جمعيات المجتمع المدني بين نبض الرسالة الاجتماعية وثقل العبء الضريبي

في المغرب لا تبدأ أزمة الجمعية من باب الخزينة فقط بل من اللحظة التي تعامل فيها كيانا مدنيا ولد لخدمة الصالح العام بمنطق جبائي صيغ أساسا لفاعل اقتصادي يبحث عن الربح هنا تتكشف واحدة من أكثر الإشكالات حساسية في التدبير العمومي جمعية تتحرك في فضاء التضامن التربية الثقافة الرياضة التنمية المحلية أو الدفاع عن الحقوق لكنها تجد نفسها أحيانا أمام نفس الأسئلة التي يطرحها المقاول والتاجر والمهني من حيث التصريح والفوترة والاقتطاع والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة والواجبات المرتبطة بالأجور بل وحتى الفهم المختلف لمجرد هل هذا النشاط ربحي أم غير ربحي.
الإطار القانوني المغربي لا ينكر وجود الجمعيات ولا يتجاهل خصوصيتها فالقانون المتعلق بحق تأسيس الجمعيات إلى جانب المدونة العامة للضرائب يضعان مبدئيا تمييزا بين الجمعيات التي تشتغل في نطاق غير ربحي وتلك التي قد تمارس أنشطة ذات طابع تجاري أو مدر للدخل هذا التمييز هو حجر الزاوية في الملف كله لأن الأصل في الجمعية أنها لا توزع الأرباح على أعضائها وأن مواردها تسخر لتحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله لكن هذا الأصل النظري سرعان ما يصطدم بواقع شديد التعقيد حيث تضطر كثير من الجمعيات إلى تنظيم أنشطة تمويلية أو تقديم خدمات أو استغلال مرافق أو تلقي دعم وشراكات أو تشغيل أجراء أو توقيع عقود مع إدارات ومؤسسات عمومية وخاصة وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تجعل العلاقة مع الإدارة الضريبية علاقة تأويل أكثر منها علاقة قواعد ثابتة ومطمئنة.
جوهر الإشكال في المغرب ليس فقط في وجود الضريبة بل في معيار التطبيق فالإدارة لا تنظر إلى التسمية التي تحملها المؤسسة جمعية كانت أو تعاونية أو هيئة مدنية بقدر ما تنظر إلى طبيعة النشاط وطريقة التمويل وهل هناك مقابل مباشر للخدمة وهل تشتغل الجمعية في منافسة مع فاعلين خاضعين للضريبة وهل يتحقق نفع خاص لفئة محددة وهل تعاد استثمار المداخيل في نفس الغاية أم تتحول إلى مردودية غير مباشرة هذا المنطق قد يبدو قانونيا من حيث المبدأ لكنه في الممارسة يفتح بابا واسعا للاجتهاد والاختلاف جمعية صغيرة تنظم دورات تكوينية بمقابل رمزي قد تقرأ بطريقة مختلفة عن جمعية أخرى تقوم بالنشاط نفسه في سياق اجتماعي مختلف وجمعية تملك قاعة أو مركبا أو مقرا تؤجره لأوقات محدودة قد تعامل أحيانا كفاعل غير ربحي وأحيانا كفاعل يمارس دخلا خاضعا هنا لا يعود النص وحده حاسما بل تتدخل التقديرات الإدارية والقرائن العملية وهو ما يخلق قدرا كبيرا من عدم اليقين.
وتتعقد الصورة أكثر مع الضريبة على الشركات فالأصل أن الجمعيات غير الهادفة للربح التي لا تزاول نشاطا تجاريا على وجه الاعتياد ولا توزع الأرباح لا تعامل عادة معاملة الشركات الربحية غير أن هذا الاستثناء ليس حصنا مطلقا فإذا مارست الجمعية نشاطا اقتصاديا منتظما أو باعت سلعة أو خدمة بشكل يخرج عن مجرد تغطية تكاليفها أو خالطت أنشطتها صبغة تجارية واضحة فقد تجد نفسها أمام التزام ضريبي جزئي أو كلي بحسب الحالات المشكلة هنا أن كثيرا من الجمعيات لا تمتلك موارد قانونية محاسبية كافية لفهم الحد الفاصل بين النشاط المساعد على تمويل الرسالة الاجتماعية والنشاط الذي قد يصنف كأصل ضريبي مستقل وبدل أن تكون القاعدة واضحة يتحول الأمر إلى منطقة مخاطرة دائمة تدفع بعض الجمعيات إلى الانكماش خوفا من المفاجأة الجبائية وتدفع أخرى إلى السير بلا يقين ثم تكتشف متأخرة أن ما اعتبرته نشاطا داعما صار محل مساءلة.
أما الضريبة على القيمة المضافة فهي من أكثر النقاط التي تكشف هشاشة الوضع القانوني للجمعيات فهذه الضريبة ترتبط في جوهرها بتقديم خدمات أو بيع سلع ضمن إطار خاضع وهو ما يجعل بعض الأنشطة الجمعوية إذا خرجت من المجال التضامني البحت إلى التعاقد المؤدى عنه أو إلى استغلال خدمات موازية قابلة للإخضاع غير أن المشكلة العملية تكمن في أن الجمعيات غالبا لا تتوفر على إدارة محاسبية قادرة على الفصل الدقيق بين ما هو دعم وما هو مقابل بين ما هو تبرع وما هو ثمن خدمة بين ما هو تمويل عمومي أو هبة مشروطة وما هو عائد تجاري ونتيجة هذا الخلط تضيع القدرة على التنبؤ بالالتزامات ويغدو الامتثال الضريبي عبئا تنظيميا يفوق قدرة العديد من الجمعيات الصغرى والمتوسطة خصوصا في العالم القروي حيث تبنى المبادرات على التطوع أكثر مما تبنى على الهياكل.
ولا تقل إشكالات الضريبة على الأجور والاقتطاعات الاجتماعية أهمية فمتى شغلت الجمعية مستخدمين دخلت عمليا في مجال الالتزامات المرتبطة بالتشغيل من احتساب الأجور إلى الاقتطاع من المنبع إلى التصريح وما يتفرع عن ذلك من مسؤوليات قانونية ومحاسبية وهنا يظهر تناقض آخر لأن الجمعية قد تكون غير ربحية في مقصدها لكنها تخضع عمليا لمنطق مقاولة صغيرة من حيث التسيير والتوظيف والوثائق والآجال والمساطر كثير من الجمعيات تفاجأ بأن حسن النية لا يعفي من الالتزامات وأن الطابع التطوعي للمشروع لا يرفع عنها متطلبات التسيير الجبائي إذا كان هناك أجر أو تعويض أو عقد خدمة أو اتفاق شغل والمشكل أن هذه المساطر لا تشرح دائما بلغة مبسطة ومؤطرة للجمعيات بل تقدم أحيانا بنفس اللغة التقنية الموجهة للفاعلين الاقتصاديين الكبار رغم الفارق العميق في البنية والموارد.
ثم هناك الإشكال الأكثر حساسية وهو التناقض بين النص والممارسة النصوص تؤكد في العموم على منطق التمييز بين الربحي وغير الربحي وعلى أن بعض الأنشطة قد تعفى أو تستثنى أو تعامل وفق شروط خاصة لكن في الواقع كثير من الجمعيات تجد نفسها في مواجهة معايير غير مستقرة أو تأويلات متباينة بين المصالح أو طلبات وثائق تتغير حسب الملف والجهة والملف الجهوي أحيانا هذا التباين يولد شعورا عاما بعدم الأمن القانوني فالجمعية التي تستوفي شروطا معينة في مدينة قد لا تحصل على نفس القراءة في مدينة أخرى أو قد يفهم ملفها بطريقة مختلفة عند التصريح الأول وعند المراقبة اللاحقة والأخطر أن غياب دليل تأويلي واضح ومعلن وموجه خصيصا للجمعيات يجعل كثيرا من المسؤولين الجمعويين في حالة تخمين دائم وهو وضع لا يخدم لا الدولة ولا الفاعل المدني.
كما أن طبيعة التمويلات نفسها تطرح أسئلة ضريبية دقيقة فالدعم العمومي والهبات ومساهمات الشركاء والتمويل الدولي ورسوم الانخراط ومداخيل التظاهرات كلها ليست بنفس الطبيعة القانونية ولا بنفس الأثر الجبائي ومع ذلك يتم التعامل معها أحيانا ككتلة واحدة في الخطاب العملي بينما القانون يقتضي تفكيكا دقيقا فليس كل مبلغ يدخل حساب الجمعية في الحكم نفسه وليس كل مورد يعد مداخيل تجارية ولا كل شراكة تمويلية تعني خضوعا للمنطق نفسه هذا التداخل يربك الجمعيات ويزيد من ثقل الرقابة القبلية والبعدية ويجعل التسيير المالي في كثير من الأحيان قائما على الاحتياط المفرط بدل المبادرة ومع الوقت يتحول الخوف من الخطأ الجبائي إلى سبب غير مباشر لقتل المبادرات الصغيرة أو لتجميد أنشطة كانت يمكن أن تكون أوسع أثرا لو توفرت لها قواعد أكثر وضوحا.
والأثر على المجتمع المدني واضح فالجمعية التي تضع جزءا كبيرا من وقتها في فهم الإعفاءات والتصريحات والالتزامات والوثائق بدل توجيهه إلى المشروع نفسه تفقد جزءا من رسالتها والجمعية التي تخشى أن يؤدي نشاطها الاقتصادي المحدود إلى مساءلة واسعة قد تتراجع عن تمويل ذاتها وتبقى رهينة المنح المتقطعة والجمعية التي تشتغل في الهشاشة الاجتماعية حيث الحاجة أكبر والموارد أضيق هي الأكثر تضررا من التعقيد الجبائي لأن أي خطأ صغير قد يهدد استمراريتها لذلك يصبح الملف الضريبي في جوهره ملفا مرتبطا بحرية المبادرة الجمعوية نفسها وبقدرة المجتمع المدني على الاستمرار دون أن تتحول رسالته إلى عبء محاسبي خانق.
من هنا تبرز الحاجة إلى قانون جديد أو على الأقل إلى مراجعة عميقة وشجاعة للأطر الحالية بحيث يؤخذ بعين الاعتبار أن الجمعية ليست شركة في ثوب آخر وأن نشاطها لا ينبغي أن يقاس فقط بمنطق المردود بل بطبيعة الغاية العامة التي تتحرك من أجلها المطلوب ليس إعفاء شاملا وغير مشروط لأن ذلك قد يفتح أبوابا للتأويل السيئ بل نظاما جبائيا خاصا واضحا ومفهوما يحدد بدقة متى تكون الجمعية معفاة ومتى تخضع جزئيا ومتى تعامل كفاعل اقتصادي في مجال محدد. المطلوب أيضا تبسيط المساطر وتوحيد التأويل الإداري وإصدار دلائل عملية خاصة بالجمعيات وتكريس مبدأ الأمن القانوني حتى لا يبقى الامتثال رهينا بالحظ أو بالجهة أو بالاجتهاد الفردي.
إن الإشكال الضريبي للجمعيات في المغرب لا يتعلق فقط بواجب أدائها للضريبة أو إعفائها منها بل يتعلق قبل ذلك بحقها في الوضوح فالمجتمع المدني لا يطلب امتيازا بل قواعد عادلة تناسب طبيعته وعندما تصاغ القواعد بوعي بهذه الخصوصية يصبح الأداء الجبائي جزءا من التنظيم لا عقبة في الطريق أما إذا استمر الغموض فإن الخسارة لن تصيب الجمعيات وحدها بل تصيب معه المجال العمومي نفسه لأن كل جمعية ترهقها الضبابية هي فرصة أقل للتضامن وللترافع وللبناء الهادئ الذي يحتاجه المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.
اترك تعليقاً