منتدى العمق

الفيتو الروسي يذبح الديمقراطية في مجلس الأمن

الفيتو الروسي يذبح الديمقراطية في مجلس الأمن

11 دولة تؤيد المشروع الأمريكي وصوت روسي واحد يسقطه.. ومجلس الأمن يعيد فتح جرح الديمقراطية الدولية، فيما تظل الوحدة الترابية المغربية أكبر من حسابات القوى العظمى وصراعاتها

لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، مجرد موعد للتصويت على مشروع قرار أمريكي بشأن الصحراء المغربية ومستقبل بعثة المينورسو، بل كانت مشهدًا جديدًا من مشاهد المفارقة التي يعيشها العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة: أغلبية تؤيد، وأقلية تعترض، ودولة واحدة تمتلك سلطة إسقاط القرار.

إحدى عشرة دولة صوتت لصالح المشروع الأمريكي، وروسيا وحدها صوتت ضده، فيما امتنعت ثلاث دول عن التصويت. ومع ذلك، سقط المشروع، ليس لأنه افتقد الأغلبية المطلوبة، وإنما لأن الدولة المعارضة تملك حق النقض، أو ما يسمى «الفيتو».

وهنا تتجدد الأسئلة: أي ديمقراطية هذه التي تمنح دولة واحدة سلطة تعطيل إرادة إحدى عشرة دولة؟ وأي مساواة بين أعضاء مجلس الأمن حين يصبح لصوت واحد أثر يفوق مجموع أصوات الأغلبية؟

لكن، وبعيدًا عن الحسابات الدبلوماسية، فإن حقيقة أساسية تظل قائمة من المنظور المغربي: الصحراء المغربية لن تتغير جغرافيتها، ولن يُمحى تاريخها، ولن تتبدل الروابط التي تجمعها بالمغرب لمجرد موقف سياسي روسي أو أمريكي أو غيرهما.

فالخرائط لا يعيد رسمها حق النقض، والجغرافيا لا تتغير برفع الأيدي أو الامتناع عن التصويت.

سبق أن كتبت عن الفيتو الذي يذبح الديمقراطية

في 17 يناير 2016، نشرت مقالة رأي بعنوان «الفيتو أو عندما تذبح الديمقراطية في مهدها»، أعادت منصة الجزيرة مباشر نشرها يوم 8 نونبر 2017.

انتقدت يومها احتكار الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن سلطة تعطيل القرارات الدولية، واعتبرت أن المؤسسة التي يفترض أن تحمي السلم والأمن العالميين تحمل داخل بنيتها خللًا عميقًا يجعل مصالح القوى الكبرى تتقدم أحيانًا على حقوق الشعوب.

ولم يكن موقفي موجهًا ضد روسيا تحديدًا، ولا دفاعًا عن الولايات المتحدة، وإنما كان اعتراضًا على امتياز سياسي وقانوني يسمح للدول الأقوى بالتحكم في مصير قرارات تمس العالم بأسره.

وعدت إلى الموضوع في مقالتي «سجل الأمم المتحدة يفرض البحث عن بدائل: مجلس السلام نموذجًا»، المنشورة بالجزيرة نت في 5 فبراير 2026، حيث جددت الدعوة إلى إعادة النظر في بنية النظام الدولي، وفي المؤسسات التي جعلت من حق النقض وسيلة لتعطيل القرارات.

واليوم، وبعد نحو عشر سنوات من مقالتي الأولى، يعود الفيتو إلى الواجهة من بوابة قضية الصحراء المغربية.

والمفارقة أن ما كنت أنتقده من حيث المبدأ أصبح حاضرًا أمامنا في واقعة دبلوماسية ترتبط مباشرة بوحدتنا الترابية.

ماذا كان يحمل المشروع الأمريكي الذي أسقطته روسيا؟

لم يكن المشروع الأمريكي مجرد تمديد تقليدي لولاية المينورسو، بل تضمن مقترحات لإعادة النظر في طبيعة البعثة ومستقبل المفاوضات.

فقد اقترح تمديد ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2027، وتغيير تسميتها من «مينورسو» إلى «مينوسو»، بحذف حرف الراء الذي يشير إلى الاستفتاء في التسمية الفرنسية.

والدلالة السياسية لهذا التغيير واضحة: مراجعة ارتباط بعثة أُحدثت سنة 1991 بهدف تنظيم استفتاء لم يتحقق، وظلت موجودة لعقود طويلة في ظل استمرار النزاع.

كما سعى المشروع الأمريكي إلى تعزيز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية، باعتبارها الأساس الوحيد المقترح للمفاوضات، مع تقديم الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بوصفه الحل الأكثر قابلية للتطبيق.

وتضمن كذلك مراجعة استراتيجية لمهام البعثة ومكونها العسكري، بعدما تراجعت واشنطن عن مقترحات أكثر تشددًا كانت تتضمن آجالًا محددة لإنهاء مهمتها العسكرية وتقليص عناصرها.

لكن روسيا اعترضت على الصياغة، ودافعت عن تمديد ولاية المينورسو دون إدخال التغييرات الأمريكية المقترحة، مؤكدة ضرورة المحافظة على المرجعيات الأممية ومبدأ تقرير المصير.

وهكذا سقط المشروع الأمريكي، بينما بقي الخلاف حول مستقبل البعثة والإطار السياسي للمفاوضات قائمًا.

الجغرافيا المغربية ليست ورقة في لعبة الفيتو

ما ينبغي أن تدركه القوى الدولية هو أن ملف الصحراء لا يمكن اختزاله في مجرد منافسة دبلوماسية بين واشنطن وموسكو.

فبالنسبة للمغاربة، ترتبط الصحراء بتاريخ الدولة المغربية، وبروابط البيعة والانتماء والامتداد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وبمسار سياسي ووطني جعل الوحدة الترابية إحدى القضايا المركزية للمملكة.

ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الروسي، مهما كانت دوافعه السياسية والقانونية، لا يستطيع تغيير طبيعة الارتباط الذي يراه المغاربة قائمًا بين شمال المملكة وجنوبها.

لقد كانت الصحراء قبل المشروع الأمريكي، وستظل موضوع التزام وطني مغربي بعد سقوطه.

غير أن قوة هذا الموقف الوطني ينبغي أن تقترن باستمرار الترافع القانوني والسياسي والدبلوماسي، لأن الملف لا يزال مطروحًا أمام الأمم المتحدة، والتسوية النهائية لم تُعتمد بعد.

فمن حق المغرب أن يدافع عن وحدته الترابية، ومن مسؤوليته كذلك مواصلة تقديم مبادرته للحكم الذاتي باعتبارها مشروعًا سياسيًا ومؤسساتيًا قابلًا للتنفيذ، يضمن الاستقرار والتنمية وحقوق السكان.

أما تحويل القضية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فلن يخدم مستقبل المنطقة ولا مصالح شعوبها.

روسيا ليست وحدها.. الفيتو امتياز يحتكره الأقوياء

ليس مقبولًا أن نندد بالفيتو الروسي اليوم، ثم نصمت عن الفيتو الأمريكي عندما يعطل قرارات تتعلق بحماية المدنيين، أو نتغاضى عن استخدام الصين أو غيرها لهذا الحق عندما يتعارض مع مصالح الشعوب.

إن النقد المبدئي لا يتغير بتغير الدولة التي ترفع يدها معترضة.

فالولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا تمتلك جميعها الحق نفسه، بموجب المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد نشأ هذا النظام في ظروف تاريخية أعقبت الحرب العالمية الثانية، بهدف ضمان مشاركة القوى الكبرى في منظومة الأمن الجماعي.

لكن العالم تغير، وتغيرت معه التحديات، بينما استمر امتياز الفيتو قائمًا.

ومن المفارقات أن الدول التي تدافع عن الديمقراطية وتعددية الآراء والتداول على السلطة، تقبل داخل مجلس الأمن بمنظومة تجعل حق التعطيل حكرًا على خمس دول.

ولا يتعلق الأمر بإنكار الشرعية القانونية لهذا الامتياز، وإنما بمساءلة مدى انسجامه مع مبادئ المساواة والإنصاف والمشاركة في اتخاذ القرارات الدولية.

فليس كل ما تسمح به القواعد القائمة عادلًا بالضرورة، وإلا لما احتاج العالم إلى إصلاح مؤسساته وقوانينه.

هل أصبحت الأمم المتحدة تدير النزاعات بدل حلها؟

منذ أكثر من ثلاثة عقود، توجد المينورسو بالصحراء، وتعاقبت القرارات والتقارير والمبعوثون الأمميون، دون التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع.

وخلال تلك العقود، استمرت الخلافات، وتعطلت مشاريع التكامل المغاربي، وبقي سكان مخيمات تندوف يعيشون واقعًا إنسانيًا يستدعي حلولًا مستدامة.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبح استمرار البعثات الأممية هدفًا في حد ذاته، أم أن الغاية من وجودها هي المساعدة على إنهاء النزاعات التي أُحدثت من أجلها؟

إن الأمم المتحدة مطالبة بتقييم حصيلة تدخلاتها بقدر ما هي مطالبة بتمديد ولايات بعثاتها.

فاستمرار المؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن تحقيق الأهداف.

وفي حالة الصحراء، فإن أي مراجعة لمهام البعثة ينبغي أن تراعي الاستقرار الميداني، وأن تواكب جهود التوصل إلى تسوية سياسية، بدل الاكتفاء بإدارة حالة الجمود.

المغرب مطالب بدبلوماسية قوية دون الارتهان لأحد

لا ينبغي أن يدفع الفيتو الروسي المغرب إلى اختزال علاقاته الدولية في موقف تصويت واحد.

فالمملكة تحتاج إلى مواصلة الحوار مع موسكو وواشنطن وبكين وباريس ولندن، ومع باقي الدول المؤثرة في المسار الأممي.

لكن تنويع الشراكات لا يعني التنازل عن الثوابت الوطنية، كما أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية لأي قوة دولية.

إن الموقف المغربي يستند إلى قناعة وطنية راسخة، وإلى مشروع للحكم الذاتي قدمته المملكة سنة 2007، وإلى مسار دبلوماسي وتنموي يتطلب مواصلة البناء والتطوير.

والمطلوب اليوم تعزيز هذا المسار بإعداد التصورات المؤسساتية والقانونية للحكم الذاتي، وتوسيع المشاركة السياسية، وترسيخ الحكامة الجيدة، وضمان استفادة السكان من التنمية والعدالة الاجتماعية.

فالنجاح الدبلوماسي الحقيقي لا يتحقق بالتصويت وحده، بل بقدرة الدولة على تحويل مبادراتها إلى واقع مؤسساتي ناجح.

إصلاح مجلس الأمن.. مطلب لا ينبغي أن يبقى شعارًا

إن واقعة 30 أكتوبر تعيد طرح ضرورة إصلاح مجلس الأمن، ليس فقط بتوسيع تمثيلية الدول والمناطق، ولكن أيضًا بمراجعة قواعد استخدام الفيتو.

ومن الضروري البحث عن آليات تجعل استعمال حق النقض خاضعًا لمزيد من الشفافية والمساءلة، وتمنع تحوله إلى أداة لتعطيل الاستجابة للأزمات الدولية.

كما ينبغي تقوية دور الجمعية العامة، وتعزيز مشاركة الدول الإفريقية والعربية وبقية الدول غير الممثلة بصورة دائمة في صناعة القرارات المصيرية.

وقد لا يكون إلغاء الفيتو أمرًا سهلًا، لأن تعديل ميثاق الأمم المتحدة يستلزم موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية نفسها.

لكن صعوبة الإصلاح لا تبرر التخلي عن المطالبة به.

فالعالم لا يحتاج فقط إلى مؤسسة دولية قوية، بل إلى مؤسسة عادلة أيضًا.

خاتمة.. الفيتو يسقط مشروعًا ولا يغير جغرافيا وطن

لقد أسقطت روسيا مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، لكنها لم تُسقط المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ولم تنه المسار الدبلوماسي، ولم تغير واقع الجغرافيا ولا قناعة المغاربة بوحدتهم الترابية.

وإذا كانت هذه الواقعة قد أبرزت مجددًا قوة حق النقض، فإنها كشفت أيضًا الحاجة إلى مراجعة نظام دولي تظل فيه إرادة الأغلبية عاجزة أمام اعتراض دولة واحدة.

لقد كتبت قبل عشر سنوات عن الفيتو الذي يذبح الديمقراطية في مهدها، وما زلت أرى أن العالم بحاجة إلى قواعد أكثر عدلًا وإنصافًا.

فالقضية أكبر من موقف روسي عابر، وأعمق من مشروع أمريكي لم يُعتمد.

إن الصحراء المغربية، في الوعي الوطني للمغاربة، ليست جغرافيا تنتظر توقيع الدول الكبرى كي تنتمي إلى وطنها، وليست تاريخًا يمكن شطبه بحق النقض.

وإذا كان الفيتو قد عطل قرارًا دوليًا، فإن مسؤولية المغرب تظل قائمة في مواصلة الترافع والعمل الدبلوماسي والبناء التنموي والمؤسساتي.

فالفيتو يستطيع إسقاط مشروع قرار، لكنه لا يستطيع إسقاط قناعة شعب بوطنه، ولا إعادة رسم جغرافيته، ولا مصادرة حقه في الدفاع عن وحدته الترابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *