منتدى العمق

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 3

الكاتب مصطفى منيغ

قشعريرة غير مألوفة أحسستُ بها تجتاح بدنِي، تيارٌ لا يُؤْذِي يُدَغْدِغُ أهَمّ الأحاسيس المُنَبِّهُ لِرَدِّ الفِعْلِ الفَوْرِي أو القاصد التَّأخير لثَوَانِي، ولمَا فتحت عيني وجدتها أمامي يُلامس كفها شعر رأسي في حنانٍ بنبل يحتضنني، راغباً في جعل حدٍّ للنوم والنهوض على إيقاع مقاومة تَرَاخِي لاستقبال ما المُلحق المُنجَز ما راودت طموحاتي من أمانِي، فَتطْرق أذناي جملة “صباح الخير” برنة أرَقّ الأغانِي، ناقشة بصوت عَذْبِ الصَّدَى على شعورٍ خِلْتُهُ أنْسَانِي.

… ثمَّة مواقف توقيتها رمشة عين عشت تجربتها تُنعِشُ دواخل وجدانِي، لا تُكلِّف جُهداً مبذولاً ولا تركيزاً مُسبقاً أصلها عفوية حريصة على الاختفاء السريع حتى لا يُدرِكها العَدّ ألزمانِي، ولا يحتويها مهما اتَّسعَ الحجم المكاني.

قفزت من فوق السرير احتراماً لها خجولاً من حالٍ لتواضع هندام ألْبَسَنِي، لا يليق بنفس الفراش ولا بأغطيته لكنه الظرف المُلام عما طوانِي، وكأنني مارستُ السباحة في بحر بكامل بذلتي فكاد انتفاخها يغرقنِي. ظننتُ الفتاة مُقدِّرة أمواج أسفي تكاد لضفة واقع منظرٍ غير لطيف تقذفنِي، فبدت على بُعْدِ سنتمترات مني، مرحة عير عابئة بحياء اعترانِي، فكانت المرَّة الأولي اعثر فيها على مخلوقة بغير نقاش أو توضيح تفهمنِي، في لحظة وجيزة لطبيعة تعاملي مع الوضع الجديد أعادتنِي، لدرجة اندمجتُ تلقائياً مع حديث على خُلُقٍ مِثالي يبْقِينِي، وحركات لا تتعدى قياسات تتجلَّى معها حسنات نية يقيني، المسالم لما يحصل معه وليس المستسلم إذ مجرد التفكير في الانتقاص من شخصيتي يضنينِي.

أحياناً بالأحضانِ تُسْتَقْبَلُ التَّافِهات، وبالنفور تُوَاجه الطيبات، مِنْ نَفْسِ العناصِرِ بالذَّات، فأيُّ أخلاقٍ هذه تعكس الآيات، أمِن أجل بقايا فُتات، مقذوفة في المواسم المعروفة لها محطَّات، لزُبناء مَحْصِيَة أشكال ما يظهرونها من طاعات، تُسايِر نفس التِّكرار أم تغيَّرَت فيها صِفات، داخل موطنٍ لا يقبل التَّجديد وكلّ رافع للرأس مُعاندا بالتَّنديدً رحمة الله عليه فقد مات، بلا تحقيقٍ ولا معاينة لِما قد تتركه على مسرح الجريمة أية بصمات، كثير عليه أن يُدْفَنَ مجاناً بجوار إحدى المستنقعات، غير المُجفّفة عن قصد لإخفاء ما في قعرها من دلائل ويلات، فَلِتُتْرَك لعصرٍ قادم تُشيَّد فوقها عمارات، لإسكان المنعَّم عليهم الضَّائع على ألسنتهم السؤال عن الذي فَات، والحاضر فوقه الشعار الدائم “المفسدون للمفسدات”، وسَلِم (عن خطأ) مَن فهمَ وأَطْبَقَ على نفسه ب “السُّكَات”، ليحيا وعياله كالعادة مسلوب الكرامة محتضنا الخرافات، نافِراً من المُصلحات النَّافعات، لغاية أجَلٍ لا أجل له محشوٌّ مع كثافة الظلمات، إلى أن يجدَ نفسه إن دقَّ الفجر الحازم بالحق أنه مضاف لتلك التفاهات منبوذ من سائر الطيبات، يدور حول نفسه ولا أحد من أسياده بالأمس افتداه ولو بأقل قليل تلك المُخلَّفات، قبل أن يرحلوا هائمين وقد سُدَّت في وجوههم موانئ البحار والمحيطات، ومُنِعٌوا مِن التوجٌّه لمختلف المطارات، ليتسكَّعوا فترة والناس تضحك عليهم في سائر الطرقات…

الجميل مَن لا يتنكَّر للجميل، الذي تلقَّاه من الأصدقاء والصديقات، مهما أوصلَهُ القدر لِما ليس له فيه أدنى اختيار، أن يتذكَّر ولو النزر القليل من تلك اللقاءات، الضاربة (بما تم خلالها من عهود) لبَّ الضمير والناقشة على الوجدان نِعْمَ الكلمات، والثابتة على العقل باركان الوفاء مهما جرت مِن تغيُّرات، وأحاطت بهالة الاجتهاد الإنساني النبيل كل الأفكار الزارعة المستقيم لحصاد وفرة الخيرات.

ثلّة من الشباب كنا لا يفرق بينهم إلاّ الدخول في بعض الأزمات، حتى لا يدركنا شك السلطات، الأمنية السرية أم الملحقة بها علانية لنشر مُسكنات، الآخذ بها محاط وَفَوْراً بالخاصة من القوات، الحاصلة على الضوء الأخضر لتكسير أضلع البشر كما تٌهَدَّم المستعصيات، مِن الأسوار بأمرٍ من حفنة طُغاة، تولاهم بمثل المناصب الوزير الجنرال أفقير الماسك العصا ودفتر الشيكات، يداوي هذا بتلك، وهذه حسب عُقَدِ المزاج بأخريات، غير تارك لنفس الإدارة وكأنها خلية رهيبة، يمكن أن تكون أي شيء إلا وزارة الداخلية، فأي مهنة حابسة لأنفاس الجميع، ما كنتُ لأستصيغها، فقرَّرت العبور لدنيا هذا الغرب لانتقاء الأحسن والأفضل للتمتع بحياةٍ آخرها كبدايتها مسرات (يتبع).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *