منتدى العمق

حين تصبح الكلمات أداة للتنمر: آن الأوان لتغيير نظرتنا

صورة الكاتبة نزهة عراقي

أثار استعمال السيد عز الدين المداوي،وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار،لعبارة «Mariage mongolien» (الزواج المنغولي) خلال جلسة برلمانية،نقاشاً مشروعاً حول مسؤولية الخطاب العمومي،وحول المصطلحات التي ما زالت تُستعمل عند الحديث عن الأشخاص الحاملين للتثلث الصبغي.21

قد يكون ما صدر عن السيد الوزير غير مقصود،وقد يكون مجرد زلة لسان،ونحن لا نريد أن نحاكم النوايا.لكن عدم القصد لا يلغي الأثر،خصوصاً عندما تصدر الكلمة عن مسؤول حكومي.فالكلمة قد تبدو بسيطة،لكنها قادرة على صناعة صورة ذهنية عن الإنسان؛ وحين تصبح هذه الصورة حكماً مسبقاً على قدراته و تساؤلاً على قيمته وهويته ووجوده فإنها قد تتحول إلى سلوك،وإلى تهميش،تنمو أو إقصاء.

بالنسبة إلينا،كأسر وكفاعلين في مجال التثلث الصبغي،21ال يتعلق الأمر بكلمة عابرة.فالكلمات التي نستعملها لوصف أبنائنا تؤثر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليهم،وفي الطريقة التي قد يُعاملون بها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.

من «المنغولي» إلى الإنسان

كلمة «منغولي» لم تعد مصطلحاً علمياً مقبوالً،بل تحمل إرثاً تاريخياً مؤلماً من التصنيفات العنصرية التي ارتبطت في بدايات وصف التثلث الصبغي 21بنظريات تجاوزها العلم منذ زمن.والأسوأ أنها خرجت من سياقها التاريخي لتصبح في الاستعمال اليومي كلمة جارحة،تلغي الهوية المغربية وجاهزة للسخرية والتنمر.

وعندما تدخل هذه الكلمة إلى المدرسة،فإنها لا تصل إلى الطفل باعتبارها مصطلحاً تاريخياً في كتب الطب؛ بل قد تصل إليه كلقب يطلقه على زميله للحط من قيمته أو السخرية منه.وهنا تتحول الكلمة إلى أداة للتنمر.

وهذا ما يجعل مسؤولية الخطاب العمومي أكبر:حين تستعمل كلمة تحمل في المجتمع حمولة تنمرية،فإن تكرارها،ولو من دون قصد،يساهم في تطبيعها.

حين يصبح التشخيص هوية

ولا يتعلق الأمر بكلمة «منغولي» وحدها.حتى عبارة «متالزمة داون»،وهي تسمية طبية معروفة،تستدعي منا الانتباه إلى الفرق بين التشخيص والإنسان.

فكلمة «متالزمة» تختزل،في الاستعمال الاجتماعي،الإنسان في مجموعة من الخصائص الجسدية والطبية،وكأن هذه الصفات هي التي تحدد شخصيته وهويته.والحقيقة أن وراء التشخيص إنساناً كامالً:روحاً وشخصية ومشاعر وقدرات وطموحات،له مساره الخاص الذي لا يمكن اختزاله في مجموعة من السمات الطبية.

أما كلمة «Down»، فصحيح أن أصلها في التسمية الطبية يعود إلى اسم الطبيب،John Langdon Down، لكن هذا الأصل التاريخي لا يصل بالضرورة إلى المتلقي العادي.فالناس لا يسمعون اسم الطبيب عندما يسمعون الكلمة،وإنما يسمعون كلمة إنجليزية لها معنى متداول يرتبط بـ«الأسفل» أو «إلى الأسفل».

حين تتحول الكلمة إلى حكم

والأمر نفسه ينطبق على كلمات مثل «الاحتياجات الخاصة» و«الإعاقة».

عبارة «الاحتياجات الخاصة» استُعملت لسنوات طويلة بنية حسنة،لكنها تكرس فكرة أن هناك أشخاصاً يعيشون خارج القاعدة،لهم «احتياجات خاصة دائمة ” منفصلة عن الحقوق والخدمات التي ينبغي أن تكون متاحة للجميع،الغية حتى إمكانية إستقلاليتهم.

أما كلمة «إعاقة»،فإن الإشكال بالنسبة إلينا لا يتعلق فقط بصيغة «معاق» أو «في وضعية إعاقة».فحتى عندما نغير تركيب العبارة،يبقى السؤال الأعمق قائماً:هل ما زلنا ّ نعرف الإنسان من خلال ما نعتبره نقصاً فيه؟

المشكلة لا تبقى في اللغة وحدها؛ إنها تنتقل إلى حياة الإنسان وقرارات المحيطين به.فقد يسمع الوالدان كلمة تختزل ابنهما في «إعاقة» أو «احتياج»،ومنغولي ” و” متالزمة داون” فتتكون لديهما،منذ البداية،صورة عن طفل محدود القدرات لا هوية ولا شخصية له،فينخفض سقف التوقعات منه.وتنتقل الصورة نفسها إلى المدرسة،فيصبح التلميذ في نظر البعض مشروع فشل قبل أن يُمنح فرصة حقيقية للتعلم وإظهار قدراته.وقد تنتقل إلى المجال الطبي،حين يتحول التشخيص من معلومة تساعد الأسرة على فهم حالة طفلها إلى حكم مسبق على مستقبله.

ما نحتاج إليه هو أن ننتقل من تعريف الإنسان بما ينقصه إلى الاعتراف بتنوعه الوظيفي وبقدراته وحقوقه وإمكاناته.

لن تتغير النظرة ما لم تتغير اللغة

الدولة المغربية تتحدث عن الدمج،وعن تكافؤ الفرص،وعن محاربة التنمر،وعن ضرورة تغيير نظرة المجتمع إلى الأشخاص ذوي التنوع الوظيفي.

لكن لن يتغير شيء في العمق إذا ظللنا نعيد إنتاج النظرة القديمة من خلال اللغة.

لا يمكن أن نحارب التنمر في المدرسة ونسمح في الوقت نفسه لمصطلحات قابلة للتحول إلى ألقاب جارحة وإلى ممارسات تنموية وإقصائية بأن تستمر في خطابنا العام.ولا يمكن أن نبني مدرسة دامجة إذا كانت بعض الكلمات تحمل حكماً مسبقاً على قدرة الطفل على التعلم.

نطالب بالاعتذار وبالتغيير العاجل من هذا المنطلق،نطالب السيد الوزير باعتذار واضح وصريح للأشخاص الحاملين للتثلث الصبغي 21 ولأسرهم وللجمعيات المكلفة بالسهر على كرامتهم وعلى دمجهم المجتمعي والدراسي والمهني.

ليس الهدف من الاعتذار محاكمة شخص أو التشكيك في نواياه،وإنما تأكيد أن كرامة المواطنين ليست مسألة ثانوية،وأن المسؤول العمومي مطالب بأن يكون جزءاً من تغيير الخطاب،ال من إعادة إنتاج المصطلحات التي تحمل وصماً أو تنمراً.

كما نطالب،وبصفة استعجالية،بتغيير المصطلحات المستعملة في الخطاب الرسمي والتربوي والإعلامي،والانتقال إلى لغة علمية وإنسانية وحقوقية تضع الإنسان أولاً،من قبيل «الأشخاص ذوو التنوع الوظيفي» و**«الأشخاص الحاملون للتثلث الصبغي.**»21

ونطالب بأن يواكب هذا التغيير عمل مؤسساتي حقيقي،من خلال تكوين المسؤولين والأطر التربوية والصحية والإعلامية، حتى تصبح اللغة المحترمة جزءاً من ثقافة الدمج،ال مجرد رد فعل مؤقت بعد وقوع الجدل.

أبناؤنا ليسوا مصطلحات

أبناؤنا ليسوا «منغوليين».

وليسوا «احتياجات خاصة».وليسوا داون وليسوا معاقين ولا في وضعية إعاقة ولا محتاجين

وليسوا تشخيصاً طبياً.

وليسوا نقصاً.

أبناؤنا مغاربة،كاملو الحقوق،لهم أسماء وهويات وروح وشخصيات وقدرات وطموحات.

نحن لا نريد لغة تشفق عليهم،بل لغة تحترمهم.لا نريد أن ننظر إليهم من خلال ما يفترض البعض أنهم لا يستطيعون فعله، وإنما من خلال ما يمكنهم أن يتعلموه ويطوروه ويحققوه عندما نوفر لهم الفرص والدعم والبيئة المناسبة.

إن الكلمات ليست مجرد ألفاظ.إنها جزء من الثقافة التي نبنيها حول الإنسان.وقد تكون الكلمة بداية للاعتراف والاحترام، كما يمكن أن تكون أول حلقة في سلسلة من الوصم والتنمر والإقصاء والمرض النفسي والجسدي.

ولهذا،إذا كانت الدولة جادة في تغيير نظرة المجتمع،فعليها أن تبدأ من خطابها هي.

تغيير المصطلحات ليس تجميلاً للغة؛ إنه جزء من تغيير النظرة،ومن تغيير الممارسة،ومن بناء مجتمع يرى الإنسان قبل تشخيصه،ويحترم اختالفه،ويؤمن بقدراته،ويضمن له حقه الكامل في الكرامة والاستقلالية والمشاركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *