منتدى العمق

الصحراء: من ورطة الاستفتاء إلى إنهاء مهمة المينورسو

الصحراء: من ورطة الاستفتاء إلى إنهاء مهمة المينورسو

أعلن الملك الراحل الحسن الثاني قبول خطة الاستفتاء بشأن الصحراء، وذلك خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في نيروبي بكينيا سنة 1981، لكنه وصفه بأنه استفتاء تأكيدي. وقد قوبل هذا الموقف بمعارضة بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي، وفي مقدمتهم عبد الرحيم بوعبيد، الذي كلفه موقفه السجن. ستثبت السنوات اللاحقة أن الرجل كان على صواب، وأن مسألة الاستفتاء لم تكن سوى ورطة سياسية ودبلوماسية، كلفت المغرب الكثير من موارده وإمكاناته التنموية، دون أن تفضي إلى نتيجة ملموسة.

ومن خلال استحضار معطيات تلك الحقبة، يتضح أن المغرب لم يكن في وضع دولي واقليمي مريح، نتيجة الانتكاسات الدبلوماسية المتتالية التي قادتها الجزائر في العديد من العواصم الإفريقية، حيث كان المغرب يُقدَّم باعتباره قوة احتلال. يُضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي الهائل الذي ألقى بظلاله على الأوضاع الاجتماعية في البلاد. وفي ظل هذه الظروف، رأت الدولة أن خيار الاستفتاء قد يشكل مخرجًا للأزمة، من شأنه أن يؤكد مغربية الصحراء ويفضي إلى تسوية نهائية للملف.

بيد أن تطورات الأحداث، ولا سيما توقيع اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 وإنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، بهدف الإشراف على تنظيمه، كشفت أن المغرب قد دخل في مسار أكثر تعقيدًا مما كان يتوقع. فقد زُج بالقضية الوطنية في دوامة من الصراعات والحسابات الدولية التي لم تساهم بالضرورة في إيجاد حل، بقدر ما أدت إلى إطالة أمد النزاع، بما أتاح لبعض الأطراف استثماره وفق حساباتها ومصالحها. وقد ازداد هذا التعقيد مع تعثر تنظيم الاستفتاء، لأسباب كثيرة، يأتي على رأسها الخلاف حول المعايير المعتمدة لتحديد الهيئة الناخبة.

وأمام هذا الانسداد، بادر المغرب إلى طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، في محاولة لإيجاد مخرج سياسي للنزاع والانتقال بالملف إلى مرحلة جديدة. غير أن تشبث جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر، بخيار تقرير المصير في إطار تصفية الاستعمار، أبقى المسار السياسي رهين حالة من الجمود المستمر إلى اليوم، على الرغم من الخطاب التصالحي الذي تبناه الملك محمد السادس في مناسبات عدة، وما أبداه المغرب من ضبط للنفس إزاء سلسلة من التوترات والاستفزازات الجزائرية، من بينها قضية العرجات بإقليم فجيج، وحوادث مقتل مواطنين مغاربة على الحدود البرية والبحرية في مناسبات مختلفة، فضلًا عن قطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها من التطورات.

في ظل هذا الوضع، كثّف المغرب تحركاته الدبلوماسية لحشد الدعم لمقترح الحكم الذاتي، وهو ما تُوّج بحصوله على تأييد ثلاث قوى دولية كبرى، هي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فضلًا عن دعم ما يقارب ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وقد تعزز هذا المسار بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2791 سنة 2025، الذي كرس مكانة مقترح الحكم الذاتي، دون أن يلغي نهائيًا مبدأ تقرير المصير. في المحصلة، لم يُحدث هذا القرار تحولًا حاسمًا في مسار النزاع، إذ ظلت الأطراف متمسكة بمواقفها، واستمر الجمود السياسي، وهو وضع لا يخدم المصالح الاستراتيجية للمغرب. ليأتي مشروع قرار مجلس الأمن للسنة الجارية بمقاربة جدرية، تقوم على تكريس الحكم الذاتي باعتباره الخيار الوحيد للتسوية، وإعادة هيكلة بعثة المينورسو بصيغتها الحالية، مع تحويلها إلى بعثة ذات طابع سياسي.

من خلال قراءة مضامين البلاغ الملكي المتعلق بوقف المسار الأممي بشأن الصحراء والمطالبة بإنهاء مهمة المينورسو، يتبين أن المغرب كان يتوقع احتمال استخدام روسيا حق النقض (الفيتو)، وكان مستعدًا للتعامل مع هذا السيناريو. وربما وجد في هذا الموقف الرافض للمشروع، وما قد يترتب عليه من عدم تمديد ولاية البعثة، مبررًا لإعادة ترتيب أوراقه واستعادة زمام المبادرة، والخروج من متاهة المسار الأممي الذي كلفه عقودًا من التنمية المهدورة وتنازلات صعبة انعكست أحيانًا على سمعته الدولية، دون تحقيق نتائج تذكر. كما أن تصريحات الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة بشأن العمل على إنهاء مهمة المينورسو، بالتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب رفض المشروع الروسي المضاد واستخدام الولايات المتحدة حق النقض ضده، رغم أنه لم يكن ليحظى بالاعتماد لعدم حصوله على الأصوات التسعة اللازمة، كلها مؤشرات تستدعي التوقف عندها، وقد تعكس مستوى متقدمًا من التنسيق الأمريكي المغربي بشأن التوجه نحو إنهاء الصيغة الحالية للبعثة. ينطبق الأمر نفسه على فرنسا وبريطانيا ولكن بمستوى أقل.

فهل ستشهد المرحلة المقبلة تصحيحًا لمسار خاطئ استمر خمسة وثلاثين عامًا، وتجاوزًا لإحدى أكثر المراحل استنزافًا للجهد الدبلوماسي والموارد الوطنية؟ وهل سيتمكن المغرب أخيرًا من طي صفحة الاستفتاء والانتقال إلى تسوية سياسية تنهي هذا النزاع وفق مقترح الحكم الذاتي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *