حين انطفأت البوصلة: كيف تبدل وجدان المغرب؟

تغيب عن البيوت أشياء عزيزة، ولا يمشي في جنازتها أحد. تغادر المدارس والشاشات خطوة خطوة، وتمر السنون، ثم نلتفت فنرى الجدران قائمة في مواضعها والروح راحلة.
ذلك ما جرى لعلاقتنا بالمغرب. بقيت البلاد على حالها، وتبدل الوجدان الذي كان يشدنا إليها. وانطفأت البوصلة التي ترشد الخطى إلى الدار.
شبّ جيل سابق على يقين بسيط: يخاصم المرء جاره ويبقى ابن الحي نفسه. كانت السياسة خصومة، والدين سكينة، والمدرسة درجا يصعد منه ابن الفقير إلى مكانته، والإعلام صوت البلد يحدث نفسه. وقفت المجالات عند حدودها، وأدت المؤسسات وظائفها، وصانت الكلمة وزنها. وفي تلك الأيام عيوب كثيرة: احتكر تلفاز واحد الصورة، وضاقت المدرسة بالمختلف، وبقيت الفوارق قائمة خلف الأبواب. ومع ذلك جمعت الناس ساحات مشتركة، يختلفون فيها ويتصالحون.
ثم تداخلت الحدود. دخلت السياسة مواطن الروح، وزحفت التجارة على مواطن الرأي، وزاحمت الشهرة التربية. وصارت الشاشة تهب الحضور لمن يملك جاذبية الانتباه، وتهب الغياب لمن يملك ما يستحق السماع. وتبدل شكل المجتمع دون أن يصدر بذلك قرار.
جمعت المدرسة القديمة أبناء الحي أمام سبورة واحدة. جلس ابن الطبيب قرب ابن الأجير، ووقف ابن الموظف مع ابن الحرفي في صف واحد، ودخل الجميع من باب واحد نحو مستقبل يتخيلونه متقاربا. تعلم الطفل فيها اسمه ولغته وتاريخ بلده، وعرف أبناء بيئات مختلفة، فاكتشف أن الوطن فكرة يعيشها الناس معا، لأنها تجلس إلى جواره في المقعد نفسه.
اتسعت الفوارق اليوم بين المؤسسات، وتمدد التعليم الخاص، وصار اختيار المدرسة في حالات كثيرة صدى لقدرة الأسرة المالية. فيتعلم الطفل داخل دائرة تشبه بيته. ومع انحسار الاختلاط تنحسر معرفة الناس ببعضهم، ويذبل الخيال الاجتماعي. يحتاج الإنسان إلى رؤية حياة الآخرين ليفهم مجتمعه، وإلى الاحتكاك ليدرك أن الوطن شبكة من المصالح والآمال والتجارب، وأن الصورة الواحدة المعلقة على الجدار تضيق به.
أما الدين فسلك طريقا آخر. ارتبط حضوره الشعبي بالسكينة والعبادة والتربية الأسرية. دخل الناس المسجد من باب الطمأنينة، ودخلت الموعظة البيوت من باب البساطة، وبقيت بين الإنسان وربه مساحة فسيحة تستغني عن الكاميرا.
ثم فرضت الصورة نفسها على المجال الديني، وانتقلت إلى الوعظ لغة المشاهدة والمشاركة والانتشار. صار عدد المتابعين علامة على المكانة، ومنحت سرعة التداول بعض الأصوات نفوذا واسعا على القلوب. الفكرة التي تطلب التأمل تذبل تحت ضغط السرعة، والفتوى التي ترتكز على العلم تصير أحيانا مادة للجدل، والخطاب الهادئ يواجه اقتصاد انتباه يكافئ الصدمة ويوقظ الانفعال. الجملة الحادة تسبق الفكرة المركبة، والموقف الغاضب يسافر بين الناس خفيفا.
الدين سالم في جوهره، والخلل في طريقة استهلاكه. عندما تصير المقدسات مادة للمعارك الرقمية، يصبح الدين طرفا في صراع الجمهور، وتفقد الروح هدوءها القديم.
ثم دخلت الشاشة البيوت، فتغير معها شكل الاجتماع. كان التلفاز القديم مؤسسة ذات سلطان، ببث محدود وبرامج قليلة ومجتمع يتابع المواد نفسها، فتشكلت ذاكرة مشتركة من أغان وأفلام وأخبار ومواعيد يعرفها الناس معا.
واليوم انقسمت الشاشة إلى ملايين الشاشات. صار للفرد عالمه الخاص، تقوده خوارزمية تعرف ما يحب وما يثيره وما يبقيه أمامها زمنا مديدا. تحولت الجماعة إلى جماعات صغيرة، ثم إلى أفراد، ثم إلى عوالم منعزلة. يسكن الجاران الشارع نفسه، ويخرجان من اليوم نفسه بواقعين ثقافيين متباعدين. تجمعهما الجغرافيا وتفرقهما الخوارزميات.
وانكسرت بوابة الإعلام. حفظ الإعلام القديم، على عيوبه السياسية والمهنية، فكرة المحرر: شخص يقف بين الجمهور والخبر، يقرأ ويفحص ويختار ويراجع، ثم يقرر ما يستحق الوصول إلى الناس. أما الإعلام الرقمي فهدم البوابة، وصار بوسع أي شخص أن يصنع جمهورا من هاتفه. تحولت الشهرة إلى معيار قائم بذاته، وصار إتقان الاستفزاز طريقا إلى الحضور. كانت القدوة تنضج على مهل عبر سنوات، وتكفيها اليوم لقطة واحدة.
وجاء دور السياسة. عاش السياسي القديم داخل مؤسسات ثقيلة: الحزب والنقابة والبرلمان والجريدة والجامعة والمناظرة، وكان الخلاف يستند إلى تنظيم. أما السياسة الرقمية فتطلب السرعة: تغريدة تشعل معركة، ومقطع قصير يحل محل برنامج سياسي. حلت المبارزة محل النقاش الطويل، وصار السياسي مطالبا بالظهور الدائم، والمواطن مطالبا بموقف فوري. فضاقت المسافة بين الرأي والانفعال، وصار الاصطفاف يسبق القراءة. ودخل بعض الناس السياسة من باب الهوية قبل باب البرنامج، فصار سؤال «مع من أنت؟» يعلو سؤال «ماذا تقترح؟».
ربما لهذا يشعر كثيرون بأن شيئا انكسر. وللعصر فضائل نعرفها: يصل الطالب إلى الكتاب في لحظات، ويقول الإنسان رأيه طليقا، وتنفتح أمامه تجارب العالم. لكن الوفرة نفسها ولدت فقرا اسمه فقر البوصلة.
أمام الطفل ملايين الصور وقليل من البوصلة. أمام المراهق آلاف الأصوات وقليل من المعايير. أمام الشاب مساحات واسعة للاختيار ومؤسسات واهنة تعينه على فهم اختياره. ورث الحرية ومعها الضجيج، وورث أبوابا كثيرة، فاحتاج إلى معرفة الباب الذي يقوده إلى نفسه.
ودخلت الوطنية الدوامة نفسها. ارتبطت عند الأجيال السابقة بالتراب والحي والمدرسة والأغنية والعلم وذاكرة العائلة، وسكنت الوجدان قبل أن تصير موقفا سياسيا. واليوم ربطتها بعض الخطابات بالمعسكر: من يصفق لك وطني، ومن ينتقدك يقف خارج الصف. فتحولت الوطنية من انتماء إلى بطاقة عضوية.
الوطنية الحقيقية ترحب بالنقد وتغتني به. من يحب بلده يرى عيوبه، ويغضب لأجلها، ويحلم بإصلاحها، ويبقى قلبه معلقا بالأرض نفسها. يتغذى حب الوطن على الذاكرة والعدالة والكرامة.
فلماذا تركنا هذا التحول يمر؟ لأن الأدوات سبقتنا. كبر الهاتف والتلفاز والإنترنت والمنصات والشهرة، وكبرت معها المتاهات، وتأخرت الرؤية عن اللحاق بها. وبقي الإنسان يسأل سؤالا قديما جدا: ما الذي يجمعنا؟
يحتاج المغرب إلى استعادة فكرة المشترك: مدرسة تجمع أبناء المجتمع تحت سقف واحد، وإعلام يمنح المعرفة مكانتها أمام الإثارة، ودين يصون قداسته أمام اقتصاد المشاهدة، وسياسة تفسح للعقل مجالا أمام الاصطفاف، وثقافة وطنية تتيح للمغربي أن يحب بلده دون أن يستأذن أحدا. المطلوب اتفاق جديد بين البلد وأبنائه، يأخذ من العصر هواتفه ويحفظ للبيت حكاياته. الشاشة تفتح للطفل العالم، والحكاية العائلية تعرفه بمكانه فيه، وحرية التعبير تثمر إذا صحبتها تربية على المسؤولية.
المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصير طيّعا لأي يد، والذي يفقد لغته المشتركة يعجز عن الحوار، والذي يفقد معاييره يترك أبناءه في سوق مفتوحة للقيم، يربح فيها صاحب الحضور الصاخب ويخسر صاحب الأثر العميق. وأزمة الهوية اليوم أزمة علاقة بين الإنسان والمؤسسات التي صاغت وعيه.
ومتى استعادت المدرسة معناها، والإعلام مهنته، والدين هدوءه، والسياسة احترامها للاختلاف، استعاد المغربي خيطا انقطع منذ سنوات. خيط رفيع يصل الطفل بالرجل الذي سيصير إليه، ويصل الفرد بمجتمعه، والذاكرة بالمستقبل، والإنسان بالأرض التي منحته اسمه.
تضيء البوصلة من جديد، عندئذ يعرف المغربي أي باب يقوده إلى نفسه.
اترك تعليقاً