وجهة نظر

الصحراء المغربية.. نهاية مرحلة وبداية مسؤولية تاريخية

سعيد الغماز

قرار أمريكي منسجم مع القرار 2779 الذي صادق عليه مجلس الأمن في أكتوبر 2025، ويقضي بتسريع الحل النهائي لصراع دام أكثر من نصف قرن، لكنه يسقط بفيتو روسي وهو ما يعني اشتغال روسيا على استدامت الصراع المغاربي وعرقلت كل محاولة للحل النهائي. فلماذا تريد روسيا إطالة النزاع، وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على إيجاد حل نهائي له؟

في سابقة تاريخية، يعرف مجلس الأمن الدولي تنزيل قرارين مختلفين لتصويت المجلس. قرار الولايات المتحدة الأمريكية حصل على الشرعية الدولية بتصويت 11 عضو من أصل 15، لكن الفيتو الروسي أسقطه لكنه لم يُسقط شرعيته الدولية، لأن أغلب أعضاء المجلس رفضوا التصويت على المقترح الروسي الذي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات. وبذلك يكون قرارا مرفوضا لأن النصاب القانوني هو الحصول على تسعة أصوات على الأقل.

لكن لماذا استعملت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو رغم أن القرار الروسي مرفوض من قبل غالبية المجلس؟

إن استعمال الفيتو الأمريكي ضد قرار لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات، هو رسالة لروسيا وللجزائر. ومفاد هذه الرسالة أن صراع الصحراء الذي دام لأكثر من 50 سنة، لا يمكن أن يستمر أكثر من هذه السنوات، وحان وقت إيجاد حل لهذا الصراع. والحل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ومن ورائها أغلبية أعضاء مجلس الأمن الدولي، لن يكون إلا في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

هذا الموقف الواضح لدولة عظمى ولأكبر قوة اقتصادية وعسكرية عالميا، جعل المغرب يستبق الأحداث، ويُصدر بلاغا دون تأخر، يطالب فيه بسحب بعثة المينورسو جميع معداتها ومركباتها وطواقمها ورموزها مع التزام المملكة بوقف إطلاق النار.

نحن الآن أمام طريقين مختلفين: طريق جزائري يعرف جيدا أنه خسر معركة الديبلوماسية الدولية لصالح المملكة المغربية. وهو الآن يبحث عن طريق لتمديد الصراع ولو بإقرار تمديد مهنة المينورسو سنة إضافية. بطبيعة الحال تمديد هذا الصراع يُعتبر هدية جزائرية لبعض الدول الكبرى لاستمرارها في ابتزاز طرفي الصراع الجزائر والمغرب، وخدمة مصالح دولها على حساب مصالح وتنمية البلدين المغاربيين وعلى حساب مستقبل شعوب المغرب العربي. وسيكشف التاريخ عن الثمن الذي دفعه النظام الجزائري مقابل الفيتو الروسي، على حساب تنمية الجزائر وقوت الشعب الجزائري.

الطريق الثاني هو طريق المملكة المغربية، التي اعتبرت أن هذا الصراع امتد لمدة طويلة، واستمراره هو استمرار لخسارة الدول المغاربية وشعوبها، مقابل استفادت الدول الكبرى، على رأسها روسيا الاتحادية التي تستفيد من صفقات الأسلحة بلا حساب من ميزانية الشعب الجزائري، بالإضافة إلى الامتيازات التي يوفرها النظام الجزائري مقابل دعم روسي لأطروحته في المنتظم الدولي.

إذا كان النظام الجزائري مستعد للتضحية بمستقبل الشعب الجزائري، وجعل ثروته تحت تصرف البلدان الكبرى مقابل موقف داعم لأطروحته في المنتظم الدولي، فإن المغرب قد هيأ نفسه في السنوات الأخيرة، لإيقاف هذا الابتزاز وهذا الاستغلال لصراع مصطنع يستغل ثروات المغرب والجزائر لخدمة مصالح البلدان العظمى.

بلاغ الديوان الملكي كان واضحا بهذا الخصوص. فالمغرب عكس الجزائر، يملك مشروعا اقتصاديا واستراتيجية خاصة بالمشاريع الكبرى، وهو عازم على توفير الشروط الضرورية للنجاح في هذا الطموح التنموي وجعل المغرب في مصاف الدول الصاعدة.

إصرار الولايات المتحدة على وضع نقطة النهاية لهذا الصراع العبثي، وهو ما عبرت عنه في الفيتو ضد القرار الروسي، جعل الشروط الدولية في صالح المغرب، كما أنها تفتح أمامه مرحلة جديدة. هذه المرحلة ليست في صالح النظام الجزائري الذي أصبح معزولا دوليا سواء في مجلس الأمن الدولي حيث أن التوجه الجزائري لا يحظى بدعم غالبية أعضاء المجلس، كما أن التوجه المغربي القاضي بالحكم الذاتي، أصبح يحظى بدعم غالبية دول المنتظم الدولي وهو ما يزيد من عزلة الجزائر.

بعد الفيتو المدفوع الثمن من قبل النظام الجزائري، عرفت قضية الصحراء مرحلة جديدة، مفادها أن الصحراء جزء من التراب المغربي، وأقاليم جنوبية مشمولة بالطموح التنموي للدولة ولم يعد أي وجود لشيء اسمه الشريط العازل. والعناصر الانفصالية أصبحت الآن قابعة في التراب الجزائري، وعلى نظام قصر المرادية تحمل مسؤوليته اتجاههم واتجاه المحتجزين في مخيمات تندوف. أما التلويح بالعودة للحرب، فالجزائر والبوليساريو، يفهمون قبل غيرهم أنهم خسروا المعركة، وأن أي رصاصة تنطلق من التراب الجزائري، ستعرف ردا ساحقا، لأننا في نهاية مرحلة وبداية مسؤولية جديدة اشتغل عليه المغرب طيلة السنوات الأخيرة.

لم يبق أمام النظام الجزائري سوى الاعتراف بهزيمته الديبلوماسية، بعد هزيمته العسكرية. والتلويح بالعودة للسلاح مجرد فقاعة خاوية. لم يستوعب النظام الجزائري اليد الممدودة من جلالة الملك في أكثر من مناسبة طبلة مدة الصراع، والآن سيبحث عن هذه اليد الممدودة بأي ثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *