النظام الضريبي للجمعيات بالمغرب: بين فلسفة الإعفاء الجبائي ورهانات الحكامة والعدالة الضريبية

تضطلع جمعيات المجتمع المدني بأدوار متنامية في مجالات التنمية الاجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية، كما أصبحت شريكا أساسيا للدولة والجماعات الترابية في تنفيذ عدد من البرامج والمشاريع ذات المنفعة العامة.
ولم يعد العمل الجمعوي مقتصرا على المبادرات التطوعية المحدودة، بل أضحى مجالا منظما تتداخل فيه الموارد المالية العمومية والخاصة والشراكات والتبرعات والأنشطة المدرة للموارد.
وفي هذا السياق، يكتسي النظام الضريبي المطبق على الجمعيات أهمية خاصة، إذ اختار المشرع المغربي إخضاعها لنظام جبائي يتضمن مجموعة من الإعفاءات والامتيازات، بالنظر إلى طبيعتها غير الربحية وأدوارها الاجتماعية والتضامنية.
غير أن هذه الامتيازات لا تعني إعفاء مطلقا من الالتزامات الضريبية، كما لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لممارسة أنشطة تجارية في ظروف تخل بمبدأ المنافسة والعدالة الجبائية.
فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: هل الجمعيات معفاة من الضرائب أم لا؟ بل يتعين أن يتجه إلى سؤال أعمق: كيف يمكن التوفيق بين حماية العمل الجمعوي باعتباره رافعة للتنمية وضمان احترام قواعد العدالة الضريبية والشفافية المالية؟
انطلاقا من ذلك، تسعى هذه المقالة إلى تحليل النظام الضريبي للجمعيات بالمغرب، من خلال الوقوف على الإعفاءات المتعلقة بالضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة وواجبات التسجيل والتنبر والرسوم المحلية، مع إبراز الالتزامات المحاسبية والتصريحية التي تظل قائمة رغم الاستفادة من بعض الإعفاءات.
أولا: الأساس القانوني والفلسفة الجبائية لإعفاء الجمعيات
يستند النظام الضريبي للجمعيات إلى مجموعة من المقتضيات الواردة في المدونة العامة للضرائب، إلى جانب القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، كما تم تعديله وتتميمه، ولا سيما بموجب القانون رقم 14.25 الصادر سنة 2025.
وتستفيد الجمعيات التي تستوفي الشروط القانونية من امتيازات جبائية متعددة، تشمل أساسا الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة وواجبات التسجيل والتنبر، فضلا عن بعض الإعفاءات المتعلقة بالرسم المهني ورسم الخدمات الجماعية.
وتقوم فلسفة هذه الإعفاءات على اعتبار أن الجمعية لا تستهدف، من حيث الأصل، تحقيق الربح لفائدة أعضائها، وإنما تسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية أو ثقافية أو تربوية أو تنموية، ويتم توظيف مواردها في تنفيذ أنشطتها وتحقيق أهدافها المسطرة في القانون الأساسي.
لكن ينبغي التمييز بين عدم توزيع الأرباح وعدم تحقيق فائض مالي. فالجمعية قد تحقق فائضا في نهاية السنة نتيجة حسن تدبير مواردها أو الحصول على منح وتبرعات أو مساهمات، ولا يعني ذلك بالضرورة أنها أصبحت مؤسسة ربحية.
فالعبرة ليست بمجرد وجود فائض، وإنما بطبيعة النشاط ومآل الموارد ومدى إعادة توظيفها في تحقيق الأهداف الجمعوية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الفائض المالي المشروع باعتباره نتيجة للتدبير، والربح الموزع باعتباره منفعة خاصة تعود على الأعضاء أو المسيرين.
ثانيا: الإعفاء من الضريبة على الشركات وحدود الاستفادة منه
تعتبر الضريبة على الشركات من أهم الضرائب التي يطرح بشأنها النظام الجبائي للجمعيات مجموعة من الإشكالات العملية.
فبموجب المادة 2 من المدونة العامة للضرائب، تدخل الجمعيات والهيئات المعتبرة قانونا في حكمها ضمن نطاق الأشخاص المعنيين بالضريبة على الشركات.
غير أن المادة 6، الفقرة الأولى، البند (أ)، تمنح إعفاء كليا ودائما للجمعيات والهيئات المماثلة غير الهادفة إلى الربح، وذلك بالنسبة للعمليات المطابقة للأهداف المحددة في أنظمتها الأساسية.
ويعني ذلك أن الإعفاء يرتبط بطبيعة العملية المنجزة وبمدى ارتباطها بالغرض الجمعوي، وليس بمجرد الصفة القانونية للجمعية.
وفي المقابل، لا يشمل هذا الإعفاء المؤسسات التجارية أو الخدماتية التي تملكها الجمعية، كما لا يمتد تلقائيا إلى الأنشطة ذات الطابع الصناعي أو التجاري أو المالي التي تمارس خارج الحدود المرتبطة بالهدف غير الربحي.
ومن الأمثلة التي تستوجب الانتباه: امتلاك الجمعية لمقهى أو مطعم أو محل تجاري أو مؤسسة تقدم خدمات بمقابل في إطار نشاط تجاري مستقل. فهذه العمليات قد تخضع للضريبة وفق القواعد القانونية المطبقة، حتى وإن كانت الجمعية نفسها تستفيد من الإعفاء بالنسبة إلى أنشطتها الجمعوية.
ومن الناحية التحليلية، لا يكفي أن تنص الجمعية في قانونها الأساسي على أهداف اجتماعية أو ثقافية حتى تستفيد من الإعفاء بصورة آلية، بل ينبغي أن تعكس أنشطتها الفعلية طبيعة تلك الأهداف.
وتبرز هنا أهمية مجموعة من المعايير التي يستأنس بها عند تقييم الطابع غير الربحي للتسيير، من بينها:
- الطابع التطوعي لتسيير الجمعية.
- عدم توزيع الفائض المالي بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأعضاء.
- عدم تمكين الأعضاء من الاستفادة من أصول الجمعية عند حلها.
- مدى ارتباط الخدمات المقدمة بالأهداف الاجتماعية أو التنموية.
- طبيعة الفئات المستفيدة من الخدمات.
- مستوى الأسعار مقارنة بما هو معمول به في السوق.
- طبيعة الإشهار والتواصل التجاري المعتمد.
وتكتسي هذه المعايير أهمية خاصة عندما تمارس الجمعية أنشطة قد تتقاطع مع أنشطة المقاولات التجارية، إذ يصبح من الضروري التحقق مما إذا كانت تقدم خدمة ذات منفعة اجتماعية أو تنافس الفاعلين الاقتصاديين وفق منطق تجاري مماثل.
كما تجدر الإشارة إلى أن الجمعيات السكنية تخضع لشروط خاصة للاستفادة من الإعفاء، وفق المادة 7-I-B من المدونة العامة للضرائب، من بينها شروط تتعلق بوضعية المنخرطين واستعمال السكن باعتباره سكنا رئيسيا واحترام المساحة المحددة قانونا والتصريح بالتغييرات التي تطرأ على لائحة المنخرطين.
ثالثا: الامتيازات الجبائية المرتبطة بالتبرعات والشراكات
لا تقتصر السياسة الجبائية على منح الإعفاء للجمعيات، بل تتجه أيضا إلى تشجيع التمويل الخاص للعمل الجمعوي عن طريق إقرار إمكانية خصم بعض التبرعات من النتيجة الخاضعة للضريبة لدى الجهات المانحة.
وفي هذا الإطار، تسمح المادة 10 من المدونة العامة للضرائب، ضمن الشروط المحددة فيها، بخصم التبرعات النقدية أو العينية المقدمة إلى عدد من الجهات، ومن بينها الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة متى كانت تمارس أنشطة خيرية أو علمية أو ثقافية أو فنية أو أدبية أو تربوية أو رياضية أو تعليمية أو صحية أو بيئية.
كما تشمل المقتضيات التبرعات الممنوحة للجمعيات التي أبرمت اتفاقيات شراكة مع الدولة من أجل إنجاز مشاريع ذات مصلحة عامة، مع مراعاة السقف القانوني المحدد في اثنين في الألف (2‰) من رقم المعاملات، وفق الشروط والإجراءات التنظيمية المعمول بها.
وتكشف هذه المقتضيات عن توجه يرمي إلى جعل النظام الضريبي أداة لتعبئة الموارد الخاصة لفائدة المبادرات ذات النفع العام، بدل الاقتصار على التمويل العمومي المباشر.
غير أن فعالية هذا التحفيز تظل مرتبطة بمدى وضوح مساطر الاعتراف بالمنفعة العامة وشفافية استعمال التبرعات وإمكانية تتبع أثرها الاجتماعي والتنموي.
رابعا: الضريبة على الدخل والأجور داخل الجمعيات
لا يعني إعفاء الجمعية من الضريبة على الشركات إعفاءها من جميع الضرائب المرتبطة بالموارد البشرية.
فالأجور والتعويضات التي تدفعها الجمعية إلى مستخدميها تخضع، من حيث الأصل، للقواعد العامة للضريبة على الدخل، مع التزام الجمعية باقتطاع الضريبة من المنبع والتصريح بها وفق المقتضيات القانونية، ولا سيما المواد 56 و73 و156 و174 من المدونة العامة للضرائب.
ومع ذلك، تتضمن المادة 57-20 من المدونة مقتضى خاصا يتعلق بإعفاء الأجور الشهرية الإجمالية التي لا تتجاوز 10.000 درهم لمدة 24 شهرا ابتداء من تاريخ التوظيف، في حدود عشرة أجراء بالنسبة إلى المقاولات والجمعيات والتعاونيات المنشأة خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2015 إلى 31 دجنبر 2026.
ويشترط للاستفادة من هذا الإعفاء:
- إبرام عقد عمل غير محدد المدة.
- أن يتم التوظيف خلال السنتين الأوليين من تاريخ بداية الاستغلال.
- احترام سقف الأجراء المحدد قانونا.
- احترام باقي الشروط والإجراءات التصريحية المنصوص عليها في المدونة.
ومن الضروري التنبيه إلى أن هذا الإعفاء لا يشكل إعفاء عاما لجميع مستخدمي الجمعيات، وإنما امتياز مؤقت ومشروط يرتبط بتاريخ إحداث الجمعية وتاريخ التوظيف وطبيعة عقد العمل.
كما تستبعد المادة 62 من نطاق الضريبة على الدخل القيمة الكرائية للعقارات التي يضعها مالكوها مجانا رهن إشارة الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، متى استعملت تلك العقارات لإيواء مؤسسات خيرية لا تهدف إلى تحقيق الربح.
خامسا: الضريبة على القيمة المضافة بين الإعفاء ومحدودية نطاقه
تطرح الضريبة على القيمة المضافة إشكالا خاصا، بالنظر إلى أن بعض الجمعيات قد تمارس أنشطة أو تقدم خدمات بمقابل، وهو ما يقتضي التمييز بين طبيعة النشاط والصفة القانونية للجهة التي تقوم به.
فالإعفاء من الضريبة على الشركات لا يعني بالضرورة الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة، إذ لكل ضريبة شروطها ومجال تطبيقها الخاص.
وتنص المادة 91 من المدونة العامة للضرائب على مجموعة من الإعفاءات دون الحق في الخصم. ومن بين العمليات ذات الصلة بالجمعيات الخدمات المقدمة من طرف الجمعيات غير الربحية المعترف لها بصفة المنفعة العامة، مع استثناء العمليات ذات الطابع التجاري أو الصناعي أو الخدماتي التي لا يشملها الإعفاء وفق الشروط القانونية.
كما تشمل بعض الإعفاءات عمليات بيع المعدات المتخصصة الموجهة حصريا للأشخاص في وضعية إعاقة، وبعض الخدمات المرتبطة بفحص البصر لفائدة الأشخاص المكفوفين وفق الشروط المحددة في المدونة.
أما المادة 92 فتقرر إعفاءات مع الحق في الخصم بالنسبة إلى عمليات محددة، من بينها السلع والأعمال والخدمات الممولة أو المقدمة على سبيل التبرع للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة التي تعنى بالأوضاع الاجتماعية والصحية للأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعية هشاشة.
كما تشمل بعض العمليات المرتبطة بالتعاون الدولي والتبرعات المقدمة من الحكومات الأجنبية أو المنظمات الدولية لفائدة الجهات المحددة قانونا.
وتستفيد بعض الجمعيات والمؤسسات ذات الطبيعة الخاصة من إعفاءات إضافية تتعلق باقتناء المعدات والتجهيزات، خصوصا الجمعيات التي تعنى بالأشخاص في وضعية إعاقة والهلال الأحمر المغربي وعدد من المؤسسات والجمعيات المحددة في المدونة.
غير أن الاستفادة من هذه الإعفاءات لا تتم بصورة تلقائية في جميع الحالات، بل ترتبط بطبيعة العملية والجهة المستفيدة والوثائق المطلوبة واحترام المساطر الإدارية المنصوص عليها، بما في ذلك الحصول على الشهادات أو التراخيص اللازمة عند الاقتضاء.
ومن المهم هنا التأكيد على أن الإعفاء دون الحق في الخصم يختلف قانونا وماليا عن الإعفاء مع الحق في الخصم، فالأول لا يتيح استرجاع الضريبة التي تحملتها الجمعية على مشترياتها في الحدود المقررة، بينما يتيح الثاني الاستفادة من آلية الخصم وفق الشروط القانونية.
سادسا: واجبات التسجيل والتنبر والرسوم المحلية
إلى جانب الضرائب السابقة، تستفيد بعض الجمعيات والهيئات ذات المنفعة العامة من إعفاءات في مجال واجبات التسجيل والتنبر وفق الحالات المحددة في المادة 129 من المدونة العامة للضرائب.
وتهم هذه الإعفاءات، بحسب طبيعة العملية والجهة المستفيدة، بعض العقود والاقتناءات والوثائق المرتبطة بالأنشطة ذات المصلحة العامة، وبالجمعيات والمؤسسات المحددة قانونا.
كما ترتبط الإعفاءات من واجبات التنبر بالمقتضيات القانونية التي تحيل على الوثائق والعقود المعفاة من التسجيل، ولا سيما المادة 250 من المدونة، مع ضرورة التحقق من طبيعة الوثيقة والعملية المعنية قبل اعتبارها معفاة.
أما على مستوى الجبايات المحلية، فقد نصت المادة 6 من القانون رقم 47.06 على الإعفاء الكلي والدائم للجمعيات والهيئات المعتبرة قانونا في حكمها وغير الهادفة إلى الربح، بالنسبة إلى العمليات المطابقة للأهداف المحددة في أنظمتها الأساسية.
ويشمل هذا الإطار الرسم المهني ورسم الخدمات الجماعية، مع استثناء المؤسسات التجارية والخدماتية التي تملكها الجمعيات.
ويجب في هذا السياق مراعاة التعديلات التي أدخلها القانون رقم 14.25 على القانون رقم 47.06، ولا سيما ما يتعلق بتدبير بعض الرسوم المحلية وتحصيلها وتحديث الإدارة الجبائية المحلية.
غير أن هذه التعديلات لا ينبغي الخلط بينها وبين شروط الإعفاء الموضوعية التي تظل مرتبطة بطبيعة النشاط والجهة المستفيدة.
سابعا: الالتزامات المحاسبية والتصريحية رغم الإعفاء
من أكثر الأخطاء شيوعا في التدبير الجمعوي الاعتقاد بأن الاستفادة من الإعفاء الضريبي تعني عدم الخضوع للمراقبة أو عدم الالتزام بمسك المحاسبة والتصريح.
والحال أن الإعفاء من الضريبة على الشركات لا يلغي بالضرورة الالتزامات المحاسبية والتصريحية التي يفرضها القانون على الأشخاص المعنيين.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المادة 20 من المدونة العامة للضرائب، التي تلزم الجمعيات المعنية، سواء كانت خاضعة للضريبة أو معفاة منها، بإيداع التصريح بالنتيجة الجبائية داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ اختتام السنة المحاسبية، وفق الشروط المحددة في النص.
كما تفرض المادة 145 احترام مجموعة من القواعد المتعلقة بالمحاسبة والوثائق الإثباتية، ومن بينها:
- مسك محاسبة منتظمة وفق القواعد القانونية المطبقة.
- الاحتفاظ بالوثائق والمستندات المثبتة للعمليات المالية.
- إعداد جرد تفصيلي للمخزون عند الاقتضاء.
- إصدار الفواتير والوثائق المحاسبية وفق البيانات القانونية المطلوبة.
- تضمين المعرفات الجبائية اللازمة في الوثائق والفواتير.
- إثبات المصاريف والمشتريات بوثائق صحيحة ومستوفية للشروط.
كما تظل بعض التصريحات الأخرى واجبة بحسب طبيعة العمليات التي تقوم بها الجمعية، ومن بينها التصريحات المتعلقة بالأجور والتعويضات المدفوعة للغير والمبالغ المؤداة لغير المقيمين والتغييرات التي تطرأ على العنوان أو الوضعية القانونية والتوقف عن النشاط، وغيرها من التصريحات التي تحددها المدونة.
وتكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة بالنسبة إلى الجمعيات التي تتلقى دعما عموميا أو تمويلا من شركاء وطنيين أو دوليين، إذ إن الشفافية المالية لا تقتصر على احترام الالتزامات الجبائية، بل تمتد إلى القدرة على إثبات كيفية تحصيل الموارد وصرفها ومدى ارتباط النفقات بالأهداف المعلنة.
ثامنا: نحو عدالة جبائية تدعم العمل الجمعوي ولا تخل بالمنافسة
إن تقييم النظام الضريبي للجمعيات ينبغي ألا يتم من زاوية حجم الإعفاءات وحدها، بل من خلال مدى قدرته على تحقيق التوازن بين ثلاثة اعتبارات أساسية:
أولها: دعم المجتمع المدني وتمكين الجمعيات من أداء أدوارها التنموية والاجتماعية دون تحميلها أعباء جبائية قد تحد من قدرتها على تنفيذ البرامج والمشاريع.
وثانيها: حماية العدالة الضريبية من خلال عدم السماح باستعمال الصفة الجمعوية كغطاء لممارسة أنشطة تجارية تستفيد من امتيازات لا تتاح للمقاولات الخاضعة للقواعد العامة.
وثالثها: تعزيز الحكامة المالية والمحاسبية، بما يضمن حسن تدبير الدعم العمومي والتبرعات والموارد الذاتية، ويعزز ثقة المواطنين والشركاء والمؤسسات المانحة في العمل الجمعوي.
ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح عدد من التدابير العملية، من بينها تبسيط المساطر التصريحية الخاصة بالجمعيات الصغيرة، وتوفير أدلة جبائية مبسطة ومحينة وتعزيز التكوين في المحاسبة والتدبير المالي وتوضيح حدود الأنشطة المدرة للدخل، مع إرساء آليات مواكبة قبلية تساعد الجمعيات على تفادي الأخطاء والمخالفات.
كما ينبغي العمل على نشر ثقافة جبائية داخل النسيج الجمعوي حتى لا ينظر إلى الالتزام الضريبي باعتباره عبئا إداريا فقط، بل باعتباره جزءا من الحكامة الجيدة والمسؤولية المؤسساتية.
خاتمة
يتضح من خلال تحليل النظام الضريبي المغربي أن المشرع اختار منح الجمعيات مجموعة من الإعفاءات والامتيازات الجبائية تقديرا للدور الذي تؤديه في خدمة الصالح العام والمساهمة في التنمية.
غير أن هذه الامتيازات ليست مطلقة، وإنما ترتبط بشروط قانونية وموضوعية، من أهمها احترام الأهداف المسطرة في الأنظمة الأساسية وعدم توزيع الأرباح والتمييز بين الأنشطة الجمعوية والعمليات التجارية أو الخدماتية الخاضعة للقواعد العامة.
ومن وجهة نظري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسيع الإعفاءات الجبائية بصورة غير مشروطة ولا في تضييقها بما يضعف المبادرة المدنية، وإنما في بناء نظام جبائي واضح ومتوازن يضمن للجمعيات شروط الاستمرارية ويمنع في الوقت نفسه توظيف الامتياز الجبائي خارج الغايات التي أُقر من أجلها.
فالجمعية القوية ليست فقط تلك التي تنجح في تعبئة الموارد، بل هي أيضا التي تحسن تدبيرها وتثبت أثرها وتحترم القانون وتقدم نموذجا في الشفافية والمسؤولية.
ومن هنا فإن الحكامة الجبائية للجمعيات ينبغي أن تتحول من مجرد التزام قانوني إلى ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في المجتمع المدني وترسيخ دوره كشريك في التنمية.
المراجع القانونية والمؤسساتية الأساسية
- الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 15 نونبر 1958 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات، كما وقع تغييره وتتميمه.
- المدونة العامة للضرائب، طبعة 2026، ولا سيما المواد 2 و6 و7 و10 و20 و56 و57 و62 و91 و92 و129 و145 و250.
- القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، كما تم تغييره وتتميمه.
- القانون رقم 14.25 الصادر سنة 2025 بتغيير وتتميم القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية.
- القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي.
- مذكرة حول النظام الضريبي المطبق على جمعيات المجتمع المدني، الموقع الرسمي للوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، محينة بتاريخ 6 فبراير 2026.
- المديرية العامة للضرائب، المدونة العامة للضرائب، طبعة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية.
المراجع الرسمية
- المدونة العامة للضرائب – طبعة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية.
- مذكرة النظام الضريبي المطبق على جمعيات المجتمع المدني – تحيين 6 فبراير 2026.
اترك تعليقاً