وجهة نظر

الصحراء المغربية بعد 30 أكتوبر 2026: هل دخلت المقاربة الأممية مرحلة جديدة؟

صورة الكاتب محمد فرحان

لم يكن اجتماع مجلس الأمن الخاص بقضية الصحراء المغربية، في 30 أكتوبر 2026، مجرد محطة روتينية أخرى في سجل الأمم المتحدة الحافل بالاجتماعات الدورية؛ بل جاء ليكشف عن تحولات جذرية ومفصلية في كواليس إدارة هذا الملف. التحول هنا لم يمس فقط مستقبل البعثة الأممية على الأرض، بل طال طبيعة التوازنات الدولية والإطار السياسي الذي ظل يُؤطر البحث عن تسوية نهائية للنزاع طيلة عقود. وتكمن أهمية هذه المحطة في كونها أتت ضمن سياق دولي ومحلي متداخل؛ سياق لم يعد ينظر إلى النزاع المفتوح منذ سبعينيات القرن الماضي من زاوية استمرار المفاوضات لمجرد المفاوضات، بل بات يفرض إعادة تقييم شاملة للأسس التي قام عليها هذا المسار السياسي برحمته المؤسساتية، متسائلاً عن مدى قدرة الصيغة الأممية القديمة على إنتاج حل واقعي ينهي الصراع.

من إدارة الأزمة إلى إعادة النظر في أدواتها

منذ أن أنشئت بعثة الأمم المتحدة الـMINURSO عام 1991، اعتمد التعاطي الأممي مع الملف على مقاربة إدارة الأزمة والبحث عن خيار توافقي، غير أن الخلاف المستمر حول المرجعيات الاستفتائية والجمود الذي رافق الجولات التفاوضية أفقدا هذه المقاربة نجاعتها، مما جعل التحديات تراكم وزنا فوق وزن. أمام هذا الانسداد، بدأ يتبلور في السنوات الأخيرة اتجاه دولي يرى ضرورة إعادة تشكيل أداة الحل ذاتها. وفي هذا المقام، لم يعد مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007 يطرح كخيار تفاوضي عريض فحسب، بل تحول إلى مرجعية سياسية تحظى بدعم متزايد على الساحة الدولية. هذا التحول تجلى بشكل واضح في القرار رقم 2797 الصادر عام 2025، والذي وضع الحكم الذاتي كأرضية رئيسية للتفاوض، مشيراً إلى أنه يمثل الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. غير أن الأمانة الفكرية والسياسية تتطلب التمييز هنا بين التطور في مرجعية التفاوض وبين الحسم القانوني والسياسي النهائي للنزاع، فالتسليم بواقعية خيار لا يعني تلقائيا إغلاق الملف قانونيا في الأمم المتحدة، إذ لكل مسار أدبياته وموجباته.

اجتماع أكتوبر: تفكيك ما حدث فعلا

إن قراءة اجتماع 30 أكتوبر لا ينبغي أن تقف عند حدود نتائج التصويت أو حصرها في موقف دولة بعينها، بل في الانقسام الأعمق الذي ظهر بين أروقة مجلس الأمن حول مستقبل الوجود الأممي وطبيعة الدور المرتقب للأمم المتحدة. فقد كشفت التجاذبات ومشاريع القرارات المتضاربة أن النقاش تجاوز مسألة تمديد ولاية البعثة ليطرح سؤالا جوهريا: ما هو شكل وحجم الحضور الأممي المطلوب في ظل الواقع الميداني والسياسي الجديد؟

من هنا، فإن عدم التوصل إلى صياغة موحدة لم يكن مجرد تعثر تقني، بل كان انعكاسا لصراع بين منطقين:

منطق أول: يسعى لملائمة وظيفة الأمم المتحدة مع التحولات الواقعية والدعم الدولي العريض للموقف المغربي.

منطق ثاني: يتمسك بالمحافظة على الهيكل المؤسساتي التقليدي للعملية الأممية تحسباً لأي مساس بشرعية الإجراءات.

إن هذا التباين داخل المجلس يوضح حقيقة أساسية: التعثر الإجرائي لا يعني غياب التحول السياسي، وتجمُّد خيار ما لا يُعد انتصاراً حاسماً لأي طرف. فالقرارات داخل مجلس الأمن تبقى دائماً رهينة حسابات الدول الكبرى وتوازنات المصالح الجيوسياسية المتقاطعة مع قواعد الشرعية الدولية.

البلاغ الملكي: تفكيك الرسائل ودلالات الموقف

في هذا السياق المتشابك، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 ليمثل قراءة المغرب الصريحة والمباشرة للمرحلة التي وصل إليها الملف. البلاغ لم يكتفِ بالتعليق الإجرائي، بل رسم خطاً فاصلاً بين مرحلتين: المرحلة السابقة التي كانت قائمة على تدبير النزاع، والمرحلة الحالية التي تستهدف إغلاق الملف نهائيا. ومن هنا جاءت إشارته الصريحة إلى ضرورة إنهاء مهمة بعثة الـMINURSO في الأقاليم الجنوبية وتصفية ملف القضية من جدول أعمال مجلس الأمن.

والراجح أن هذه المواقف تترجم رغبة مغربية حازمة في ترسيخ واقع سياسي جديد، مفاده أن التحول في مواقف الدول العظمى تجاه الحكم الذاتي يجب أن يتبعه تحول موازي في التعاطي الأممي المؤسسي.

لكن من الزاوية القانونية والتحليلية، ينبغي وضع فاصل منهجي بين الموقف السياسي للدولة (الذي يعبر عنه البلاغ) وبين الآثار القانونية الصادرة عن الأمم المتحدة؛ فالبلاغات السياسية الرسمية، رغم وزنها الجيوسياسي، لا تلغي تلقائياً قرارات مجلس الأمن ولا تنتج آثاراً إدارية فورية داخل هيكل المنظمة الدولية ما لم تترجم إلى قرارات صريحة.

ومع ذلك، تكمن القوة الاستراتيجية للبلاغ في تضمنه لمرتكزات المرحلة المقبلة، تشمل:

التمسك بوقف إطلاق النار كمبدأ.

مواصلة الجهد الدبلوماسي لتوسيع قاعدة الاعتراف.

الانتقال من مرحلة الدفاع عن المقترح إلى مرحلة توفير الشروط السياسية والميدانية لتنزيله.

الدبلوماسية الملكية نحو إعادة رسم قواعد اللعبة

لا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن المسار التفاوضي والدبلوماسي الذي قاده الملك محمد السادس على مدى السنوات الماضية، والجلي أن هذه الدبلوماسية قد ارتكزت على تنويع الشركاء الدوليين، واستثمار العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وتوظيف ورقة التعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع القوى النافذة. هذا التوجه أخرج الملف من زاوية قد ارتكزت الانحصار التفاوضي الضيق إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والأمنية.

فالمملكة المغربية لم تعد تدافع عن موقفها بأسلوب الخطاب السياسي التقليدي، بل عبر شبكة مصالح متبادلة تجعل من استقراره وسيادته خياراً حيوياً لشركائه الدوليين. ومع ذلك، فإن قراءة هذا التراكم الدبلوماسي بعين موضوعية تتطلب عدم افتراض أن النزاع قد حسم كليا، إذ هناك فارق قانوني وسياسي بين الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي وبين الاعتراف القانوني الصريح بالسيادة، كما أن تأييد خيار المملكة المغربية لا يعني بالضرورة اتفاق جميع الدول على كيفية إنهاء الدور الأممي، بيد أن هذا التمييز يسهم في تقييم المكتسبات بحجمها الحقيقي دون تضخيم أو تفريط.

ما بعد محطة أكتوبر: من الدبلوماسية إلى تفعيل الاستدامة

إذا كانت السنوات الماضية قد ركزت على إقناع العالم بوجاهة المقترح المغربي، فإن التحدي في المرحلة المقبلة يتجاوز النجاح الدبلوماسي إلى منطق الاستدامة والتنفيذ، فالمطلوب اليوم هو تحويل هذا الدعم السياسي الدولي إلى واقع مؤسساتي وعملي على الأرض، عبر:

تطوير آليات الحكم الذاتي وتوضيح معالمه العملية.

توسيع التوافقات الإقليمية والمحلية حوله.

إدارة العلاقات الدولية بمرونة في ظل استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن.

كما أن تغير صيغة الحضور الأممي أو حتى انتهائه على الأرض لا يعني بالضرورة زوال الخلافات السياسية والقانونية دفعة واحدة. بالتالي، يكمن التحدي الحقيقي في الانتقال المنهجي من مرحلة حشد التأييد إلى مرحلة تثبيت أركان التسوية الدائمة، مع إدراك أن التقلبات الجيوسياسية الدولية تظل متغيرة دائماً.

محطة في مسار وليس نهاية المطاف

تؤكد تطورات 30 أكتوبر 2026 أن قضية الصحراء المغربية تمر بمرحلة تتجاوز التجديد الروتيني لقرارات البعثات الأممية. إنها مرحلة مراجعة عميقة لأدوات النزاع والمرجعيات المؤطرة له، ولحجم موقع المغرب في معادلة التوازنات الإقليمية.

بيد أن التراكم الدبلوماسي للمملكة قد منحها موقعا قريبا من الحسم، غير أن قيمة هذا الموقع تتوقف على القدرة على استثمار المكاسب وتحويلها إلى نتائج سياسية دقيقة ومستدامة. لذلك، فإن اعتبار هذه المحطة “نهاية مطاف” سيكون استباقاً متسرعاً، كما أن التقليل منها واعتبارها مجرد خِلاف إجرائي سيكون إغفالاً لدلالاتها السياسية العميقة. والقراءة الأكثر نضجاً هي التعامل معها كـ مؤشر صريح على دخول الملف مرحلة إعادة هيكلة أممية وسياسية شاملة، تتوقف نتائجها على مدى توفق المغرب في تثبيت رصيده الدبلوماسي داخل أفق سياسي قابل للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *