ما وراء مشاهد القمة الروسية الأفريقية

لم تعد القمم الدولية مجرد منصات لالتقاط الصور الدبلوماسية وتوقيع بروتوكولات التعاون التقليدية؛ بل أصبحت مختبرات علنية لولادة نظام عالمي جديد. خلف كواليس القمة الروسية الأفريقية الثالثة بموسكو (28-29 أكتوبر 2026)، وبحضور وفود من 48 دولة أفريقية، لم يكن النقاش محصوراً في أرقام التجارة البينية التي ما زالت تكافح لتجاوز عتبة الـ 27 مليار دولار عاجزة عن تحقيق هدف الـ 40 مليار دولار الذي طُرح كطموح إستراتيجي منذ قمة سوتشي الأولى في أكتوبر 2019 ، بل كان يدور حول ردم الفجوة بين «الطموح السياسي» و»الواقع الجيوسياسي». هذه القمة كشفت، في جوهرها، عن معادلة أعمق تتجاوز جغرافيا القارة السمراء لتلتقي مع تحولات الممرات المائية في الشرق الأوسط، والمناخ التصالحي لـ «قمة طهران» الأخيرة، ومظلة «بريكس» الآخذة في التوسع.
تقسيم العمل غير المعلن» وقراءة في «الواقعية النيوجديدة
يكشف التحليل المعمق لطبيعة التحركات على الأرض في أفريقيا عن وجود «تكامل استراتيجي بحكم الأمر الواقع» (De facto) بين روسيا والصين. وبينما تعاني روسيا من قيود مالية فرضتها العقوبات وحرب أوكرانيا، تبرز الصين كمارد مالي يستثمر مئات المليارات في البنية التحتية والموانئ والمناجم عبر «مبادرة الحزام والطريق».
وفقاً لمنظور «الواقعية النيوجديدة» (Neorealism) في العلاقات الدولية، فإن هذا التكامل ليس تحالفاً أيديولوجياً بقدر ما هو حاجة هيكلية لـ «توازن القوى الخشن والناعم» (Hard & Soft Balancing) ضد الأحادية الأمريكية. لقد تحول هذا الخلل البنيوي في القدرات إلى «تقسيم عمل» ذكي؛ حيث تتولى روسيا عبر أذرعها العسكرية (الفيلق الأفريقي) توفير الموازنة الصلبة وحماية الأنظمة الحاكمة في بيئات مضطربة كدول الساحل وجمهورية أفريقيا الوسطى، بينما تقود الصين الموازنة الناعمة عبر الدبلوماسية الاقتصادية.
وتتجلى هذه الديناميكية بوضوح في الحوادث الميدانية مثل واقعة منجم الذهب التابع لشركة «بامباري» الصينية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وتحديداً في 19 مارس 2023؛ ففي أعقاب هجوم دامي استهدف المنشأة، تدخلت العناصر الأمنية الروسية على الفور لتأمين الموقع، وإنقاذ العمال الصينيين، وتتبع المهاجمين. هذا التنسيق الميداني الموثق يثبت كيف يستقر الأمن بسلاح روسي، يحمي الاستثمارات والمناجم الصينية دون أن تضطر بكين لتلويث يديها في صراعات ميدانية معقدة أو كسر بروتوكولاتها الدبلوماسية القائمة على عدم التدخل العسكري المباشر.
ممر الممرات.. «البراغماتية التبادلية» والضمانة الصينية لـ «قفل الأمان»
لا يمكن فصل الاندفاعة الروسية-الصينية في أفريقيا عن مشهد «تصفير الأزمات» في الشرق الأوسط، وتحديداً المسار التصالحي لـ «اجتماع طهران» مع «حلف مكة». هذا التقارب الذي نضج عبر جولات حوار أمنية شاقة في بغداد ومسقط، توّج في نهاية المطاف بـ رعاية وضمانة إستراتيجية صينية في بكين (مارس 2023)، ليعيد إحياء أولى محاولات الوساطة ولمّ الشمل التي بدأتها بكين تاريخيًا خلال جولة الرئيس شي جين بينغ في المنطقة في يناير 2016 قبل تزايد حدة الاستقطاب الدولي والضغط الأمريكي الأقصى على إيران.
هذا السلوك الإقليمي والدولي المتراكم يمكن تفسيره عبر «نظرية المصلحة والمنفعة المتبادلة (Transactionalism)» ؛ حيث تتحرك الدول خارج الأطر العقائدية للحرب الباردة. إن مناخ التهدئة الحالي يمثّل اليوم «قفل الأمان» للبحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب.
وخلال كواليس قمة موسكو، استثمرت الدبلوماسية الروسية هذا المناخ لتقود وساطات صامتة لتقريب وجهات النظر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر لتأمين منطقة القرن الأفريقي . فالأقطاب الصاعدة تدرك أن استقرار هذه الممرات المائية الحيوية هو شرط أساسي لنجاح النظام الاقتصادي البديل وتأمين هذا «القفل الإستراتيجي»؛ بما يضمن حماية خطوط إمداد النفط المتجهة شرقاً، وتدفق البضائع الصينية غرباً، محولًا المنطقة الممتدة من الخليج إلى عمق أفريقيا إلى حزام جيو-اقتصادي مترابط ومحكوم بالمنفعة الخالصة.
بريكس ومدرسة «التبعية المعدلة»: مأسسة عقيدة السيادة
الرابط الهيكلي الذي يجمع هذه الفسيفساء هو مجموعة «بريكس» التي تحولت من نادٍ اقتصادي إلى مظلة جيوسياسية تؤسس لعالم متعدد الأقطاب. إن انضمام قوى إقليمية وازنة مثل السعودية، مصر، وإثيوبيا إلى المجموعة يمنح التكامل الروسي-الصيني صبغة مؤسسية شرعية، تجلت في كواليس القمة عبر مناقشة أنظمة المدفوعات البديلة (مثل تداخل نظام المقاصة الصيني CIPS مع نظام المراسلة الروسي SPFS) لتوفير «حصانة» ضد العقوبات الأمريكية .
من الناحية النظرية، يعكس هذا المشهد نسخة معدلة من «مدرسة التبعية (Dependency Theory) » ، فلم تعد أفريقيا مجرد ساحة سلبية تابعة للمركز الغربي، بل إن بروز أقطاب جديدة مكن العواصم الأفريقية من ممارسة «الوكالة الجيوسياسية الذاتية (Strategic Agency) » . لقد أصبحت الدول تنتهج عقيدة سياسية تقوم على «سيادة الأنظمة ورفض المشروطية الغربية»؛ فالمال الصيني والسلاح الروسي والبراغماتية الخليجية لا تشترط ملفات حقوق الإنسان أو الديمقراطية لتقديم الدعم، مما يتيح لدول الجنوب العالمي اللعب على التناقضات الدولية لرفع شروطها التفاوضية مع الجميع.
نموذج المغرب: ملتقى الاستثمارات الشرقية وبوابة «الحزام والطريق»
نجحت الرباط في تحويل موقعها الجغرافي وبنيتها اللوجستية العملاقة (مثل ميناء طنجة المتوسط) إلى منصة جذب رئيسية للاستثمارات القادمة من بكين وموسكو على حد سواء، دون الانزلاق في فخ الاستقطاب الجيوسياسي.
الارتكاز الإستراتيجي مع الصين: يمثل المغرب حلقة وصل حيوية في «مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وهي الشراكة التي انطلقت رسمياً عقب الزيارة التاريخية للملك محمد السادس إلى بكين في الفترة من 11 إلى 12 مايو 2016 وتوقيع الإعلان المشترك لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ثم توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالمبادرة في نوفمبر 2017، وصولاً إلى توقيع اتفاقية «خطة التنفيذ المشترك للمبادرة» في 5 يناير 2022. وتتجسد هذه الشراكة في مشروع «مدينة محمد السادس طنجة تيك»، وهو قطب تكنولوجي وصناعي ضخم يستقطب استثمارات صينية تتجاوز مليار دولار (مع التزامات استثمارية كلية تخطت 10 مليارات دولار)، لاسيما في قطاعات المستقبل مثل «المصانع العملاقة (Gigafactories) » لبطاريات السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة، والتي تتخذ من المغرب قاعدة خلفية للتصدير نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية.
العمق التجاري والاستثماري مع روسيا: في المقابل، يُصنف المغرب كأحد أهم الشركاء التجاريين لروسيا في أفريقيا؛ وتتجاوز الشراكة صيغتها التقليدية (تصدير الحبوب والمحروقات الروسية مقابل الفوسفاط والمنتجات الزراعية المغربية) لتتحرك نحو الاستثمارات الروسية النوعية المباشرة. وتشهد المنظومة الرقمية المغربية تدفقاً لشركات التكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الروسية، وهو ما تُرجم بمشاركة كبرى لأكثر من 20 شركة تكنولوجية روسية رائدة ركزت على ملف السيادة الرقمية خلال منتدى GITEX Africa Morocco الذي انعقد في مراكش بين 7 و9 أبريل 2026 . فضلاً عن ذلك، تتطلع موسكو للاستفادة من المناطق الصناعية المغربية (في القنيطرة، الجرف الأصفر، والناظور) لإقامة خطوط إنتاج وتصنيع مشترك في مجالات الكيماويات والمعدات الصناعية الموجهة لعمق القارة الأفريقية.
القاطرة الأفريقية: ريادة المغرب للتنمية المستقلة والتعاون جنوب-جنوب
خارج المقاربات الاستثمارية الثنائية، يتجاوز الدور المغربي فكرة المنصة اللوجستية ليطرح المملكة كـقاطرة رائدة للتنمية الأفريقية المستقلة ومُهندس رئيسي لنموذج «التعاون جنوب-جنوب» القائم على السيادة والندية. هذا التموقع القاري السيادي لا يخدم أجندات قوى خارجية، بل يعيد صياغة شروط الشراكة الدولية مع القارة السمراء:
السيادة التنموية مقابل المشروطية والمحاور الخشنة: في وقت تتنازع فيه القارة مقارباتُ المحاور العسكرية الخشنة (كالاندفاعة الأمنية الروسية) أو المشروطيات السياسية الغربية، يقدم المغرب بديلاً ملموساً يقوم على «التعاون جنوب-جنوب القائم على الأمن الغذائي والتنمية المستدامة بأيدي أفريقية». ويتجسد ذلك ميدانياً في مشاريع عملاقة عمادها المورد القاري؛ كمصانع الأسمدة المخصصة لتطوير الزراعة الأفريقية التي تنشئها المملكة في عواصم متعددة، والمبادرة الأطلسية الطموحة لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط، ومشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي كشريان للتكامل الإقليمي.
الموثوقية المؤسساتية كمرجع قاري: بفضل شبكته البنكية القوية التي تقود قاطرة التمويل والتنمية في غرب أفريقيا ودول الساحل، إلى جانب حضور شركاته في قطاعات الاتصالات والتأمين، يمثل المغرب نموذجاً للاستقرار ومحركاً داخلياً للنمو. هذه الموثوقية المغربية هي التي تجبر الأقطاب الدولية الصاعدة (موسكو وبكين) على السعي وراء «التكامل الاقتصادي والتكنولوجي» مع الرباط، اعترافاً بنفوذها الروحي والاقتصادي واللوجستي، وباعتبار النموذج المغربي صمام أمان يمنح الشراكات طابع الديمومة والقبول الإقليمي.
هذا الارتكاز القاري المستقل يتيح للمغرب ممارسة «الوكالة الجيوسياسية» في أبهى صورها؛ فهو يوظف جاذبيته الاستثمارية لاستقطاب التكنولوجيا الصينية والطلب الروسي لخدمة مشاريعه التنموية القارية، محتفظاً في الوقت ذاته ببوصلة تحالفاته الإستراتيجية التقليدية مع الغرب، ومُسخّراً هذا الثقل الدولي المتوازن لخدمة قضيته الوطنية الأولى المتعلقة بالوحدة الترابية للمملكة.
خاتمة: حدود التحالف واختبار الواقعية
في النهاية، يضع هذا التأطير النظري المشهدَ السائل أمام اختبار الواقعية الشديدة. فالدول الأفريقية، برغم ترحيبها بالبديل الروسي-الصيني، تتعامل ببراغماتية حذرة؛ فهي لا تبحث عن استبدال وصاية غربية بتبعية شرقية كاملة، بل تسعى لتثبيت «التعددية القطبية المرنة».
يبقى التحدي الأكبر كامناً في قدرة روسيا والصين على ضبط هوامش التنافس الداخلي بينهما على الموارد النادرة في أفريقيا، ومدى قدرة منظومة «بريكس» على التحول إلى بديل مالي صامد. إن ما حدث في موسكو لم يكن مجرد قمة روسية أفريقية عابرة ، بل كان فصلاً محكماً من فصول إعادة رسم الخرائط الدولية، مدفوعاً بنظريات القوة والمنفعة والسيادة من بوابة القارة السمراء.
اترك تعليقاً