تدبير السيادة الطاقية والغذائية والمائية والرقمية، وإنجاح الجيل الجديد من برامج التنمية البشرية والمستديمة المندمجة في غياب المنتخبين أو تهميشهم، ومواجهة الريع التشريعي والتنظيمي.

إن الحكومة يجب أن تتحرر من الإيديولوجية الضيقة والبحث عن التوافقات بالاستماع الموضوعي للمعارضة في المؤسسة التشريعية، والمجتمع المدني خاصة إخواننا في الخارج التي تمثل ساكنتهم حوالي ستة ملايين نسمة، في إطار التكاملية بين الديمقراطية التمثيلية والتشاركية والمواطنة التي تشكل أسا من أسس التنظيم الدستوري للمملكة، إضافة إلى الفصل بين السلط وتعاونها وتوازنها، وتنزيل قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن التحديات المطروحة هو احترام مؤشرات النمو، وضبط إيقاع الاستثمارات العمومية والخاصة، قانونيا وتنظيميا وأخلاقيا، والجرأة في إصلاح صناديق التقاعد تجنبا لكوارث اجتماعية مؤثرة، والعدل في تحصيل الضرائب، واستحضار ارتفاع النفقات العادية. لقد تعددت البرامج الحكومية لكن دون ترتيب أولوياتها مما سيؤدي إلى أزمة في الهامش المالي. أما الشباب فتطلعاته واضحة وعبر عنها من خلال مراسلات واحتجاجات، وهم يتابعون سيناريو 2026 وما بعده، ولا إخال إلا أزمة بين الطرفين لأن برامج الحكومة محتشمة.

لقد عقدت الجلسة الأولى بمجلس النواب يوم الإثنين 26 أكتوبر2026، ركزت على قطاعين التجارة الخارجية والتعليم العالي، وتابعت عرض الحكومة وتدخلات النائبات والنواب، وسجلت ملاحظات أهمها أنك لا تميز بين تدخلات المعارضة والأغلبية إلى في بعض المحطات، الكل غير راض على العرض الحكومي، لأن الوزير خبر القطاع جيدا، ولكن الخطاب كان متجاوزا، لذلك ركزت التدخلات على أن العجز التجاري مستمر، ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة ضعيفة، ونقص في الاهتمام بالمنتوج المحلي. والغريب في الأمر أن الوزير عمر سنوات في القطاع وما زال يدعي بأننا في فترة انطلاق الحكومة. أما اتفاقيات التبادل الحرة فتلك معضلة كبرى شكلا ومضمونا، لأن الأمر لا يتعلق بتوسيعها، ولكن بتقويمها من حيث العائد والأثر، ويجب ألا نستحضر أثناء التقويم الأبعاد الانتقائية على حسب ميزان القوة.

أما المحور الثاني فالحكومة تغيب الحديث عن الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، والبحث العلمي، والتي صيغت في قانون إطار، فلماذا يغيب هذا المعطى الملكي للأسف الشديد؟ باختصار لأنه صدر في ولاية يترأسها العدالة والتنمية بأمر ملكي. أبهذا المنطق سنبني بلادنا؟ لقد أكد هذا الإهمال من خلال تغييبه في البرنامج الحكومي، مما سيساعد المسؤولين الحكوميين نهج نفس المنهج احتراما للتشبث بمقتضيات البرنامج الحكومي ولوكان خاطئا. إن اعتماد الاستراتيجية وقانون الإطار سيحددان البوصلة التي يجب على المغرب احترام فلسفتها وإطارها المرجعي خاصة الدستور، ويعين المسؤولين والمتتبعين والخبراء على تتبع المخططات، وتبسيط طرق الحكامة، ووضع مناهج مندمجة، والمساعدة على التقويم، ووضوح الخرائط المرتقبة، إذن إبعاد هذه المرجعيات ستظل دار لقمان على حالها. كما تناولت المعارضة غياب العدالة المجالية على مستوى التعليم العالي. فهل هناك إنصاف بين الجهات على مستوى الخريطة الجامعية؟ وما حظ الجهات من التكوين الذي من الضروري أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجهة والعمالات والأقاليم المكونة لها؟ كيف نواجه الهدر التعليمي عامة وعلى جميع المستويات والتي تنعكس حتما على الهدر الزمني.

إن الحكومة في انطلاقاتها الأولية خاصة الرئيسة التي من الواجب أن تستوعب الجميع لأنها عينت من قبل جلالة الملك، ووضعت فيها الثقة، كشرت على أنيابها وأرادت أن تعيد التاريخ إلى الوراء، وتعاملت بأفق ضيق للأسف الشديد، ونسيت بأنها كانت مشاركة رفقة حزبها في الولاية المظلمة السابقة، خاصة ما يخالف التوجهات الملكية الواردة في خطابي عيد العرش 2026 وافتتاح البرلمان.

نخلص من هذه الدردشة الأولية أن هناك اختلالات أثناء انطلاق الحكومة دستورية وقانونية وتنظيمية وأخلاقية تمس السياسة الراقية والاختيار الديمقراطي، متمنين أن تتدارك الحكومة هذه الأخطاء وتعطي رسائل للحوار الفعال بين السلطة التشريعية والتنفيذية في إطار احترام الاختيار الديمقراطي الذي يشكل ثابتا من ثوابت الأمة الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *