وجهة نظر

الرضاعة الطبيعية في المجتمع المغربي

هشام بوقشوش

الجزء الأول

لا يمكن اختزال الرضاعة الطبيعية في المجتمع المغربي في كونها ممارسة بيولوجية مرتبطة بتغذية الرضيع ونموه، كما لا يمكن فهم التحولات التي عرفتها باعتبارها مجرد انتقال من نمط طبيعي في التغذية إلى نمط اصطناعي تفرضه إيقاعات الحياة المعاصرة. فالرضاعة، بما تنطوي عليه من أبعاد جسدية ونفسية وثقافية واجتماعية، تشكل مدخلا سوسيولوجيا خصبا لفهم التحولات التي مست الأمومة، وأعادت تشكيل العلاقة بين المرأة وجسدها، وبين الأسرة ومؤسسات الرعاية، وبين المعرفة المتوارثة والخطاب الطبي الحديث، وبين الحاجات الفعلية للأمهات والانتظارات الاجتماعية التي تحيط بهن.

إنها ممارسة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الأم والطفل لتكشف عن شبكة من التفاعلات التي تتداخل فيها أنماط التنشئة الاجتماعية، وتوزيع الأدوار داخل الأسرة، والتحولات المهنية والاقتصادية، وتمثلات الجسد الأنثوي، وتأثيرات السوق والإعلام الرقمي، وتدخل الدولة في تنظيم شروط الصحة والوقاية. ومن ثم، فإن السؤال السوسيولوجي لا يتعلق فقط بأسباب إقبال الأمهات على الرضاعة الطبيعية أو إحجامهن عنها، ولا بالعوامل التي تدفع بعضهن إلى استعجال الفطام، وإنما يتجه أساساً إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية التي تجعل الرضاعة الطبيعية ممارسة ممكنة لدى بعض النساء، وشاقة أو متعذرة لدى أخريات، كما يتساءل عن الكيفية التي تتحول بها التوصيات الطبية إلى اختيارات يومية، وعن المسافة التي قد تنشأ بين ما تقرره المعرفة العلمية وما تسمح به شروط الحياة الفعلية.

لقد احتلت الرضاعة الطبيعية، في قطاعات واسعة من المجتمع المغربي التقليدي، موقعا ضمن منظومة متكاملة للرعاية والتنشئة، ارتبطت فيها الأمومة بالتجربة المتوارثة والتضامن العائلي وتبادل الخبرات بين النساء. وكانت المعارف المتعلقة بتغذية الرضيع والعناية به تنتقل، في كثير من الحالات، عبر الملاحظة والمحاكاة والنصيحة، من الأمهات والجدات إلى الأمهات الجديدات، داخل فضاء اجتماعي كانت الأسرة الممتدة والجوار والروابط النسائية تشكل مكونات أساسية منه.

ولم تكن هذه المعارف مجرد وصفات عملية منفصلة عن سياقها، بل كانت جزءا من رصيد ثقافي متجسد في الممارسات اليومية، وفي التصورات المتعلقة بما ينبغي أن تكون عليه الأمومة، وبكيفية الاستجابة لبكاء الطفل، وتفسير حاجاته، والتعامل مع صعوبات الرضاعة، وتحديد توقيت الفطام. ويمكن مقاربة هذا الرصيد من خلال مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو، باعتباره منظومة من الاستعدادات المكتسبة التي تتشكل عبر التنشئة والخبرة، وتوجه الممارسة من دون أن تتطلب بالضرورة وعياً صريحا بقواعدها. فالمرأة لا تدخل تجربة الأمومة بوصفها ذاتا بيولوجية مجردة، وإنما تحمل معها حصيلة من التمثلات والتوقعات والمهارات التي اكتسبتها داخل محيطها الاجتماعي، ثم تعيد اختبارها وتعديلها في ضوء تجربتها الخاصة والظروف التي تعيشها.

غير أن استحضار المكانة التي احتلتها الرضاعة الطبيعية في الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد رومانسي للموروث، أو إلى افتراض أن الممارسات التقليدية كانت دائما أكثر ملاءمة لصحة الأم والطفل. فالمعرفة المتوارثة، على الرغم من أهميتها في توفير الدعم العملي والعاطفي، لم تكن بمنأى عن التناقضات، إذ أمكن للتضامن العائلي أن يتحول أحياناً إلى شكل من أشكال الوصاية على الأم، كما أمكن لبعض الأعراف والمعتقدات أن تؤثر في قرارات الرضاعة والفطام بعيدا عن التقييم الصحي المتخصص.

وكانت المرأة تجد نفسها، في بعض الحالات، مطالبة بالامتثال لما تعتبره الجماعة سلوكا أموميا مقبولا، حتى عندما تتعارض التوقعات العائلية مع تجربتها الجسدية أو مع حاجاتها الفعلية. ومن ثم، فإن الموروث الثقافي لا يمثل كتلة متجانسة من القيم والممارسات، وإنما يشكل مجالا للتفاعل والتفاوض والتضاد، تتجاور داخله أشكال الدعم مع آليات الضبط، وتتداخل فيه الخبرة المتراكمة مع التفسيرات التي قد تحتاج إلى مراجعة في ضوء المعرفة العلمية.

أما التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، فقد أعادت تشكيل الشروط التي تنتظم داخلها الرضاعة الطبيعية، بفعل تغير البنية الأسرية، واتساع مشاركة النساء في التعليم والعمل المأجور، وتحول أنماط السكن، وتنامي الاستهلاك، وتطور الخدمات الصحية، وانتشار وسائل الاتصال الرقمي. وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة توزيع مصادر المعرفة المتعلقة بالأمومة، فلم تعد الأسرة الممتدة المرجع الوحيد الذي تستند إليه المرأة في تدبير تجربة الرضاعة، بل أصبحت المؤسسات الصحية والمختصون والمنصات الرقمية والإعلانات التجارية ومجموعات الأمهات مصادر متنافسة لإنتاج المعلومات وتوجيه الاختيارات.

وبذلك انتقلت الرضاعة، في عدد من السياقات، من ممارسة تندرج ضمن العادات اليومية المألوفة إلى موضوع للاختيار والمفاضلة والتبرير، تتداخل فيه القناعات الصحية مع الحسابات المهنية والاقتصادية، وتتفاعل فيه الرغبات الشخصية مع توقعات المحيط الاجتماعي. ولا يعني هذا التحول أن الأمهات المعاصرات أقل اهتماما بصحة أطفالهن، أو أن تراجع الرضاعة الطبيعية، حيثما ثبت، يعكس بالضرورة تراجعا في قيم الأمومة، بل يعني أن شروط ممارسة الرعاية قد تغيرت، وأن ما كان ممكنا في سياق اجتماعي معين قد يصبح أكثر صعوبة في سياق آخر.

وتكشف هذه التحولات عن مفارقة أساسية تتمثل في أن تطور المعرفة الطبية بشأن منافع الرضاعة الطبيعية لم يصاحبه بالضرورة تحسن متكافئ في الشروط الاجتماعية التي تسمح للأمهات بممارستها. فبينما تؤكد التوصيات الصحية أهمية الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، ثم مواصلتها مع إدخال الأغذية التكميلية المناسبة ابتداءً من الشهر السادس وحتى عمر سنتين أو أكثر، بحسب الإمكانات والظروف، قد تواجه الأم إكراهات تتصل بالعودة إلى العمل، أو بغياب الدعم الأسري، أو بصعوبة الحصول على استشارة متخصصة، أو بالألم والإرهاق والقلق بشأن كفاية الحليب.

وهنا يتعين التمييز بين المعرفة الصحية من جهة، والقدرة الاجتماعية على تحويل هذه المعرفة إلى ممارسة من جهة أخرى؛ إذ لا يكفي أن تعرف المرأة أهمية الرضاعة الطبيعية حتى تتمكن من الاستمرار فيها، ما لم تتوافر لها الشروط المادية والزمنية والصحية والنفسية الملائمة. ولذلك فإن تفسير الممارسات الغذائية للرضع انطلاقا من مستوى الوعي وحده يظل تفسيرا قاصرا، لأنه يغفل أن الاختيارات الفردية تتشكل داخل بنية من الفرص والقيود التي لا تتوزع بالتساوي بين النساء.

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند تحليل الإحجام عن الرضاعة الطبيعية، الذي كثيرا ما يفسر من خلال تصورات تختزل القرار في ضعف الوعي الصحي، أو تفضيل الراحة، أو التأثر بأنماط الاستهلاك الحديثة. غير أن الإحجام قد يرتبط بعوامل ذاتية متعددة، منها الخوف من الألم، أو تجارب سابقة صعبة، أو القلق بشأن كمية الحليب، أو الإرهاق الجسدي والنفسي، أو الرغبة في استعادة قدر من الاستقلالية الجسدية وتنظيم الزمن الشخصي. وقد يرتبط، في حالات أخرى، بأسباب صحية تستدعي تقييما متخصصا، أو بظروف مهنية وأسرية تحد من إمكانية الاستمرار في الرضاعة. ولا ينبغي التعامل مع هذه العوامل بوصفها مؤشرات على ضعف الارتباط العاطفي بالطفل، لأن الأمومة لا تختزل في طريقة واحدة للتغذية، كما أن العلاقة الوجدانية بين الأم وطفلها لا يمكن قياسها حصراً بمدة الرضاعة أو بنمطها.

ويقتضي التحليل السوسيولوجي، في هذا السياق، التمييز بين الرغبة في الرضاعة والقدرة الفعلية على ممارستها. فقد تكون الأم مقتنعة بمنافع الرضاعة الطبيعية، لكنها لا تجد الوقت أو الدعم اللازمين للاستمرار فيها، وقد ترغب في مواصلتها لكنها تواجه ألما أو صعوبات تحتاج إلى مواكبة صحية، وقد تتوقف عنها لأن شروط عملها لا تسمح لها بتنظيم الرضعات أو بسحب الحليب وتخزينه بصورة ملائمة.

وفي هذه الحالات، لا يعود السؤال الأكثر إنتاجية هو لماذا لم تواصل الأم الرضاعة، بل ما الشروط التي كان ينبغي توفيرها حتى تتمكن من مواصلتها؟ إن نقل السؤال من مستوى المحاسبة الفردية إلى مستوى تحليل الشروط الاجتماعية لا يلغي مسؤولية الاختيار، وإنما يضعها في سياقها الواقعي، ويكشف الحدود التي تفصل بين ما ترغب فيه المرأة وما تستطيع إنجازه في ظل الموارد المتاحة لها.

وتبرز أهمية هذا التمييز عند النظر إلى التوزيع الاجتماعي للعمل الرعائي، الذي ما يزال في كثير من الأسر المغربية يميل إلى تحميل المرأة النصيب الأكبر من مسؤولية رعاية الطفل، حتى عندما تكون منخرطة في العمل المأجور أو تتحمل مسؤوليات مهنية متعددة. فقد تجد الأم نفسها مطالبة بالرضاعة، والسهر، والتعامل مع حاجات الطفل اليومية، والقيام بالأعمال المنزلية، والمحافظة في الوقت نفسه على التزاماتها المهنية، من دون أن يقابل ذلك توزيع عادل للمسؤوليات داخل الأسرة.

وبهذا المعنى، تتحول الرضاعة إلى إحدى النقاط التي تتجلى عندها التوترات بين المساواة في المجال العام واستمرار اللامساواة في المجال الخاص. فالمرأة التي أصبحت أكثر حضورا في التعليم والعمل لا تتحرر بالضرورة من التصورات التي تجعل الرعاية امتدادا طبيعيا لمسؤوليتها الفردية، وقد تجد نفسها أمام مطالب متناقضة: أن تكون أما متفرغة عاطفيا وجسديا، وأن تكون عاملة منتجة ومستقلة اقتصاديا، وأن تنجح في التوفيق بين المجالين من دون أن تتوافر لها دائما شروط هذا التوفيق.

ومن منظور سوسيولوجيا النوع الاجتماعي، لا يمكن فهم الصعوبات التي تواجه الرضاعة الطبيعية بمعزل عن هذه البنية غير المتكافئة لتوزيع الوقت والجهد والمسؤولية. فالأب، والأسرة، ومؤسسات العمل، والخدمات الصحية، والسياسات الاجتماعية، جميعها أطراف يمكن أن تسهم في تيسير الرضاعة أو تعقيدها. وعندما تترك الأم وحدها في مواجهة هذه المطالب، يصبح تشجيع الرضاعة الطبيعية خطابا يحملها مسؤولية إضافية بدل أن يوفر لها شروط الدعم. لذلك فإن المقاربة الأكثر عدالة لا تجعل الرضاعة واجبا أنثويا معزولا، بل تعتبرها جزءا من منظومة أوسع للرعاية المشتركة، يكون فيها دعم الأم وتقاسم الأعباء وتوفير الظروف الملائمة مسؤولية اجتماعية ومؤسساتية، لا مجرد مسألة تتعلق بإرادتها الشخصية.

ولا تنفصل هذه الإشكالية عن التمثلات الاجتماعية التي تجعل الرضاعة الطبيعية أحد المعايير الرمزية للحكم على جودة الأمومة. فقد تتحول الرضاعة، في بعض الخطابات العائلية والاجتماعية، من ممارسة ذات فوائد صحية إلى علامة على التضحية والتفاني والارتباط بالطفل، ويصبح الالتزام بها مؤشرا على كون المرأة أما صالحة، في حين ينظر إلى التوقف عنها باعتباره دليلا على التقصير أو ضعف المسؤولية.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفهوم العنف الرمزي عند بورديو، حيث لا تعمل الهيمنة دائما بواسطة الإكراه المباشر، بل قد تتجسد في معايير اجتماعية تبدو طبيعية وبديهية، وتجعل المرأة تتبنى نظرة المجتمع إلى ذاتها، فتشعر بالذنب أو النقص عندما تعجز عن مطابقة النموذج المثالي للأمومة. ويشتد هذا الضغط حين تتجاهل الأحكام الاجتماعية التفاوت بين النساء في الظروف الصحية والمهنية والاقتصادية، وتفترض أن جميع الأمهات يمتلكن الموارد نفسها والقدرة نفسها على الاستمرار في الرضاعة.

إن نقد هذه المعايير لا يعني التقليل من القيمة الصحية للرضاعة الطبيعية، بل يعني الفصل بين التوصية الطبية المستندة إلى الأدلة وبين تحويلها إلى أداة للمحاسبة الأخلاقية. فالدعوة إلى الرضاعة الطبيعية لا تستلزم وصم الأمهات اللواتي يتعذر عليهن الاستمرار فيها، ولا تبرر اختزال جودة الأمومة في نمط واحد من التغذية.

كما أن الاعتراف باستقلالية المرأة لا يعني تجاهل الأدلة العلمية أو التعامل مع جميع أنماط تغذية الرضع باعتبارها متساوية في المنافع الصحية؛ بل يقتضي توفير المعلومات الدقيقة والمشورة الملائمة، وتمكين الأم من اتخاذ قرار مستنير، مع احترام الحالات التي تستدعي تدخلا طبيا أو اللجوء إلى بدائل غذائية مناسبة. وبذلك يمكن الانتقال من نموذج الأمومة الذي يقوم على الامتثال لمعيار اجتماعي موحد إلى تصور أكثر إنصافاً، يجعل حماية صحة الطفل ومراعاة صحة الأم وكرامتها مرتكزات متكاملة.

الجزء الثاني

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة الفطام المبكر أهمية خاصة، لأنه لا يمثل مجرد توقف عن الرضاعة، بل يشير إلى انتقال في تنظيم العلاقة بين الأم والطفل وفي أنماط التغذية والرعاية داخل الأسرة. فقد يرتبط الفطام بتصورات ثقافية حول السن المناسبة له، أو بنصائح متوارثة، أو بضغط المحيط العائلي، كما قد يرتبط بعودة الأم إلى العمل، أو بصعوبات الرضاعة، أو باعتبارات صحية تستدعي تقييما متخصصا.

ولذلك فإن وصف الفطام بأنه مبكر ينبغي أن يستند إلى المعايير الصحية المناسبة وعمر الطفل وظروفه، لا إلى أحكام أخلاقية مسبقة. كما ينبغي التمييز بين الفطام وبين إدخال الأغذية التكميلية، لأن التوصيات الصحية تدعو إلى بدء الأغذية التكميلية المناسبة ابتداءً من الشهر السادس مع مواصلة الرضاعة الطبيعية إذا أمكن، وليس إلى استبدالها بصورة تلقائية بمجرد بلوغ الطفل هذا العمر.

ويكشف الفطام المبكر، من منظور سوسيولوجي، عن التضاد بين الزمن البيولوجي الذي يتصل بحاجات الطفل ونموه، والزمن الاجتماعي الذي تنظمه إيقاعات العمل ومتطلبات الحياة اليومية. فعندما تفرض ظروف العمل على الأم العودة إلى نشاطها المهني من دون ترتيبات مناسبة للرضاعة، أو عندما تفتقر الأسرة إلى خدمات الرعاية والدعم، قد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى إعادة تنظيم تغذية طفلها على نحو لا يعكس بالضرورة تفضيلها الأصلي. وهكذا يصبح الفطام، في بعض الحالات، مؤشرا على التوتر بين متطلبات الإنتاج ومتطلبات الرعاية، وبين الزمن الذي تحتاج إليه الأم والطفل والزمن الذي تفرضه المؤسسات الاقتصادية. غير أن هذه القراءة لا تعني اعتبار كل فطام مبكر نتيجة للإكراه، لأن بعض الحالات قد ترتبط باختيارات واعية أو بضرورات صحية، وإنما تدعو إلى تحليل الدوافع والسياقات بدل تعميم تفسير واحد على تجارب مختلفة.

وتزداد هذه التحولات تعقيدا مع اتساع حضور السوق في مجال تغذية الرضع، حيث لم تعد البدائل الاصطناعية مجرد منتجات غذائية، بل أصبحت جزءا من اقتصاد للرعاية تتداخل فيه الشركات المصنعة والإعلانات وقنوات التوزيع والتمثلات الاستهلاكية للحداثة والراحة والكفاءة. فالسوق لا يكتفي بتوفير المنتجات، وإنما يشارك أيضا في تشكيل تصورات الأسر عن حاجاتها وعن الوسائل المناسبة لتلبيتها.

وقد تقدَّم بعض البدائل في الخطابات التجارية باعتبارها حلولا عملية تتيح مرونة أكبر في تدبير الرعاية أو تسهّل تقاسم التغذية بين أفراد الأسرة، وهي تصورات قد تجد صدى لدى الأمهات اللواتي يعشن ضغطا مهنيا أو يفتقرن إلى الدعم الكافي. لكن هذه الرسائل قد تصبح إشكالية عندما توحي بأن المنتجات الاصطناعية تضاهي الرضاعة الطبيعية في جميع الظروف، أو عندما تستخدم مخاوف الأمهات بشأن كفاية الحليب لتوجيه اختياراتهن نحو الاستهلاك.

ومع ذلك، لا يصح اختزال الرضاعة الاصطناعية في كونها نتيجة للتسويق أو تعبيرا عن استهلاك غير مسؤول، لأنها قد تكون ضرورية في بعض الحالات أو ملائمة بعد تقييم الظروف الصحية والغذائية. كما أن استعمالها لا يدل بالضرورة على غياب الوعي أو ضعف الارتباط بالطفل. والمطلوب سوسيولوجياً هو تحليل الكيفية التي تؤثر بها السوق في الاختيارات، والتمييز بين الحاجة الفعلية إلى البدائل وبين التأثيرات التجارية التي قد تخلط بين المعلومات الصحية والمصالح الاقتصادية.

ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة في ضوء المدونة الدولية لتسويق بدائل حليب الأم، التي تهدف إلى حماية الأسر من الممارسات التسويقية التي قد تقوض الرضاعة الطبيعية أو تقدم معلومات مضللة بشأن بدائلها. فحماية حرية الاختيار لا تتحقق بمجرد تعدد المنتجات المتاحة، بل تتطلب أن تكون المعلومات المقدمة بشأنها دقيقة، وأن تكون التوصيات الصحية مستقلة عن المصالح التجارية، وأن تتوافر للأمهات إمكانية الوصول إلى المشورة المهنية الموثوقة.

وقد أضافت المنصات الرقمية بعداً جديداً إلى هذا المجال، إذ أصبحت فضاءات لتبادل تجارب الرضاعة، وطلب النصائح، وبناء مجتمعات للدعم المتبادل بين الأمهات. وقد تسهم هذه الفضاءات في تخفيف الشعور بالعزلة، وتوفير معلومات مفيدة، وتعزيز الثقة لدى النساء اللواتي يواجهن صعوبات في الرضاعة. لكنها قد تتحول أيضا إلى مصدر للقلق والمقارنة والضغط الرمزي، حين تعرض التجارب الفردية باعتبارها قواعد عامة، أو تنتشر ادعاءات غير دقيقة بشأن كفاية حليب الأم، أو تقدَّم الرضاعة الطبيعية بوصفها معيارا أخلاقيا للتفوق الأمومي.

وهكذا يصبح المجال الرقمي فضاء تتنافس داخله سرديات متعددة حول الأمومة والجسد والصحة، وتتداخل فيه المعرفة الطبية مع الخبرة الشخصية والخطاب التجاري والمقارنة الاجتماعية. ومن ثم، فإن تعزيز الثقافة الصحية الرقمية لا يقل أهمية عن التثقيف الصحي التقليدي، لأنه يساعد الأمهات على التمييز بين الدليل العلمي والرأي الشخصي، وبين النصيحة العامة والتوجيه الطبي الذي يراعي خصوصية كل حالة.

ولا يمكن فهم التحولات التي تعرفها الرضاعة الطبيعية في المغرب من دون تحليل دور الدولة والمؤسسات الصحية في إعادة تنظيم الممارسات وتوجيه السلوك. فالتوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، التي تدعو إلى بدء الرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة، والاقتصار عليها خلال الأشهر الستة الأولى، ثم مواصلتها مع الأغذية التكميلية حتى عمر سنتين أو أكثر إذا أمكن، تستند إلى أدلة صحية تؤكد أهمية الرضاعة الطبيعية في تغذية الرضع ودعم نموهم وحمايتهم من عدد من المخاطر الصحية.

غير أن انتقال هذه التوصيات إلى الواقع الاجتماعي لا يتحقق بمجرد نشرها أو تكرارها في حملات التحسيس، بل يتوقف على جودة الخدمات الصحية، ومدى تأهيل المهنيين لمواكبة الأمهات، وتوافر الدعم بعد الولادة، وقدرة المؤسسات على التعامل مع الصعوبات التي تعترض استمرار الرضاعة.

وتشير بيانات منشورة عن المغرب إلى أن معدل الرضاعة الطبيعية الحصرية ارتفع من 27.8 في المائة سنة 2011 إلى 35 في المائة سنة 2018، كما ارتفعت المدة الوسيطة للرضاعة من 14.3 إلى 17.4 شهراً وفق المصدر المؤسسي المشار إليه. وتتيح هذه المؤشرات مدخلاً لفهم تطور الممارسة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير العوامل التي أسهمت في هذا التغير أو لتحديد وضع الرضاعة الطبيعية في الوقت الراهن.

كما أن الرضاعة الحصرية والمدة الإجمالية للرضاعة مؤشّران مختلفان، وينبغي عدم الخلط بينهما عند تقييم السياسات الصحية. وتظل الحاجة قائمة إلى بيانات وطنية حديثة ومفصلة بحسب المجال الجغرافي والوضع المهني والمستوى التعليمي والظروف الاقتصادية، حتى يمكن تحديد الفوارق الاجتماعية في الممارسة، ورصد الفئات التي تواجه صعوبات أكبر، وتقييم أثر التدخلات الصحية والاجتماعية.

وعلى المستوى القانوني، يعترف التشريع المغربي بحقوق تتصل بحماية الأمومة والرضاعة في مجال العمل، بما في ذلك الاستراحة المخصصة للرضاعة وفق الشروط المحددة قانونا. غير أن وجود الحق في النص لا يضمن بالضرورة القدرة على ممارسته في الواقع؛ فقد تواجه بعض النساء صعوبات مرتبطة بطبيعة العمل أو بعد المسافة بين مقر العمل ومكان وجود الطفل، وقد تفتقر بعض المؤسسات إلى فضاءات مناسبة لسحب الحليب وحفظه، كما قد تكون العاملات في أوضاع مهنية هشة أقل قدرة على المطالبة بحقوقهن. ومن هنا، فإن تقييم السياسة العمومية ينبغي ألا يقتصر على وجود النصوص القانونية أو الحملات التوعوية، بل يتعين أن يشمل مدى تفعيل الحقوق، وجودة خدمات المواكبة، وتوافر شروط الرضاعة في أماكن العمل، ومدى وصول النساء في مختلف الأوساط الاجتماعية إلى المعلومات والخدمات الضرورية.

إن الدولة التي تدعو إلى تشجيع الرضاعة الطبيعية مطالبة بأن تتجاوز منطق توجيه السلوك الفردي إلى بناء شروط اجتماعية ومؤسساتية تساعد على ممارسته. ويشمل ذلك دعم الأم خلال فترة ما بعد الولادة، وتعزيز التكوين المتخصص لدى مهنيي الصحة، وتطوير خدمات الاستشارة، ومراقبة الممارسات التسويقية لبدائل حليب الأم، وتحسين تطبيق الحقوق المرتبطة بالرضاعة في أماكن العمل، وتوفير معلومات صحية موثوقة وميسرة.

كما يقتضي الأمر مراعاة التفاوتات بين الأمهات، لأن خطاباً صحيا موحدا قد لا يكون كافيا في مجتمع تتباين فيه الموارد الاقتصادية والظروف المهنية ومستويات التعليم والولوج إلى الخدمات. ومن ثم، فإن العدالة الصحية لا تتحقق بمجرد دعوة الجميع إلى السلوك نفسه، بل تتطلب أيضاً معالجة الاختلافات في الشروط التي تسمح بتحقيقه.

وتتجلى أهمية هذه المقاربة في أن الرضاعة الطبيعية تقع عند تقاطع سرديات اجتماعية متعددة، قد تتكامل أحيانا وتتعارض أحيانا أخرى. فالسردية الطبية تؤكد المنافع الصحية للرضاعة، والسردية العائلية تستند إلى الخبرة المتوارثة، والسردية الاستهلاكية تقدم منتجات بديلة بوصفها حلولا عملية، والسردية المهنية تبرز ضرورة التوفيق بين العمل والرعاية، بينما تركز السردية الحقوقية على استقلالية المرأة وحقها في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن جسدها وصحتها. ولا تتوزع هذه السرديات بالضرورة على فئات منفصلة، فقد تتعايش داخل تجربة الأم الواحدة، التي تؤمن بأهمية الرضاعة الطبيعية لكنها تواجه إكراهات مهنية، أو تستفيد من دعم الأسرة لكنها تتلقى منها نصائح متعارضة مع التوجيه الطبي، أو ترغب في تقاسم الرعاية مع الأب لكنها لا تجد الترتيبات العملية اللازمة لذلك.

ومن هنا، فإن التضاد المركزي لا يكمن في مواجهة حتمية بين العلم والثقافة، أو بين الطبيعي والاصطناعي، أو بين الأمومة التقليدية والأمومة الحديثة، بل في التفاوض المستمر بين أنظمة مختلفة لإنتاج المعنى وتنظيم الرعاية واتخاذ القرار. فالمعرفة الطبية تقدم معايير عامة تستند إلى الأدلة، لكن تطبيقها يمر عبر سياقات اجتماعية محددة، وتؤثر فيه الموارد المتاحة، والثقة في المؤسسات، والعلاقات الأسرية، والتصورات المتعلقة بالجسد والطفولة.

ولا تكون الاستجابة الفعالة لهذه التعددية بإقصاء المرجعيات الاجتماعية أو الاستسلام لها، وإنما ببناء تواصل صحي يوضح ما تدعمه الأدلة العلمية، ويصغي إلى التجربة المعيشة للأم، ويميز بين الممارسات التي تستدعي التصحيح والمواقف التي تتطلب مواكبة خاصة، ويحترم الحالات التي تقتضي تدخلا طبيا أو تغذية بديلة مناسبة.

إن استشراف مستقبل الرضاعة الطبيعية في المجتمع المغربي يستدعي، تبعا لذلك، الانتقال من حملات التوعية الظرفية إلى سياسة مستدامة تربط بين التثقيف الصحي والحماية الاجتماعية والعدالة في توزيع أعباء الرعاية. فدعم الرضاعة لا ينبغي أن يُترك للأم وحدها، بل يتطلب مشاركة الأب والأسرة، وتوفير خدمات صحية متخصصة، وتحسين ظروف العمل، وتفعيل الحقوق القانونية، وضمان استقلالية التوجيه الطبي عن المصالح التجارية. كما يتطلب تطوير البحث السوسيولوجي الميداني لفهم اختلاف التجارب بين النساء، والكشف عن العلاقة بين التمثلات الثقافية والممارسات الفعلية، وتحليل تأثير الوضع الاقتصادي والمهنة والدعم الأسري والثقة في المؤسسات الصحية. ومن شأن هذه المعرفة أن تساعد على الانتقال من افتراض أن جميع الأمهات يواجهن العقبات نفسها إلى سياسات تستجيب للفوارق الفعلية في الحاجات والموارد والفرص.

إن الرضاعة الطبيعية ، ليست مجرد ممارسة صحية توصي بها المؤسسات، ولا مجرد تقليد ثقافي يستمر بفعل التنشئة، بل هي ممارسة اجتماعية تتشكل داخل علاقات متغيرة بين الجسد والمعرفة والأسرة والعمل والسوق والدولة. وتكشف التحولات المرتبطة بها أن الحداثة لا تلغي الموروث بالضرورة، كما أن استمرار بعض الممارسات التقليدية لا يعني خلوها من التناقضات؛ وإنما يعاد إنتاج المعاني والاختيارات في سياق جديد تتعدد فيه مصادر المعرفة وتتعقد فيه شروط الرعاية.

وإذا كان من الضروري الدفاع عن الرضاعة الطبيعية استنادا إلى منافعها الصحية المثبتة، فإن هذا الدفاع يفقد جزءا من قوته عندما يتحول إلى لوم للأمهات أو إلى معيار أخلاقي للحكم عليهن. فالتشجيع الفعال هو الذي يقرن المعرفة بالدعم، والتوصية بالتمكين، وحماية الطفل باحترام صحة الأم وكرامتها، ويعترف بأن تعذر الرضاعة أو التوقف عنها لا يمكن تفسيره دائما بإرادة فردية معزولة عن شروطها الاجتماعية.

وبهذا المعنى، تصبح الرضاعة الطبيعية قضية سوسيولوجية تتجاوز حدود التغذية لتكشف عن طبيعة المجتمع الذي تنتظم داخله الرعاية، وعن الكيفية التي يوزع بها المسؤوليات والموارد، وعن المعايير التي يفرضها على أجساد النساء، وعن قدرة مؤسساته على تحويل المعرفة الصحية إلى إمكانات واقعية. فالمطلوب ليس العودة إلى الماضي كما لو كان نموذجا مكتملا، ولا التسليم بمنطق السوق كما لو كان تعبيرا حتميا عن التقدم، وإنما بناء صيغة اجتماعية معاصرة تجعل الرضاعة الطبيعية ممارسة مدعومة لا مفروضة، وتضمن في الوقت نفسه حق كل طفل في التغذية الآمنة والملائمة، وحق كل أم في المعلومة الموثوقة والرعاية الصحية والمساندة الاجتماعية والاختيار المستنير.

إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في محاسبة الأمهات على ما لم يستطعن فعله، بل في مساءلة الشروط التي تجعل بعض الاختيارات ممكنة وبعضها الآخر مكلفا أو متعذرا؛ فحين تصبح الرعاية مسؤولية مشتركة، وتتحول السياسات الصحية من التوجيه المجرد إلى التمكين الفعلي، يمكن للرضاعة الطبيعية أن تستعيد مكانتها بوصفها ممارسة صحية واجتماعية تحظى بالدعم، لا بوصفها اختبارا يوميا لمدى استحقاق المرأة لصورة الأم الجيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *