قراءة في رواية “ليلة القبض على يونس” للكاتبة عبير محمد

جغرافيا الشتات وجماليات الوعي المأزوم
“إن الفن لا يعكس المرئي، بل يجعله مرئياً.”
بول كلي
“وفي مهاوي الشتات.. لا يبحث الإنسان عن جغرافيا جديدة، بل عن وطن للروح ضاع بين الأسئلة”
ليس أشق على الكاتب في عمله الأول من أن يخوض غمار “رواية التكوين والرحلة” دون أن يقع في فخ التقريرية المباشرة، أو تحويل النص إلى نشرة إخبارية توثق مأساة اللجوء والشتات. إلا أن الكاتبة عبير محمد استطاعت في روايتها “ليلة القبض على يونس” (الصادرة عن الدار الأهلية ضمن منحة الكتاب الأول لمؤسسة عبد المحسن القطان) أن تتجاوز ذلك كله بذكاء فني مذهل. لقد انطلقت الكاتبة من رؤية واعية تجعل “الخفي النفسي”، وهواجس الاغتراب، وتصدعات الروح الإنسانية مجسدة وملموسة من خلال لغة سردية رشيدة ومحكمة. إنها رواية تبحث في معنى أن يكون الإنسان عالقاً بين رغبته الجامحة في التحرر، وقدره الذي يلاحق خطواته أينما ولى بوصلته.
في قلب النص يبرز “يونس” كرمز متجدد للإنسان المحاصر بالأمل والبحث عن الخلاص. تبتعد الكاتبة عن تقديم نموذج “البطل الخارق”، بل تقدم إنساناً بسيطاً ومحمّلاً بالأحلام والهشاشة الإنسانية والأسئلة الوجودية الكبرى. اختيار اسم “يونس” يحمل ظلاً إيحائياً وتراثياً مكثفاً (حوت التيه والحصار والنجاة)، مما يمنح الشخصية عمقاً رمزياً يتقاطع مع واقع الشخصيات المعاصرة. وقد أدارت الكاتبة صوت “الراوي العليم” ببراعة محترف، ليقف على مسافة متوازنة بين رصد حركة التاريخ وجدلية التفاصيل النفسية العميقة للبطل، مانحاً السرد طابعاً توثيقياً إنسانياً رفيعاً.
تناقش الرواية موضوع الهجرة والبحث عن الذات، لكنها تذهب أبعد من ذلك لتضيء حقبة تاريخية بالغة الأهمية من معاناة أبناء الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وتحديداً مرحلة السبعينيات وتجربة سفر طلاب وشباب قطاع غزة للدراسة عبر “باصات الصليب الأحمر” وما يرافقها من إجراءات، إضافة إلى كواليس التحقيق والاعتقال. هذه المرحلة لم تلقَ الاهتمام الكافي من قِبل الكتّاب والروائيين رغم قسوتها وفرادتها، مما يجعل النص وثيقة أدبية وإنسانية نادرة تسلط الضوء على ذاكرة جماعية كادت تنسى لولا هذا الاشتغال السردي الواعي.
المكان والزمان يتشكل في الرواية كفواعل درامية لا كخلفيات صامتة؛ فغزة هي المركز الوجداني الأول ونقطة الانطلاق العميقة، و”الإسكندرية” ببحيراتها، وكورنيشها، وأحيائها المتباينة (غيط العنب، الإبراهيمية، كامب شيزار) تمثل مسرحاً للصدمة الأولى ومحطة لاختبار الوعي وتأسيس الذات. ثم ينفتح الأفق نحو أوروبا (باريس وكورونيا) حيث البذخ الحضاري المزوّد بالاغتراب المطلق. المكان عند عبير محمد ليس مجرد إحداثيات جغرافية، بل هو كائن حي محمل برائحة الطين واليانسون والخبز وقهوة الصباح، لكنه في الوقت ذاته مفعم بروح العزلات وفقدان اليقين.
رحلة يونس النفسية والمعرفية تتخلق عبر سلسلة من التحولات واللقاءات النسائية الفارقة التي لا تُقرأ كعلاقات عاطفية عابرة، بل كـ “طبقات حضارية وفلسفية” يعكس فيها البطل صراعاته الداخلية (بين البساطة والترف، الحنين والعبث). كما تتسم لغة الرواية باقتصاد بليغ ورفيع؛ فهي تبتعد عن الترهل الإنشائي والخطابية المجانية، وتعتمد على “المشهدية البصرية” وتداعي الأفكار ، مدعومة بتناص موسيقي ويومي يمنح النص إقاعاً داخلياً يشد انتباه القارئ.
و تكمن الإجابة عن “لماذا كُتبت هذه الرواية؟” في محاولة إعادة الاعتبار لقصص الأفراد بعيداً عن أرقام النشرات الإخبارية. لا تكتفي الرواية بالسرد الممتع، بل تفتح أسئلة كبرى وجدلاً حقيقياً حول جدوى الحرية، وثمن المعرفة، وتصادم الهوية مع المنفى. إنها تغوص في مأزق المثقف وهو يتنقل بين الشعور بالانتماء والانكسارات السياسية وبين تفاصيل الواقع اليومي، وهو ما يمنح النص قيمته النقدية العالية.
تتوسل الكاتبة بنية دائرية محكمة K فالرواية تبدأ بهاجس القبض والملاحقة في حافلة الصليب الأحمر، وتنتهي في المشهد الأخير باعتقال مشابه على أرض القاهرة عقب رحلة طويلة. فنجاح يونس العلمي والأكاديمي في أوروبا وتجاوزه لحدود الجغرافيا لم يمنحاه الطمأنينة المطلقة، لأن “الغريب ليس من لا وطن له، بل من ضاعت بوصلة روحه بين الأسئلة”
إن رواية “ليلة القبض على يونس” ليست مجرد سرد لمغامرة شاب تخرج في كليّة الطب وتنقل بين العواصم، بل هي شهادة ميلاد لصوت روحي وفكري ناضج يمتلك أدواته الفنية بوعي مذهل. لقد استطاعت عبير محمد أن تحوّل الألم الجمعي والاغتراب الفردي إلى ملحمة إنسانية ووجودية توثق حقبة بكر من تاريخ العذاب والتحقق الفلسطيني. ومما يضفي غصة مريرة على هذا الإنجاز الثقافي الفريد، أن حرب الإبادة والحصار المستمر قد حال دون وصول نسخ الرواية إلى غزة، لتظل ممنوعة من دخول مسقط رأس الحكاية وبعيدة عن أيدي الجمهور من الكتّاب والمبدعين الذين ينتظرونها بشغف ،وهو ما يضع هذا النص في مواجهة قدره: رواية فلسطينية وُلدت من رحم المعاناة، وتنتظر طليعة قرائها حين تنفتح نوافذ النور من جديد.
اترك تعليقاً